الرئيسية بلوق الصفحة 257

اشتباكات حلب.. تفاصيل انفجار “اشتباكات عنيفة” في سوريا مخلفة قتلى وجرحى

دارت اشتباكات عنيفة، مساء اليوم الاثنين، بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وقوات حكومة الجولاني في حيين تسيطر عليهما قسد بمدينة حلب ومناطق في محيطها، ما أسفر عن سقوط مصابين ونزوح عشرات العائلات من مناطق الاشتباك، في تطورٍ يعكس انتقال التوتر بين الطرفين من مستوى الرسائل السياسية إلى مستوى المواجهة المسلحة المباشرة داخل واحدة من أكثر الجبهات حساسية في الشمال السوري.

واستهدف قناصة تابعون لقسد محيط دواري شيحان والليرمون شمالي حلب، وقالت مصادر محلية إن اشتباكات اندلعت في المنطقة، وقد أكد الطرفان وقوع إصابات في صفوفهما، بينما ذكرت قناتا الإخبارية السورية ووكالة سانا أن قوات قسد استهدفت نقاطاً للأمن الداخلي قرب دواري شيحان والليرمون، في حين اتهمت قسد من وصفتهم بـ “فصائل حكومة دمشق” بشن هجوم على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، وحمّلت حكومة الجولاني المسؤولية الكاملة عن التصعيد، في خطاب تصعيدي يوازي التصعيد الميداني.

يتزامن هذا الانفجار الميداني مع تصريح لافت لوزير خارجية الجولاني أكد فيه أن “أي تأخير في اندماج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري يحمل ظلماً ويؤثر سلباً على منطقة الجزيرة”، وهو تصريح ذو طابع سياسي–عسكري واضح يُلمِّح إلى أن بقاء قسد خارج بنية الجيش يُعَدّ تهديداً لوحدة القرار العسكري ووحدة الجغرافيا السورية.

وما إن صدرت هذه الرسالة حتى تحولت حلب خلال ساعات إلى ساحة اشتباك مفتوح، بدأت باستهداف نقاط الأمن الداخلي قرب شيحان والليرمون، ثم تطورت لاستخدام القناصة والرشاشات الثقيلة وقذائف الهاون والآر بي جي على الأحياء السكنية المحيطة، خصوصاً في الأشرفية والشيخ مقصود والجميلية والسريان والميدان.

ومع تصاعد وتيرة النيران، شهدت المنطقة إغلاق طريق غازي عنتاب – حلب من جهة دواري الليرمون وشيحان، وخروج عشرات العائلات وعمال المصانع من محيط الليرمون، وسط حركة نزوح واسعة من الأحياء المتاخمة لخط الاشتباك.

وأفادت الإخباريّة السورية وسانا بتسجيل إصابات في صفوف المدنيين وعناصر من الأمن الداخلي والجيش، في حين تحدثت تقارير الدفاع المدني عن إصابة متطوعين وعنصرين من الدفاع المدني وطفلين برصاص قسد، ووصفت استهداف فرقها بأنه “جريمة خطيرة وانتهاك صارخ للقانون الإنساني”.

كما اندلعت حرائق في منازل بحيي الجميلية والشيخ طه، وتضررت أبنية سكنية في السريان وأحياء أخرى نتيجة القصف العشوائي.

في المقابل، أعلنت قسد عبر مركزها الإعلامي إصابة عناصر ومدنيين في صفوفها نتيجة ما وصفته بهجوم لفصائل تابعة لوزارة الدفاع السورية على حواجزها ومناطق انتشارها في الشيخ مقصود والأشرفية، وحمّلت حكومة دمشق “المسؤولية الكاملة عن هذه الاعتداءات”، نافية في الوقت نفسه بشكل قاطع استهداف أحياء حلب أو مشفى الرازي، رغم تأكيد سانا ومحافظة حلب أن قذائف هاون وصواريخ أصابت محيط مشفى الرازي وأحياء المدينة، بينها الجميلية والسريان.

وزارة دفاع الجولاني، من جانبها، نفت رواية قسد عن هجوم الجيش على مواقعها، وأكدت أن قوات قسد هي من بادرت بهجوم مفاجئ على نقاط انتشار الجيش بمحيط حي الأشرفية، مشيرة إلى أن وحدات الجيش تقوم بالرد على مصادر النيران، في ما يشبه محاولة لتثبيت رواية رسمية مفادها أن الجيش يعمل في إطار الدفاع لا الهجوم.

