في جريمة جديدة تجسّد وحشية الاحتلال الإسرائيلي وتصاعد الإرهاب الاستيطاني المنظم، أقدم مستوطنون صهاينة فجر الخميس على إحراق مسجد الحاجة حميدة الواقع بين بلدتي ديراستيا وكفل حارس شمال غرب محافظة سلفيت، في اعتداءٍ آثمٍ استهدف بيتاً من بيوت الله وكتب شعارات عنصرية على جدرانه، وفق ما أكّدته وزارة الأوقاف الفلسطينية.
وقال الناشط في مقاومة الاستيطان نظمي السلمان إن المستوطنين سكبوا مواداً قابلة للاشتعال عند مدخل المسجد وأشعلوا النيران فيه، قبل أن يتدخل الأهالي لإخماد الحريق ومنع امتداده إلى كامل المبنى، مضيفاً أن “الجريمة تأتي ضمن سلسلة اعتداءات متكررة تهدف إلى تهويد الأرض وتدنيس المقدسات الإسلامية تحت حماية جيش الاحتلال”.
ويأتي هذا العمل الإجرامي بينما كشفت القناة 12 العبرية عن انخفاضٍ حاد في فتح ملفات التحقيق بجرائم المستوطنين عام 2024، وعدم تقديم أي لائحة اتهام ضد مرتكبيها، في مشهدٍ يُكرّس سياسة الإفلات من العقاب التي تُغذّي العنف الديني والتطرف القومي الصهيوني.
وقد أثارت الجريمة موجة تنديد دولية وعربية واسعة:
- الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أدان الحادثة بشدة عبر المتحدث باسمه، مؤكداً أن “تدنيس دور العبادة جريمة غير مقبولة”، وداعياً إلى محاسبة مرتكبي الهجوم، مشيراً إلى أن الاعتداء يأتي في سياق “نمط متنامٍ من العنف المتطرف ضد الفلسطينيين”.
- الأردن عبّر عن رفضه القاطع لما سمّاه “الإرهاب الاستيطاني المنظم”، محمّلاً الاحتلال مسؤولية كاملة عن الجريمة. وقال المتحدث باسم الخارجية فؤاد المجالي إن استمرار هذه الاعتداءات ينذر بتفجر الأوضاع في الضفة الغربية، محذراً من محاولات فرض أمر واقع عبر إحراق المقدسات وترويع السكان، داعياً المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لوقف التصعيد الإسرائيلي.
- المملكة العربية السعودية أدانت بدورها “الاعتداء الآثم على مسجد الحاجة حميدة واقتحام باحات الأقصى”، محذّرةً من أن “الصمت الدولي على هذه الجرائم يضعف النظام الدولي ويقوّض أسس العدالة”، مجددة دعمها الكامل لحقوق الشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة على حدود 1967.
- أما الأزهر الشريف فقد وصف الجريمة بأنها “عمل إرهابي نكراء يعكس همجية الاحتلال الصهيوني وتطرفه البغيض”، مؤكداً أن “الاعتداء على المساجد لا يستهدف فقط أماكن العبادة، بل مشاعر المسلمين والمؤمنين في كل أنحاء العالم”، ودعا إلى محاسبة الجناة وإنهاء حالة الإفلات من العقاب التي يتمتع بها المستوطنون.
- كوبا انضمت إلى قائمة الدول المنددة، إذ أدان وزير خارجيتها برونو رودريغيز باريا جريمة إحراق المسجد، واصفاً إياها بأنها “تجسيد لسياسة الكراهية والتحريض على العنف والإبادة التي يتبعها الكيان الصهيوني”. وأكد أن هذا الاعتداء يعكس “نهجاً استيطانياً ممنهجاً يستهدف طمس الهوية العربية والإسلامية للأراضي الفلسطينية المحتلة”، مجدداً دعم هافانا الثابت للشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، وداعياً المجتمع الدولي إلى “وقف الصمت الذي يشجع الاحتلال على ارتكاب مزيد من الجرائم بحق المدنيين والمقدسات”.
وتزامنت الجريمة مع تظاهرات في شمال الضفة الغربية (مخيم نور شمس)، حيث طالب مئات الفلسطينيين بالعودة إلى منازلهم التي هُجّروا منها قبل عشرة أشهر خلال عمليات التدمير التي نفذها جيش الاحتلال، في وقتٍ تواصل فيه إسرائيل خروقها لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وسط تصاعد الغضب الشعبي الفلسطيني والعربي.
وتعكس هذه التطورات تصعيداً خطيراً في سلوك الاحتلال، الذي بات يوظّف المستوطنين كأداة لتنفيذ جرائم ممنهجة ضد المقدسات الإسلامية، في ظل دعم حكومي وحماية عسكرية كاملة، وغياب أي تحرك دولي فعّال لردع هذه الانتهاكات.
إن إحراق مسجد الحاجة حميدة ليس حادثاً معزولاً، بل حلقة في سلسلة طويلة من الإرهاب الديني الصهيوني الذي يستهدف الأرض والإنسان والعقيدة، ويكشف عن وجه الاحتلال الحقيقي كقوة عنصرية متطرفة تضرب عرض الحائط بكل القوانين والأعراف الدولية.
وفي ظل هذا الصمت المطبق، يزداد إصرار الفلسطينيين والعرب والمسلمين على أن النار التي أشعلها المستوطنون في مسجدٍ صغير بسلفيت، قد توقظ ضمير العالم النائم أمام جريمة احتلالٍ لا يزال يحرق كل يوم مسجداً وقريةً وذاكرةً حية من تاريخ فلسطين.
