ذات صلة

الأكثر مشاهدة

شواظ.. حين صار اللغم يطير (تقرير فيديو)

تخيل أنك تتقدم ضمن تشكيل قتالي مدرّب.. تحيط بك...

القوات المسلحة تضرب مطار فهد الدولي بالدمام بإصابة دقيقة توقف حركة الملاحة

أعلنت القوات المسلحة اليمنية، الخميس، تنفيذ عملية جوية بطائرة...

وزارة الخارجية تهاجم تسييس الملف الإنساني في تعز وتحذر السعودية من استمرار العدوان

اتهمت وزارة الخارجية في صنعاء، الخميس، الأمم المتحدة بمواصلة...

شواظ.. حين صار اللغم يطير (تقرير فيديو)

تخيل أنك تتقدم ضمن تشكيل قتالي مدرّب.. تحيط بك المدرعات، وترافقك وحدات الحماية، وتغطي حركتك وسائل الاستطلاع والمراقبة.. وأمامك منطقة خضعت لأيام من الرصد والتحليل.. دُرست تضاريسها، وفُحصت مساراتها.. ورُوجعت احتمالات الخطر فيها.. حتى جاءت التقارير مطمئنة.. الطريق قابل للتقدم، والخطة جاهزة للتنفيذ..

تتحرك الأرتال بثقة، وتتعاقب البلاغات التي تؤكد أن كل شيء يسير وفق الخطة.. لكن بينما تنشغل العيون بمراقبة الأرض والأفق.. يتسلل إلى المشهد صوت لم يكن في الحسبان.. طنين خافت.. يكاد يضيع وسط هدير المحركات.. يقترب شيئًا فشيئًا.. فتتجه الأنظار إلى السماء.. وتدخل الثواني في حسابات مختلفة.. ثمة شيء يقترب.. شيء لا يشبه التهديدات التي اعتادها المقاتلون..

وفجأة.. يصبح السؤال الذي يطغى على كل الحسابات.. أين هو.. وما هو؟!

إنها واحدة من أكثر مفارقات الحرب الحديثة غرابة.. أن يتحول جسم لا يتجاوز حجمه بضعة أشبار إلى مصدر تهديد لآليات تزن عشرات الأطنان.. مسيّرة صغيرة من فئة FPV.. تظهر في المقاطع المتداولة من اليمن باسم مستمد من اللهيب المتطاير.. شواظ..

لكن حكاية هذا النوع من الأسلحة لم تبدأ من السماء.. بل من مكان لم يخطر على بال أحد أن يغادره اللغم يومًا.. من تحت التراب..

والمفارقة أن اسم شواظ لم يظهر في اليمن مع المسيّرات وحدها.. فقد سبقه سلاح آخر حمل الاسم نفسه.. لكنه لم يكن يحلق في السماء.. بل ينتمي إلى عالم الألغام والعبوات المتفجرة.. ويبدو أن لغم شواظ لم يكتفِ بحياته الأولى.. بل خاض تطورًا عسكريًا مثيرًا.. وكأنه بوكيمون ناري تطوّر.. وكأنها حكاية تستحق أن تُروى.. وكأن الاسم أبى أن يبقى حبيس الأرض.. فعاد على هيئة جديدة لا تشبه سابقتها في الاسم وحده، بل تتجاوزها في القدرة على الحركة وتغيير الموقع، كاسرًا بذلك عقدته المكانية..

لكن ما الذي تغيّر بين شواظ الأمس وشواظ اليوم؟ وحتى نفهم حجم المفارقة.. علينا أن نعود إلى الحكاية القديمة للغم.. ذلك السلاح الذي امتلك قوة الانفجار.. لكنه ظل عاجزًا عن مغادرة موضعه..

كان اللغم يُدفن تحت التراب.. تُخفى معالمه عن الطريق.. ثم يُترك وحيدًا في صمت الأرض.. تمر عليه الليالي.. وتعبر فوقه الرياح.. وتتوالى الأمطار والفصول.. وربما تمضي أعوام دون أن يقترب منه أحد.. كان قادرًا على البقاء طويلًا.. لكنه لم تكن له أي حيلة للتحرك مقدار أنملة.. فإذا ابتعدت الآليات عن موضعه.. بقي غبيًا حيث هو، يراقب فرصته تضيع دون أن يملك من أمره شيئًا.. فلا يستطيع تغيير موقعه.. ولا اختيار طريق آخر.. ولا مدّ ساقه لعرقلة مدرعة ومعانقة حلم طال انتظاره.. ولا يستطيع اللحاق بمن تجاوزه.. لقد امتلك قدرة التدمير.. لكنه ظل أسير المكان..

كان ينتظر تحت التراب… فأصبح يطير..

