كشف المراسل العسكري في صحيفة “معاريف” العبرية آفي أشكنازي، حجم المأزق الذي يواجهه جيش الاحتلال الإسرائيلي في لبنان بعد اتفاق وقف إطلاق النار، واصفاً الوضع الميداني بأنه صفقة يدخلها الاحتلال على أساس أنه “الصياد”، قبل أن يجد نفسه وقد تحوّل إلى “فريسة” داخل بيئة عملياتية شديدة الخطورة.
وقال أشكنازي إن اتفاق وقف إطلاق النار فرض مفهوماً جديداً على جيش الاحتلال، يقوم على السماح بإطلاق النار فقط في المناطق التي يتمركز فيها الجيش، وعدم القدرة على استهداف المناطق الواقعة خلف ما يسمى “الخط الأصفر” إلا في حال وجود نية فورية ومباشرة لإلحاق الأذى بالقوات الإسرائيلية. وأضاف بوضوح: “أيدينا مكبلة”، محذراً من أن هذه القيود لا تمثل مشكلة مؤقتة، بل مأزقاً طويل الأمد في إدارة المعركة مع حزب الله.
وانتقد المراسل العسكري التصريحات التي يطلقها المستوى السياسي الإسرائيلي، ولا سيما وزير الدفاع يسرائيل كاتس، بشأن بقاء الاحتلال في مرتفعات علي الطاهر وقلعة الشقيف، معتبراً أن الحديث عن السيطرة على هذه المواقع لا يقدم سوى “نصف حقيقة للجمهور”، لأن السيطرة على مرتفعات أو نقاط دفاعية لا تمنح حماية كاملة إذا كان حزب الله قادراً، خلف تلك المواقع، على إعادة بناء قوته ومنظوماته العسكرية.
وأوضح أشكنازي أن حزب الله، وفق التقديرات الإسرائيلية، يستطيع خلف خطوط التماس إعادة بناء ما امتلكه من أنفاق، ومنظومات مضادة للطائرات، ومنظومات هجومية، ونيران قنص، وقدرات تسليحية، إضافة إلى تعزيز تشكيلات قوة الرضوان وقوة بدر. وطرح سؤالاً يعكس عمق المأزق الإسرائيلي: ما الفائدة من التمركز في الخط الأزرق أو الخط الأصفر إذا كان الجيش لا يستطيع تنفيذ عمل حقيقي ضد بنية حزب الله العسكرية؟
وتوقف أشكنازي عند تجربة ميدانية رافق خلالها قافلة من قوات الكوماندوز داخل لبنان ليلاً، واصفاً الحركة بأنها تمت في ظلام دامس، بأضواء خافتة، ووفق إجراءات عملياتية شديدة الصرامة، حتى إن استخدام إضاءة الهاتف كان ممنوعاً خشية استهداف القوة بطائرة مسيّرة. وقال في توصيف لافت: “في النهاية، أنت تذهب لتكون صياداً فتتحول إلى فريسة”.
وتعكس هذه الشهادة الميدانية إدراكاً إسرائيلياً متزايداً بأن بيئة جنوب لبنان لم تعد مساحة مفتوحة أمام قوات الاحتلال، بل تحولت إلى ساحة رصد واستنزاف، حيث يصبح الجنود الإسرائيليون مطالبين طوال الوقت بحماية أنفسهم وتأمين حركتهم، بدلاً من تنفيذ مهام هجومية مؤثرة ضد بنية المقاومة.
وأشار المراسل العسكري إلى أن المشكلة لا تقتصر على الخطر المباشر، بل تمتد إلى طبيعة المهمة نفسها، إذ لا يريد الجيش أن ينشغل جنوده بحماية أنفسهم طوال الوقت على حساب إلحاق ضرر حقيقي بالطرف الآخر. واعتبر أن الاحتلال بات عالقاً بين ما يريد تحقيقه عسكرياً، وبين الثمن الذي قد يدفعه إذا حاول توسيع عملياته داخل لبنان.
وهاجم أشكنازي الخطاب السياسي الإسرائيلي، معتبراً أن السياسيين يجرّون الجمهور إلى “شعارات” وتصريحات يعلمون أنها بلا رصيد عملي، وأن كثيراً مما يقال يخدم فقط القاعدة الانتخابية، لا الواقع العسكري على الأرض. وهذه القراءة تكشف حجم الفجوة بين خطاب حكومة الاحتلال عن السيطرة والردع، وبين تقديرات الميدان التي تتحدث عن قيود وعجز وخوف من الاستنزاف.
وفي أكثر عبارات التقرير دلالة، قال أشكنازي إنه لا يمكن القبول بوضع تُستهدف فيه دبابات إسرائيلية داخل لبنان بصواريخ مضادة للدروع، ثم يستغرق إنقاذها يومين، لأن إدخال قوات إضافية لإنقاذها يعني تعريضها للإصابة. وختم توصيفه بالقول إن الجنود الإسرائيليين في مثل هذا الوضع “بطٌّ في حقل رماية، ولا يمكن تعريف ذلك بطريقة أخرى”.
وتحمل هذه الاعترافات دلالة عسكرية وسياسية بالغة الأهمية، إذ تكشف أن اتفاق وقف إطلاق النار لم يمنح الاحتلال حرية الحركة التي كان يسعى إليها، بل قيد قدرته على المبادرة، وفتح أمام حزب الله مساحة لإعادة ترتيب أوراقه وتثبيت معادلة ردع جديدة. كما تؤكد أن تمسك الاحتلال ببعض النقاط والمرتفعات لا يعني امتلاك السيطرة الفعلية، طالما أن المقاومة قادرة على الرصد والاستهداف وإعادة البناء خلف خطوط الاشتباك.
وبذلك، يظهر المشهد اللبناني، وفق القراءة العبرية نفسها، بوصفه مأزقاً مركباً للجيش الإسرائيلي: لا يستطيع التقدم بلا كلفة، ولا يستطيع الانسحاب بلا خسارة سياسية، ولا يستطيع ضرب حزب الله بحرية من دون خرق الاتفاق وإشعال جولة أوسع. وفي هذه المعادلة، تتحول القوة الإسرائيلية من عنصر ضغط إلى عبء ميداني، ويتحول الجندي الإسرائيلي من مهاجم إلى هدف مكشوف في ساحة تعرفها المقاومة جيداً.
