فجّر الرئيس التنفيذي لمجموعة “أكسل شبرينغر” الإعلامية الألمانية، ماتياس دوبفنير، عاصفة جديدة من الجدل داخل الأوساط الصحفية والإعلامية، بعد أن وجّه رسالة حادة إلى موظفي موقع “بوليتيكو”، خيّرهم فيها بين الالتزام بما وصفه بالمبادئ الجوهرية للمجموعة، وفي مقدمتها دعم الاحتلال الإسرائيلي، أو مغادرة المؤسسة، في موقف أثار تساؤلات واسعة حول مستقبل الاستقلال التحريري داخل واحدة من أكبر الإمبراطوريات الإعلامية في أوروبا.
وجاءت تصريحات دوبفنير خلال اجتماع متوتر عُقد يوم 27 أبريل/نيسان مع صحفيين ومسؤولين في “بوليتيكو”، عقب رسالة داخلية من موظفين حذروا فيها من أن المقالات التي يكتبها رئيس المجموعة باتت تضر بصورة المؤسسة كمنصة إخبارية محايدة، خصوصاً مع تصاعد مواقفه العلنية المنحازة لصالح إسرائيل والولايات المتحدة في الحرب على إيران.
وبحسب التسريبات الصوتية، شدد دوبفنير على أنه “لا ينبغي لأحد أن يعمل في أكسل شبرينغر وهو على خلاف مع أحد المبادئ الأساسية للمجموعة”، في إشارة مباشرة إلى منظومة القيم التي تفرضها الشركة على مؤسساتها الإعلامية، والتي تشمل الحرية، والأسواق الحرة، وما تسميه “حق إسرائيل في الوجود”. ولم يكتف بذلك، بل وضع دعم إسرائيل مباشرة بعد قيمة الحرية الفردية، معتبراً أن التشكيك في هذا المبدأ يمس جوهر هوية المؤسسة.
هذا الموقف بدا، في نظر كثيرين، بمثابة إخضاع واضح للعمل الصحفي لمعيار أيديولوجي مسبق، وهو ما عزز المخاوف من أن تتحول المؤسسات التابعة للمجموعة، ومنها “تلغراف” و”بيلد” و”بيزنس إنسايدر” و”بوليتيكو”، إلى منصات تعمل وفق خط سياسي محدد، لا وفق معايير الاستقلال والحياد المهني.
وفي دفاعه عن نفسه، رفض دوبفنير اتهامات الصحفيين بأن مقالاته الرأيّة تقوض صدقية المؤسسة، خاصة بعد تبنيه خطاباً يدعو أوروبا صراحة إلى الاصطفاف مع واشنطن وتل أبيب ضد إيران. بل ذهب أبعد من ذلك حين دافع عن استخدامه لغة حادة ضد طهران، قائلاً إنه يفضل وصف قيادتها بـ “الإرهابيين” و**”القتلة الجماعيين”** بدلاً من “المعتدين”، معتبراً أن سعي إيران لامتلاك سلاح نووي “حقيقة بديهية لا تحتاج إلى إثبات”.
وتكتسب هذه التصريحات حساسية أكبر في ظل التوقيت الذي جاءت فيه، إذ تتزامن مع اتهامات متصاعدة لإسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة أمام محكمة العدل الدولية، وسط أرقام ثقيلة تشير إلى استشهاد أكثر من 72 ألف فلسطيني وإصابة نحو 172 ألفاً آخرين، ما يجعل فرض الانحياز لصالح إسرائيل داخل مؤسسة إعلامية كبرى موضع انتقاد أخلاقي ومهني متزايد.
ويخشى صحفيون ومراقبون داخل المجموعة من أن يؤدي هذا النهج إلى إعادة تشكيل الخطوط التحريرية بصورة أكثر صرامة وانحيازاً، خصوصاً بعد استحواذ “أكسل شبرينغر” على صحيفة “ديلي تلغراف”، وهو ما يوسّع من نطاق التأثير المحتمل لهذه التوجهات على الإعلام الأوروبي والغربي.
وتُضاف هذه الأزمة إلى سوابق أخرى أثارت الجدل حول توجهات دوبفنير، منها تسريبات سابقة لبريد إلكتروني ختمه بعبارة “الصهيونية فوق كل شيء.. إسرائيل بلدي”، وهي صياغة أثارت استياءً واسعاً في ألمانيا بسبب حمولتها التاريخية المرتبطة بالخطاب النازي. كما أن منحه وسام الشرف الرئاسي من الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في أكتوبر الماضي، جاء ليكرّس صورته كأحد أبرز الأصوات الأوروبية الداعمة لإسرائيل داخل المجال الإعلامي.
في المحصلة، لا تبدو القضية مجرد خلاف داخلي عابر داخل مؤسسة صحفية، بل مواجهة مفتوحة بين منطق الصحافة المهنية ومنطق الاصطفاف الأيديولوجي، في لحظة بات فيها سؤال الحياد والاستقلال التحريري أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
