ذات صلة

الأكثر مشاهدة

أجنحة تحترق وقواعد تتراجع.. الحرب تدخل طور الاستنزاف المفتوح من بن غوريون إلى هرمز

دخلت الحرب في الساعات الأخيرة مرحلة أكثر اتساعاً وخطورة، بعدما تداخلت الضربات الإيرانية على العمق الإسرائيلي مع التصعيد البحري في الخليج والضغط المتواصل من حزب الله والدخول اليمني المشترك على خط العمليات، في وقت بدأت فيه آثار المعركة تظهر بوضوح على القواعد الأمريكية، وعلى حركة الطاقة والملاحة، وعلى الأسواق العالمية نفسها. فالمشهد العام لم يعد يوحي بحرب خاطفة أو بحسم قريب، بل بـ حرب استنزاف متعددة الجبهات تتآكل فيها قدرة واشنطن وتل أبيب على التحكم بالإيقاع أكثر فأكثر.

وفي أحدث التطورات الميدانية، أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ العملية العسكرية الخامسة بصاروخ باليستي انشطاري وعدد من الطائرات المسيّرة، مستهدفة مطار اللد في منطقة يافا وأهدافاً حيوية وعسكرية في جنوب فلسطين المحتلة، مؤكدة أن العملية جاءت بالتنسيق مع حرس الثورة والجيش الإيراني وحزب الله في لبنان. وفي الوقت نفسه، واصل حرس الثورة والجيش الإيراني إطلاق موجات صاروخية متتابعة على رامات غان وبيتح تكفا وبني براك وتل أبيب الكبرى وبئر السبع والنقب وديمونا، بينما أقرت وسائل إعلام إسرائيلية بسقوط ذخائر وشظايا في مواقع عدة وحدوث أضرار مادية وحرائق في منشآت ومركبات.

وعلى مستوى المواجهة الجوية، بدا أن السماء نفسها تحولت إلى ساحة خسارة أمريكية لا إلى مجال تفوق مضمون. فقد أكدت رويترز وأسوشيتد برس إسقاط طائرتين حربيتين أمريكيتين، F-15E فوق إيران وA-10 قرب مضيق هرمز، مع إنقاذ أحد الطيارين وبقاء آخر في عداد المفقودين، في حين أصيبت مروحيات أمريكية خلال عمليات البحث والإنقاذ. أما التفاصيل الإضافية التي وردت في المستجدات المرسلة، ومنها الحديث عن تدمير مروحيات بلاك هوك وطائرات نقل C-130 ومحاولات إنقاذ فاشلة جنوب أصفهان، فهي تبقى ضمن إعلانات ميدانية صادرة عن الجانب الإيراني ولم يتسنَّ التحقق المستقل من كامل عناصرها حتى الآن. ومع ذلك، فإن الثابت من المصادر الدولية أن القدرة الإيرانية على إسقاط طائرات مأهولة أمريكية أصبحت واقعاً مؤكداً، وأن مزاعم السيطرة الجوية الكاملة تعرضت لضربة كبيرة.

وفي الجبهة اللبنانية، تواصل المقاومة الإسلامية في لبنان توسيع بنك الأهداف على نحو يرهق الجيش الإسرائيلي ميدانياً ويضعف صورته الاستخبارية. فقد أعلن حزب الله تنفيذ 48 ثم 49 عملية نوعية خلال 24 ساعة، شملت استهداف كريات شمونة ونهاريا وأفيفيم ومعالوت ترشيحا وميرون وصفد وروش بينا وكتسرين، إضافة إلى ضرب تجمعات جنود وآليات في عيناتا والقنطرة والمالكية والبياضة ومارون الراس. والأكثر دلالة كان إعلان الحزب استهداف بارجة حربية إسرائيلية على بعد 68 ميلاً بحرياً قبالة السواحل اللبنانية بصاروخ كروز بحري، في انتقال واضح للردع من البر إلى البحر. كما كشفت تسريبات من داخل الجيش الإسرائيلي، بحسب ما ورد في الملف، أن قائد المنطقة الشمالية أقرّ في حديث مغلق بأنه “تفاجأ بحزب الله”، وأن هناك فجوة استخبارية حقيقية بشأن سرعة تعافيه وقدرته على مواصلة القتال بكثافة. وكانت رويترز قد ذكرت قبل أيام أن إسرائيل توسّع عملياتها جنوب لبنان في محاولة لوقف صواريخ الحزب، وهو ما يعكس حجم الضغط الذي تفرضه الجبهة الشمالية على القرار العسكري الإسرائيلي.