وأخيرًا تمرّد اللغم القديم على سجنه.. ونبتت له أجنحة.. فبعد أن كان ينتظر أن يأتيه الهدف.. أصبح طائرًا يستطيع مطاردة فريسته بنفسه بدلًا من انتظار مرورها.. وبعد أن كانت الأرض تخفي موضع الخطر الثابت.. باتت السماء تحمل خطرًا متحركًا.. يتبدل موقعه واتجاهه.. وتُظهر كاميرته ما تسجله للعالم من زاوية لم تكن متاحة للألغام المدفونة.. إنه اللغم الطائر.. صورة عسكرية جديدة قلبت العلاقة القديمة بين السلاح والمكان.. وجعلت المشهد أقرب إلى مطاردة سينمائية لم تكن مألوفة في حروب الأمس..

والأشد إثارة هنا.. أن بعض تقنيات التوجيه الحديثة بدأت تمنح هذه الطائرات ما يشبه عينًا إلكترونية تراقب.. ودماغًا بصريًا يتعقب هدفه آليًا.. عبر برمجيات تحلل الحركة وتساعد في تصحيح المسار.. وقد يكفي أن يقوم المشغّل بتفعيل نظام الإغلاق على الهدف.. حتى تتولى الخوارزميات دفة القيادة الذكية.. ويصبح اللغم الطائر شبحًا طائرًا حقيقيًا.. آلة قاتلة ترى من خلال الكاميرا، وتعالج ما تراه، وتستجيب لتغيّر المشهد بسرعة لا يتيحها التحكم اليدوي دائمًا.. ويصبح المشهد مرعبًا عندما يطارد فريسته بلا هوادة أو رحمة..

أما داخل التشكيل المتقدم.. فقد تغيّر كل شيء.. قبل لحظات كانت أصوات المحركات تعني أن المهمة تمضي إلى الأمام.. والآن صار ذلك الطنين الغريب يطغى على ما سواه.. تتفحص العيون السماء.. يختفي الصوت لحظة خلف هدير الآليات.. فيظن أحدهم أن الشبح الطائر ابتعد.. لكنه يعود من اتجاه يصعب الجزم به.. ولا شيء أشد إرباكًا من تهديد تسمع أثره قبل أن تستطيع تحديد موضعه..

تمر ثانية.. ثم أخرى.. لا يظهر شيء واضح.. تُراجَع البلاغات.. وتتكرر محاولات الرصد.. هل غادرت المسيّرة المنطقة.. أم أنها ما زالت في مكان لا تبلغه الأنظار؟ هل انتهى الإنذار؟ أم أن الصمت نفسه جزء من انتظار جديد؟.. هنا لا يحتاج القلق إلى صراخ أو فوضى.. يكفي أن يصبح كل صوت احتمالًا لانقضاض مرعب.. وكل لحظة هدوء غير حاسمة.. حتى تتلاشى الثقة التي كانت تملأ الأرتال عند انطلاقها..

ذلك هو الوجه النفسي لحرب المسيّرات.. ليس الخوف من ضربة بعينها فحسب.. بل من عجز الإنسان عن معرفة اللحظة التي يبدأ فيها الخطر أو يعود.. وحين تتكرر هذه التجربة.. يصبح الاستنفار عبئًا قاتلًا..

لقد غيّرت المسيّرات الصغيرة الكثير من افتراضات الحروب التقليدية.. لم تعد سماكة التدريع وحدها معيارًا للحماية.. ولا يكفي امتلاك القوة النارية لضمان السيطرة على الميدان.. فقد أشعلت معادلة شواظ الطائرة سباق تسلح جديدًا.. بين وسائل الهجوم والإجراءات المضادة، التي ما زالت حتى وقت إعداد هذا الفيديو حائرة أمام الشبح الطائر..

سباق تتسارع فيه الابتكارات.. بينما لا تزال الجيوش تبحث عن إجابة حاسمة لسؤال واحد.. كيف توقف شبحًا طائرًا صغيرًا قبل أن يصل إلى هدفه؟..

وفي هذا المشهد المرعب.. يتردد اسم شواظ في المقاطع القادمة من قوات صنعاء في اليمن.. عنوانًا لسؤال أكبر من حجم الطائرة نفسها.. كيف يمكن لسلاح صغير أن يفرض على تشكيل عسكري كبير إعادة النظر في حساباته؟..

لقد أمضت الجيوش عقودًا تتعلم كيف تكتشف الألغام المختبئة تحت الأرض.. وكيف تتجنب الطرق التي قد تخفيها.. أما اليوم فقد أضافت السماء بُعدًا جديدًا إلى خرائط الخطر..

فالأرض لم تتخلَّ عن ألغامها.. لكن الحرب الحديثة أوجدت لها شبحًا طائرًا على جناحين يمتلك عينين ودماغًا وصاعقًا..

كان ينتظر تحت التراب.. فأصبح يطير.. شواظ.. حين لم يعد الخطر ينتظر في مكانه..

 

spot_imgspot_img