تصريحات صادرة من صنعاء تؤكد أن “الملاحة في باب المندب آمنة للجميع باستثناء السعودية لحين إنهاء ملفاتها العالقة في اليمن”، تصريحات تضع الخطوط العريضة لمرونة سياسية مشروطة، ومرحلة جديدة من المواجهة الجيوسياسية.
وفي مقابل هذا الموقف، تتجه الرياض كعادتها عند كل استحقاق ميداني أو سياسي معقد إلى البحث عن “غطاء جماعي” واستدعاء تحالفات جديدة تحت ذريعة تأمين الممرات المائية.
وتظهر الدعوات السعودية الدائمة لتشكيل تحالفات لحماية البحر الأحمر حجم “الاستعصاء” الذي تعانيه السياسة السعودية تجاه اليمن، فبدلًا من الذهاب المباشر نحو معالجة أسباب المشكلة والوفاء بالتزامات التهدئة واستحقاقات السلام، تجد الرياض نفسها في حالة تعثر حقيقي؛ مما يدفعها لمحاولة تعويم الأزمة وتحويلها من ملف ثنائي بينها وبين اليمن إلى قضية دولية تُعنى بأمن الطاقة والتجارة العالمية.
وأرى أن استجابة أي دولة للدعوة السعودية للمشاركة في تحالف جديد ضد اليمن توسع دائرة المخاطرة لعدة أسباب؛ لا سيما بعد إعلان صنعاء أن الملاحة البحرية مفتوحة وآمنة لكافة الدول باستثناء الطرف المعتدي، وبالتالي فإن الدخول في هذا التحالف يعني بالضرورة التطوع لحماية أطراف محددة ودخول خط المواجهة دون مبرر إستراتيجي.
إن توسع نطاق الحظر المائي والتدخل إلى جانب السعودية سيترتب عليهما آلية رد يمنية قد تمتد لتشمل حركة سفن ومصالح الدول المشاركة نفسها، مما يحول مصالح تلك الدول إلى أهداف مشروعة ويضع تجارتها البحرية تحت خط الحظر، وعند أي خطأ في الحسابات، سيثبت مجددًا للتحالفات الجديدة — كما اتضح للتحالفات السابقة التي قادتها الرياض أو شاركت فيها واشنطن — أن خيار التصعيد العسكري لحماية الملاحة لا يؤدي إلا إلى تقييدها وزيادة مخاطرها، وليس العكس.
نصيحة صادقة نوجهها للقوى الإقليمية والدولية: تجنبوا الارتهان للرغبات السعودية، فمشكلتنا مع السعودية واضحة، والهروب نحو التحالفات لن يسقط حق اليمن أو يلغي معادلته المعلنة بهدف إنهاء الأزمة.
على السعودية أن تدرك أنها لن تستطيع تجاوز الحظر اليمني بحشد التحالفات واستجلاب البوارج، فالطريق الأقرب للمرور بأمان هو رفع الحصار عن اليمن، وإنهاء الاحتلال، وعدم التدخل في الشأن الداخلي لليمن، فالعالم أمام لحظة فارقة: إما الذهاب نحو تهدئة شجاعة تعالج جذور الأزمة في اليمن وتؤمن الملاحة للجميع بشكل دائم، أو الانجرار خلف تحالفات السعودية الجديدة التي لن تجلب لمن يشارك فيها سوى توسيع دائرة الحظر والخسران الإستراتيجي.
