ذات صلة

الأكثر مشاهدة

بعد كسر الهجوم.. طلائع جيش السعودية التي شنت هجوم على الجوف تصل الى صنعاء كأسرى

أعلن رئيس اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى عبدالقادر المرتضى وصول...

الإعلام العبري يقرأ ضربة صنعاء: دقة صاروخية وإغلاق سريع لدائرة الاستهداف واختراق يثير القلق

أثارت الضربة الصاروخية التي نشرتها القوات المسلحة اليمنية واستهدفت...

هجمات هرمز يربك التهدئة الإقليمية.. إيران ترفض التفاوض تحت التهديد والاحتلال يواصل نسف الاستقرار في لبنان

أعاد التصعيد في مضيق هرمز خلط أوراق التهدئة الهشة في المنطقة، كاشفاً أن ما تسميه واشنطن مساراً سياسياً لا يزال محكوماً بعقلية الضغط والتهديد، فيما يواصل الاحتلال الإسرائيلي خروقاته في جنوب لبنان مستفيداً من الغطاء الأمريكي في محاولة لإبقاء جبهة الجنوب تحت النار. وبذلك، بدا المشهد الإقليمي مترابطاً على نحو أوضح: تصعيد في هرمز، ابتزاز أمريكي في التفاوض، وعدوان إسرائيلي متواصل في لبنان.

في هرمز، أعادت الهجمات التي طالت ناقلتي نفط وغاز وضع المضيق في صدارة المواجهة، بعدما اضطرت سفن إلى تغيير مساراتها أو التراجع، في مؤشر على أن أمن الملاحة لم يعد منفصلاً عن الصراع السياسي والعسكري المفروض على إيران. فالمضيق الذي يشكل شرياناً حيوياً للطاقة العالمية عاد ليؤكد أن أي عدوان على طهران أو محاولة لتطويقها لن يبقى محصوراً في حدودها، بل سيرتد سريعاً على الممرات البحرية والأسواق الدولية.

وسارعت واشنطن إلى اتهام الحرس الثوري الإيراني بالوقوف خلف الهجمات، ملوّحة بإمكانية الرد العسكري على مواقع إيرانية، في سلوك يعكس إصرار الإدارة الأمريكية على استخدام التهديد كأداة تفاوض لا كوسيلة ردع فقط. غير أن هذا التلويح الأمريكي بدا أقرب إلى محاولة فرض إملاءات جديدة تحت غطاء مذكرة التفاهم، أكثر من كونه سعياً جدياً إلى تثبيت التهدئة.

وفي المقابل، جاء موقف طهران حاسماً وواضحاً. فقد أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن “مفاوضات الاتفاق النهائي لن تبدأ إذا استمرت التهديدات الأمريكية”، مشدداً على أن على واشنطن أن تحترم توقيعها على مذكرة التفاهم وأن تكف عن لغة الابتزاز. وبهذا الموقف، وضعت إيران معادلة سياسية صريحة: لا مفاوضات تحت التهديد، ولا اتفاق نهائياً ما دامت واشنطن تتعامل مع التفاهمات بعقلية القوة.

كما عكست الردود الإيرانية على تهديدات ترامب أن طهران لا تنظر إلى لغة الوعيد الأمريكي إلا بوصفها امتداداً لسياسات الاستكبار التي فشلت ميدانياً وسياسياً. فالحديث الأمريكي عن “إنهاء المهمة” لم يُقرأ في إيران كرسالة قوة، بل كدليل إضافي على أن واشنطن ما تزال عاجزة عن الانتقال إلى مسار متوازن يقوم على الاحترام المتبادل والالتزام الحقيقي.

اقتصادياً، لم يتأخر أثر هذا التوتر، إذ ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا سريعاً، في تأكيد جديد على أن هرمز ليس مجرد ممر بحري، بل نقطة ارتكاز في معادلة الطاقة العالمية. وهذا يعني أن أي اضطراب في المضيق لن يبقى حدثاً محلياً أو إقليمياً، بل سيتحول فوراً إلى ضغط على الأسواق الدولية، وهو ما يمنح التحذيرات الإيرانية ثقلاً يتجاوز الإطار العسكري المباشر.

وفي لبنان، واصل الاحتلال الإسرائيلي سياسة الخروقات الممنهجة عبر الغارات والتفجيرات والضغط الميداني في الجنوب، بما يؤكد أنه لا يتعامل مع أي تهدئة إلا كفرصة لإعادة التموضع ومواصلة العدوان من موقع أكثر راحة. فالغارات على صديقين والتفجير في دير سريان وسائر الاعتداءات المتكررة تثبت أن الاحتلال يريد إبقاء الجنوب في حالة استنزاف دائم، وأنه يرفض أي استقرار حقيقي يمكن أن يقيّد حريته في الاعتداء.

وبذلك، يتضح أن الاحتلال يحاول نسف أي مفاعيل عملية لمسار التفاهمات الإقليمية، تماماً كما تحاول واشنطن إبقاء المفاوضات مع إيران تحت سقف التهديد. فالمعادلة واحدة في الحالتين: أمريكا تلوّح، و”إسرائيل” تضغط بالنار، فيما ترفض إيران ولبنان ومحور المقاومة تحويل التهدئة إلى غطاء مجاني للهيمنة والعدوان.

في الخلاصة، يكشف المشهد الراهن أن مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية دخلت مرحلة اختبار حقيقية، وأن هرمز ولبنان باتا ساحتين متصلتين في معركة واحدة. فإيران ترفض التفاوض من موقع الإكراه، والاحتلال يواصل خروقاته لأنه يدرك أن أي تهدئة ملزمة ستقيد عدوانه، بينما تؤكد تطورات الميدان أن المنطقة لا يمكن أن تستقر ما دامت واشنطن و”تل أبيب” تصران على إدارة السياسة بالقوة، والتفاهم بالابتزاز، والهدوء بالشروط المفروضة من طرف واحد.

spot_imgspot_img