وفي العراق والخليج، اتسعت خريطة النار إلى القواعد الأمريكية والبنى الاقتصادية المرتبطة بالمجهود العسكري. فالمقاومة الإسلامية في العراق أعلنت تنفيذ 19 عملية خلال 24 ساعة على قواعد العدو في العراق والمنطقة، بينما تحدثت البيانات الإيرانية عن استهداف منصات هايمارس في الكويت، ومنظومة باتريوت في البحرين، ومقار ومواقع عسكرية أمريكية في الإمارات، إلى جانب هجمات على منشآت طاقة وبتروكيماويات في الرويس، حبشان، البحرين، والكويت. وفي موازاة ذلك، تؤكد المستجدات أن طهران ومسقط تجريان مشاورات متواصلة حول العبور الآمن عبر مضيق هرمز، مع تشديد إيراني على أن الإجراءات المتخذة هناك ترتبط مباشرة بالحرب وبمنع استغلال المضيق لتنفيذ اعتداءات على إيران. كما نقلت وول ستريت جورنال أن واشنطن تبحث تقديم غطاء تأميني ضخم للناقلات التي قد تحاول العبور، في دليل على أن المضيق لم يعد ممر عبور عادي، بل ورقة ردع وسيادة ومساومة استراتيجية.

هذا التحول الميداني انعكس فوراً على الاقتصاد العالمي. فـ رويترز أشارت إلى أن الحرب رفعت أسعار النفط من جديد وأعادت القلق إلى الأسواق، بينما أظهر تقرير آخر أن خام برنت قفز إلى ما فوق 105 دولارات بعد خطاب ترامب، مع استمرار المخاوف التضخمية وسلاسل التوريد المعطلة. وفي الولايات المتحدة، تحدثت بلومبيرغ ووسائل أمريكية أخرى في المستجدات المرسلة عن ضغوط متزايدة على الوقود والتضخم، فيما أكدت CBS أن الحرب بدأت تضرب جيوب الأمريكيين عبر ثلاث قنوات رئيسية: البنزين، والسفر، وكلفة الاقتراض السكني. كما أن أمازون فرضت رسوماً إضافية على الوقود والشحن بسبب الحرب، وهو ما يوضح أن الكلفة لم تعد محصورة في الميدان العسكري، بل انتقلت إلى الحياة اليومية والاقتصاد الاستهلاكي العالمي.

سياسياً، تكشف الوقائع المتراكمة أن المعركة تتجه من محاولة إسقاط إيران أو إخضاعها إلى محاولة البحث عن مخرج أقل كلفة. فداخل إسرائيل نفسها، ورد في تسريبات ميدانية أن التقدير بات يميل إلى أن الحرب لن تنتهي إلا باتفاق، وأن النظام الإيراني لن يسقط وفق الرؤية التي رُوج لها في بداية العدوان. وفي الولايات المتحدة، تتحدث رويترز عن إحباط متصاعد داخل الإدارة مع استمرار الحرب، بينما تفيد التقارير بأن ترامب يدرس تعديلاً وزارياً أوسع تحت ضغط التداعيات. وبهذا المعنى، فإن التحول الأهم ليس فقط في عدد الضربات أو اتساع الجبهات، بل في تبدل هدف الحرب نفسه: من مشروع حسم سريع إلى محاولة احتواء خسائر تتراكم في الجو والبحر والاقتصاد والسياسة.

خلاصة المستجدات أن الحرب باتت تُدار اليوم على أربعة مستويات متزامنة: إيران تضرب العمق الإسرائيلي وتستنزف القواعد الأمريكية، حزب الله يضغط بالنار اليومية على الشمال والبحر، اليمن دخل في العمليات المشتركة بصورة معلنة، والعراق يواصل توسيع استهدافه للقواعد الأمريكية. وفي المقابل، تتآكل صورة التفوق الأمريكي الإسرائيلي تحت ضغط إسقاط الطائرات، وفشل الإنقاذ، وتعاظم الخسائر الاقتصادية، وعودة الملاجئ والحرائق والإنذارات إلى قلب الكيان. ما يجري لم يعد مجرد جولة نار، بل إعادة رسم لمعادلات القوة في المنطقة بالنار والزمن والكلفة

spot_imgspot_img