انتهت جولة المفاوضات الإيرانية الأمريكية في جنيف بإعلان رسمي من وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي عن إحراز تقدم ملحوظ، في مؤشر سياسي مهم على أن طهران نجحت في فرض إيقاع تفاوضي جاد، قائم على الحقوق السيادية ورفع العقوبات، لا على الإملاءات الأمريكية التي حاولت واشنطن تمريرها تحت ضغط التهديدات والحشود العسكرية.
وأكد البوسعيدي أن المفاوضات ستُستأنف بعد فترة وجيزة من التشاور في العاصمتين، كاشفًا أن محادثات تقنية ستُعقد الأسبوع المقبل في فيينا، وهو ما يعكس انتقال النقاش من العموميات السياسية إلى البحث الفني التفصيلي، بما يعني أن المقترحات الإيرانية لم تكن شكلية أو دعائية، بل حملت مضمونًا عمليًا فرض نفسه على طاولة التفاوض.
الجولة الثالثة التي عُقدت في السفارة العمانية بـ”جنيف“، وشهدت مفاوضات استمرت ساعات عدة، أظهرت بوضوح أن الوفد الإيراني دخل المعركة الدبلوماسية بسقف مرتفع وثابت، رافضًا أي مساس بجوهر البرنامج النووي السلمي أو بأي من عناصر القوة الوطنية.
وخلال فترة الاستراحة، أوضح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية حميد بقائي أن مقترحات مهمة جدًا وعملية طُرحت في مجال الملف النووي ورفع العقوبات، وأن الجانبين احتاجا إلى التشاور مع العاصمتين بشأنها، في تأكيد مباشر على أن طهران وضعت أمام واشنطن خريطة حل متكاملة تنزع الذرائع المتعلقة بالطابع السلمي للبرنامج، وتفتح باب الاتفاق إذا توفرت الإرادة السياسية الحقيقية لدى الطرف الأمريكي.
وفي هذا السياق، كشفت مصادر إيرانية رفيعة أن المقترح الإيراني في “جنيف” ركّز أساسًا على رفع العقوبات والتعامل مع القلق الأمريكي ضمن مسارات فنية وعملية واضحة، مع تقديم معطيات تؤكد أن إيران لا تريد سلاحًا نوويًا، لكنها في الوقت نفسه ترفض كليًا مبدأ تصفير التخصيب إلى الأبد، وتفكيك المنشآت النووية، ونقل مخزون اليورانيوم.
هذا الموقف الإيراني يعكس ثباتًا استراتيجيًا لا لبس فيه: لا تنازل عن التخصيب بوصفه حقًا سياديًا، ولا قبول بأي صيغة تستهدف تفكيك البنية النووية الإيرانية تحت غطاء الاتفاق. كما شددت المصادر على أن المقترح الإيراني لا يتضمن أي نقاش بشأن المنظومات الصاروخية أو البرامج الدفاعية، في رسالة واضحة بأن طهران لن تسمح بتحويل المفاوضات النووية إلى بوابة لاستهداف عناصر ردعها العسكري.
وفي مواجهة الضغوط الغربية، قدّمت إيران صيغة متوازنة ومبنية على الشفافية، تضمنت خفض مخزون اليورانيوم إلى درجات تخصيب متدنية بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى جانب إجراءات فنية تؤكد الطبيعة السلمية للبرنامج، مع المحافظة الكاملة على أصل الحق في التخصيب والتكنولوجيا النووية. ووفق مسؤول إيراني رفيع، فإن المقترح الإيراني كان جادًا سياسيًا وخلاقًا فنيًا، ويتضمن ما يكفي للوصول إلى اتفاق فوري إذا قررت واشنطن التخلي عن منطق الابتزاز والانتقال إلى منطق الحل.
وفي المقابل، أظهرت المواقف الأمريكية استمرارًا واضحًا في سياسة الشروط التعجيزية. فبحسب ما نقلته وسائل إعلام أمريكية، أصر المفاوضون الأمريكيون على وقف التخصيب بشكل دائم، وتفكيك المنشآت النووية الرئيسية، وتسليم اليورانيوم المخصب، وفرض تحقق طويل الأمد من البرنامج الإيراني، وهي شروط تكشف أن واشنطن ما زالت تحاول فرض اتفاق إذعان لا اتفاق توازن. كما تحدثت تقارير أمريكية عن رغبة البيت الأبيض في أن يستمر أي اتفاق إلى الأبد، بما يعني عمليًا تحويله إلى أداة تقييد دائمة للسيادة الإيرانية، لا إلى تسوية متبادلة تراعي حقوق الطرفين.
