صعّد الاحتلال الإسرائيلي عدوانه على جنوب لبنان خلال الساعات الأخيرة عبر غارات جوية وهجمات بالمسيّرات وقصف مدفعي وعمليات تفجير ممنهجة للمنازل والبنى المدنية، في وقت تؤكد فيه المعطيات اللبنانية أن التصعيد لم يعد يقتصر على أهداف عسكرية مزعومة، بل امتد إلى مستشفى ومبنى وزارة المالية ومنازل وأحياء سكنية، بما يعكس اتساع دائرة الاستهداف الإسرائيلي للمجتمع والدولة معاً.
وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية استشهاد 7 أشخاص وإصابة نحو 20 آخرين جراء الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مناطق في النبطية وعربصاليم وكفررمان، فيما سجلت أحدث الضربات استشهاد 3 أشخاص في غارة بمسيّرة إسرائيلية على موقف للسيارات في مدينة النبطية، إضافة إلى شهداء آخرين في النبطية الفوقا وعربصاليم.
وشن الطيران الإسرائيلي غارات على النبطية الفوقا، عربصاليم، كفررمان، المنصوري، منطقة الدبشة ووادي زبقين، بالتزامن مع قصف مدفعي وتفجيرات في مناطق أخرى، بينما كانت قوات الاحتلال قد نفذت في اليوم السابق أكثر من 14 عملية تفجير ممنهجة في أطراف بلدة المنصوري باستخدام عبوات شديدة الانفجار ألقتها المسيّرات في وقت سابق.
وكان أخطر التطورات استهداف مستشفى في النبطية الفوقا وتدميره بالكامل، وهو ما وصفته وزارة الصحة اللبنانية بأنه انتهاك جسيم للقانون الإنساني الدولي. ويكشف هذا الاستهداف، إلى جانب قصف مبانٍ سكنية ومرافق عامة، أن العدوان الإسرائيلي يضرب مباشرة البنية المدنية التي يعتمد عليها الأهالي للبقاء والصمود في الجنوب.
كما تعرض مبنى وزارة المالية في النبطية لأضرار جراء القصف الإسرائيلي، بعد استهداف مؤسسات رسمية أخرى في فترات سابقة، وهو ما دفع الرئيس اللبناني إلى اعتبار أن ما يجري تجاوز خرق اتفاق وقف الأعمال العدائية إلى نمط متصاعد من الاعتداء على مؤسسات الدولة نفسها ومحاولة تعطيل الخدمات وحياة المواطنين اليومية.
وحاول جيش الاحتلال تبرير غاراته بالقول إنها جاءت رداً على إطلاق حزب الله مسيّرتين باتجاه قواته العاملة فيما تسميه تل أبيب “المنطقة الأمنية” داخل جنوب لبنان، كما ادعى استهداف عناصر وبنى تحتية للحزب. إلا أن حجم الدمار الذي أصاب مستشفى ومباني مدنية ومنازل يضع الرواية الإسرائيلية أمام واقع ميداني أوسع من تلك الادعاءات.
وتتزايد خطورة المشهد مع استمرار إسرائيل في احتلال أراضٍ لبنانية وتوسيع وجودها العسكري في الجنوب، رغم اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع برعاية أمريكية في 26 يونيو 2026، والذي يفترض انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً مقابل انتشار الجيش اللبناني. لكن استمرار القصف والاحتلال والتفجيرات يؤكد أن إسرائيل تتعامل مع الاتفاق بوصفه غطاءً مؤقتاً لا قيداً على عملياتها.
وارتفعت حصيلة العدوان الإسرائيلي على لبنان منذ 2 مارس 2026 إلى 4,362 شهيداً و12,378 جريحاً، بحسب وزارة الصحة اللبنانية، في رقم يعكس حجم الحرب المفتوحة التي يتعرض لها البلد، فضلاً عن نزوح أعداد كبيرة وتدمير واسع للمنازل والبنية التحتية في الجنوب.
وفي مواجهة التصعيد، طالب الرئيس اللبناني جوزيف عون الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بالتحرك لوقف الاعتداءات ومحاسبة مرتكبيها، مؤكداً أن استهداف المؤسسات المدنية والصحية يكشف نية لضرب استمرارية عمل الدولة وزعزعة استقرار الجنوب، مع التشديد على استمرار لبنان في التمسك بسيادته وعودة الأهالي إلى مناطقهم.
بدوره، وصف رئيس مجلس النواب نبيه بري الاعتداءات الإسرائيلية بأنها ترقى إلى “إرهاب دولة”، معتبراً أن الاحتلال يحوّل الجنوب وأهله إلى “صندوق اقتراع بالدم” في سياق حساباته الداخلية، ومؤكداً أن إسرائيل تثبت مرة أخرى عدم التزامها بأي من صيغ وقف إطلاق النار أو التفاهمات القائمة.
وفي مقابل مشاهد القصف والدمار، قدّم أهالي الجنوب صورة مغايرة عنوانها التمسك بالأرض. فقد شاركت أكثر من 2300 عائلة من أكثر من 50 بلدة وقرية في مهرجان “طيارة ورق” السنوي تحت شعار «الأرض لنا»، في فعالية حملت رسالة واضحة بأن الحرب والتهجير لم ينجحا في كسر ارتباط الناس بقراهم وأرضهم.
وتجاوز عدد الطائرات الورقية المسجلة 2500 طائرة، في أكبر مشاركة منذ انطلاق المهرجان، وسط حضور عائلات من القرى الحدودية والمهجرين، في مشهد أراد المشاركون من خلاله التأكيد أن الجنوب ليس مجرد ساحة حرب، بل أرض حياة وذاكرة وهوية وتمسك بالبقاء.
ويكشف التصعيد أن الاحتلال الإسرائيلي يحاول توسيع الضغط من الجبهة العسكرية إلى المجتمع والمؤسسات المدنية والخدمات الأساسية، عبر القتل والقصف وتدمير المستشفيات والمنازل والبنى الرسمية، في الوقت الذي يواصل فيه لبنان ومقاومته وأهله التمسك بمعادلة الصمود ومنع فرض واقع جديد بالقوة.
وكلما وسّع الاحتلال دائرة النار، تتكرس في المقابل معادلة لبنانية واضحة: لا تهجير، لا تنازل عن الأرض، ولا قبول بتحويل الجنوب إلى منطقة أمنية إسرائيلية؛ فبين الغارات ومشاهد الدمار، يصرّ الأهالي على العودة والبقاء، وتبقى المقاومة جزءاً من معادلة الردع التي تشكلت في مواجهة الاحتلال وعدوانه المستمر.