وفي خضم ذلك، أعلنت وزارة الداخلية إصابة عناصر من الأمن الداخلي والجيش برصاص قسد، وأكدت الإخبارية السورية تسجيل إصابات من قناصة تابعين لقسد يستهدفون المدنيين والقوى الأمنية في محيط شيحان والليرمون.

ومع توسع رقعة الاشتباكات، خرج محافظ حلب ومدير الإعلام في المحافظة بمواقف تعكس حجم القلق الرسمي من تطور المعركة داخل المدينة، حيث أكد مدير الإعلام أن “حصر السلاح بيد الدولة هو مطلب الشعب السوري كله” وأن هناك “قوى داخل قسد ترفض أن تكون سوريا موحدة”، بينما شدد المحافظ على أن “قرار الدولة السورية الحفاظ على وحدة الجغرافيا السورية قرار لا رجعة فيه”، في رسالة مباشرة إلى قسد وحلفائها بأن أي محاولة لفرض واقع ميداني–سياسي جديد داخل حلب ستواجه برد حازم.

كما دعا المحافظ السكان إلى عدم الاقتراب من مناطق الاشتباك وعدم سلوك الطرق المؤدية إلى مركز المدينة، مع الإعلان عن رفع الجاهزية في مديريات الطوارئ والكوارث والصحة والخدمات والشؤون الاجتماعية لضمان سرعة الاستجابة، مؤكداً أن الدولة لن تتهاون في حماية المواطنين وردع كل من يعبث بأمن حلب.

ميدانياً، تتحدث حصيلة أولية عن مقتل مدني واحد على الأقل وإصابة أكثر من 11 آخرين في استهداف أحياء مختلفة من المدينة، فضلاً عن إصابات في صفوف عناصر الدفاع المدني والأمن الداخلي والجيش، مع استمرار سقوط قذائف على حي الجميلية ومحيط جسر الرازي وحي الميدان، وتجدد القصف على السريان والأحياء المحيطة، وهو ما دفع الدفاع المدني للتحذير من الاقتراب من دواري الليرمون وشيحان والطرق المؤدية إليهما.

هذا التصعيد يأتي في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، مع تزايد التوتر في الإقليم وتصريحات من نوع “أي عمل ضد إسرائيل سيقابل برد شديد للغاية” الصادرة عن نتنياهو، ما يربط عملياً بين ما يجري في الداخل السوري وبين معركة أوسع على مستوى الإقليم، حيث تتقاطع ملفات الشمال السوري مع حسابات إيرانية–تركية–أمريكية–إسرائيلية معقدة.

وتأتي هذه الأحداث بعد تقارير عن صفقة خطيرة تتضمن بيع الجولان السوري المحتل للعدو الإسرائيلي بمباركة ترامب وذلك بعد زيارة الجولاني لواشنطن، وأكد هذه الصفقة المشبوهة، صورة جديدة لخريطة سوريا منزوعة الجولان، نشرها وزير خارجية حكومة الجولاني في منصة اكس بعنوان “سوريا بدون قانون قيصر”، وذلك عقب توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على قرار إلغاء العقوبات التي نص عليها القانون.

وأثار منشور وزارة الخريطة جدلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، ولكن ما لفت انتباه المتابعين لم يكن فقط الرسالة المرتبطة برفع العقوبات، بل عدم وجود مرتفعات الجولان السورية المحتلة في الخارطة، الأمر الذي اعتبره كثيرون خطأ فادحا وأثار موجة من التعليقات الغاضبة.

ومع غياب رد رسمي من وزارة الخارجية حتى لحظة نشر هذا التقرير، تبدو الدولة السورية مطالبة أكثر من أي وقت مضى بضبط الخطاب، وترسيخ حضورها في كل شبر، وإغلاق كل الثغرات التي قد تُستغل لإضعاف موقفها في معركة الدفاع عن وحدة البلاد واستعادة أراضيها المحتلة.

ماذا لو حاصر اليمن موانئ الإمارات؟

حين اختارت الإمارات أن تكون جزءًا من العدوان على اليمن، لم تفعل ذلك بدافع الأمن ولا تحت راية الشرعية المزعومة، بل دخلت بثقلها المالي والعسكري وهي تحمل مشروعًا واضحًا: السيطرة على الجغرافيا، وتفكيك الدولة، وتحويل الموانئ اليمنية من شرايين سيادية إلى أوراق ضغط، في واحدة من أكثر صور الاستعمار الاقتصادي فجاجة في المنطقة.

ظنّت أبوظبي أن اليمن ساحة مستباحة، وأن البحر حكرٌ على من يملك المال والسلاح، لكنها تناست أن من يجعل الحصار أداة حكم، قد يُحاصر يومًا بالمنطق نفسه.