ورغم هذه الشروط المتشددة، فإن التقييمات الأمريكية نفسها بدت متضاربة ومرتبكة، وهو ما يعكس حجم الحيرة في واشنطن أمام المقترح الإيراني. فبينما تحدثت “سي إن إن” عن محادثات مباشرة جرت بين ستيف ويتكوف وعباس عراقجي خلال الجولة الثالثة، سارعت “تسنيم” إلى توضيح أن اللقاء اقتصر على تبادل التحية والمجاملة الدبلوماسية، بما يكشف أن بعض الروايات الأمريكية والغربية تحاول تضخيم الشكل على حساب المضمون.
وفي الوقت نفسه، نقل موقع “أكسيوس” عن مصدر أن ويتكوف وكوشنر شعرا بخيبة أمل من الطرح الإيراني في الجلسة الصباحية، قبل أن يعود الموقع نفسه وينقل عن مسؤول أمريكي أن محادثات جنيف كانت إيجابية. هذا التناقض لا يعكس سوى ارتباك أمريكي أمام مقترح إيراني سحب الذرائع وفرض اختبارًا فعليًا لمدى جدية واشنطن في الدبلوماسية.
في الموازاة، كانت طهران تحرص على إرسال رسالة مزدوجة: مرونة تفاوضية تحت سقف السيادة، وجهوزية ميدانية تحت سقف الردع. وفي هذا الإطار، أكد قائد القوات البرية في الجيش الإيراني العميد علي جهانشاهي أن القوات المسلحة ستبقى في الميدان حتى آخر قطرة دم دفاعًا عن الوطن، مشددًا على أن امتلاك القوة يشكل عامل ردع أساسيًا في مواجهة الأعداء، وأن الجيش سيواصل طريق الشهداء دفاعًا عن إيران ومبادئها. هذه الرسالة العسكرية لم تكن معزولة عن أجواء “جنيف“، بل جاءت لتؤكد أن طهران تفاوض من موقع القوة والثبات، لا من موقع الخشية أو الارتباك أمام الحشود والتهديدات الأمريكية.
كما أن التصريحات الإيرانية المتواصلة حول التزام الجمهورية الإسلامية بتجنب أي محاولة لاقتناء السلاح النووي، بالتزامن مع الإصرار على رفع العقوبات الاقتصادية والمالية، تؤكد أن الموقف الإيراني لم يتغير في جوهره: برنامج نووي سلمي مشروع، وحق قانوني غير قابل للمصادرة، وعقوبات غير شرعية يجب رفعها بالكامل. وفي المقابل، فإن الإصرار الأمريكي على مطلب “التصفير” و”التفكيك” و”التحقق الأبدي” يفضح أن الخلاف الحقيقي ليس حول الخطر النووي، بل حول محاولة واشنطن تجريد إيران من استقلالها التكنولوجي والردعي.
ومن هنا، فإن جولة جنيف لم تكن مجرد محطة تفاوضية عابرة، بل كشفت بوضوح عن فارق جوهري بين مشروعين: مشروع إيراني يطرح حلولًا فنية وعملية وشفافة تحفظ الحقوق وتغلق باب الذرائع، ومشروع أمريكي يواصل استخدام لغة الدبلوماسية لتمرير شروط الهيمنة والتقييد الدائم. ومع إعلان البوسعيدي عن تقدم ملحوظ، ومع انتقال الملف إلى محادثات تقنية في فيينا، يتأكد أن طهران نجحت في تثبيت معادلتها: لا تصفير، لا تفكيك، لا مساس بالبرنامج الدفاعي، ولا اتفاق بلا رفع حقيقي للعقوبات. أما واشنطن، فقد باتت أمام اختبار حاسم: إما أن تدخل الدبلوماسية بجدية، أو ينكشف مرة أخرى أن كل حديثها عن التفاوض ليس إلا مناورة سياسية مغطاة بالضغط العسكري والابتزاز الإعلامي.