فالاقتصاد الإماراتي، الذي يُسوَّق عالميًا بوصفه نموذجًا للنجاح والاستقرار، هو في جوهره اقتصاد هشّ قائم على العبور والخدمات وعلى الموانئ، وميناء جبل علي، الذي تتباهى به الإمارات كأيقونة للقوة، ليس سوى نقطة ارتكاز خطرة، لأن أي مساس بحركة الملاحة فيه لا يعني تعطّل رصيف أو تأخير شحنة، بل يعني اهتزاز صورة الدولة بأكملها، وانكشاف الوهم الذي بُنيت عليه سمعة “البيئة الآمنة”. فالدول التي تعيش على ثقة الآخرين، تموت اقتصاديًا عند أول شرخ في تلك الثقة.

ولو فُرض حصار يمني على موانئ الإمارات، أو حتى اضطراب بحري مرتبط باليمن، فإن الضربة ستكون عسكرية بقدر ما ستكون استراتيجية عميقة، وستضرب قلب النموذج الإماراتي القائم على الأمن المطلق، حينها لن تتأثر الإمارات وحدها، بل ستتدحرج الخسائر على شركات الشحن، وسلاسل التوريد، والتأمين البحري، والاستثمارات الأجنبية التي لا تعرف الولاء بل تبحث عن الاستقرار فقط. وما إن تهتز صورة الميناء، حتى تبدأ السفن بالبحث عن بدائل، لأن التجارة لا تنتظر أحدًا.

المفارقة القاسية أن الإمارات التي ساهمت في خنق الموانئ اليمنية، وتعطيلها، وتحويلها إلى أطلال سياسية، تعتمد في بقائها الاقتصادي على ألا يتكرر المشهد ذاته عندها.

فالدولة التي شاركت في تجويع شعب بأكمله عبر الحصار، لا تملك رفاهية تحمّل حصار مماثل، لأن اقتصادها لا يصمد دون تدفق يومي مستمر للبضائع، ولا يحتمل أن يُصنّف ضمن مناطق الخطر أو النزاع. فالفارق بين اليمن والإمارات ليس في الحق، بل في قدرة كل طرف على تحمّل الصدمة.

كما أن باب المندب، الذي تعاملت معه أبوظبي كمساحة نفوذ بعيدة، يمثل عقدة اختناق حقيقية للتجارة الإماراتية، وأي اضطراب مرتبط سيضرب يضرب مباشرة الموانئ التي بنت مجدها على استقرار هذا الممر.

وعندها لن تنفعها جحافل المرتزقة التي فشلت من قبل في حماية الملاحة الإسرائيلية، وسيتحول جبل علي إلى نسخة أخرى من ميناء أم الرشراش الفلسطيني المحتل، والأدهى أن ميناء دبي لن يستطيع استعادة عافيته حتى لو توقفت الحرب والحصار في وقتٍ لاحق، فموقعه الجغرافي لا يشجعه على البقاء طويلاً على خط التجارة العالمية، وسيحل محله موانئ أخرى طالما أسهمت الإمارات في تدميرها.

والمفارقة الأوضح أن رؤية محمد بن سلمان للاقتصاد السعودي تقوم صراحة على تحويل موانئ المملكة المطلة على البحر الأحمر إلى واجهات بحرية عملاقة تنافس دبي وتزاحمها على موقعها كمركز لوجستي إقليمي، وهو ما يجعل الإمارات، في مرمى تضارب المصالح الخليجية نفسها.

وفي هذا السياق، لا يبدو مستبعدًا أن تجد الرياض في إضعاف الموانئ الإماراتية فرصة استراتيجية تخدم اقتصادها القومي. من هنا، فإن أبوظبي، التي أسرفت في لعب دور الشيطان في اليمن، وراكمت العداء والاحتقان وراهنت على تفكيك البلاد، قد تجد نفسها وحيدة في لحظة التحول الكبرى، محاطة بشماتة الخصوم وصمت الحلفاء، بينما تتراجع سفن التجارة عن أرصفتها وتتحول “درة الاقتصاد” إلى عبء أمني. ولعل الأنسب لها، أن تعيد حساباتها، وأن تنسحب من مستنقع اليمن قبل أن تكتشف أن البحر الذي استخدمته للابتزاز قادر، حين تتغير الرياح، على أن يكون أداة الخنق الأقسى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد محسن الجوهري

ورد الآن.. إعلان انقلاب رسمي جديد مع دعمه “بشحنة أسلحة” لإكمال التنفيذ بتقديم المشروع لأمريكا وفتح جبهات “مأرب والساحل الغربي” مع تهديدات باعتقال “الرئيس” والأخيرة تقيم قمة طارئة للمواجهة (تفاصيل)

أشعلت الإمارات فتيل الانفصال بإعلان “انقلاب رسمي” على السعودية، بتثبيت الانفصال وجعل من “الوحدة” خط أحمر مهددة باعتقال الزبيدي اذا تراجع عن اعلان الانفصال، مع فتحها ثلاث جبهات لاستنزاف الشمال تتضمن “الساحل الغربي ومأرب وجبهة مع الحوثيين” ، بعد تقديم هذا المشروع لواشنطن وبدئه على أرض الواقع.

وفي تطور خطير يعكس تحول الصراع في اليمن من حرب بالوكالة إلى مواجهة مفتوحة بين أطراف التحالف نفسه، حسمت الإمارات قرارها بشأن مستقبل اليمن شمالاً وجنوباً، معلنة عملياً نهاية الوحدة، وماضية في تنفيذ مخطط تقسيمي خطير يهدف إلى استنزاف قوى الشمال عبر ثلاث جبهات قتال موازية.

ونقلت وكالة “رويترز” عن مستشار الأمن القومي الإماراتي قوله إن “انفصال الجنوب بات واقعاً جديداً” لا يمكن التراجع عنه، وأن “العودة للوحدة خط أحمر” كونه يتعارض مع المصالح القومية للإمارات ومشروعها الجيوسياسي في المنطقة.

وتزامن هذا الإعلان مع تقارير أمريكية عن زيارة وفد إماراتي إلى واشنطن لعرض مشروع جديد يقضي بـ“تقسيم الشمال إلى ثلاث مناطق نفوذ متصارعة”: إحداها في الساحل الغربي، وثانية في مأرب، وثالثة تترك لأنصار الله بهدف إبقاء الشمال في حالة نزاع دائم يستنزف جميع الأطراف، بما فيها فصائل الإمارات نفسها كقوات طارق عفاش.

هذا التحرك يؤكد أن الإمارات لا تسعى لتسوية أو استقرار، بل لتفكيك اليمن وتحويله إلى كانتونات متناحرة تخدم بقاءها وهيمنتها على الموانئ والثروات.

وفي سياق ميداني يؤكد هذه النوايا، كشفت مصادر عن وصول شحنة أسلحة ضخمة من أبوظبي إلى مطار الريان في المكلا على متن طائرة عسكرية من طراز “يوشن”، تحمل طائرات مسيّرة وعتاداً متطوراً موجهاً لميليشيا الانتقالي بهدف تعزيز قبضتها على حضرموت الغنية بالنفط.

وأشارت المصادر إلى أن هذه الشحنة هي الثالثة خلال أيام، ما يعكس تسارع وتيرة الدعم العسكري الإماراتي في توقيت بالغ الحساسية، ويدلل على نية الاحتلال خلق واقع ميداني بالقوة لتكريس التقسيم وإشعال صراع طويل الأمد في الشرق اليمني.

ورغم هذا الزخم العسكري والسياسي، يعاني المجلس الانتقالي الموالي لأبوظبي حالة عجز سياسي غير مسبوقة، إذ فشل بعد ثلاثة أسابيع من سيطرته الميدانية على الجنوب في تحقيق أي إنجاز سياسي. فـالإمارات تضغط عليه لإعلان الانفصال رسمياً، لكن قياداته تتهرب خشية من ردود إقليمية ودولية مدمّرة.

وتكشف التقارير أن طحنون بن زايد لوّح باعتقال عيدروس الزبيدي في حال تراجع عن إعلان الدولة، فيما يواجه المجلس تمرداً داخلياً وسخرية واسعة حتى من أنصاره بعد أن أعلن وزراؤه “انضمامهم إلى المجلس نفسه”، في مشهد وصفه مراقبون بأنه “مناورة يائسة لإخفاء الفشل السياسي الذريع”.

على الجانب الآخر، تتحرك السعودية بخطوات مضادة لاحتواء النفوذ الإماراتي المتنامي. فقد كشفت مصادر دبلوماسية أن الرياض نجحت في إقصاء الإمارات من اللجنة الخماسية الدولية الخاصة باليمن بعد أن أبدت بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة دعماً صريحاً لموقف السعودية الداعي لوحدة اليمن واستقراره.

وتؤكد هذه المواقف أن التحالف الغربي بدأ يتعامل مع الإمارات كعامل فوضى لا كشريك استقرار، في ظل تجاوزها للخطوط المرسومة وتحركها المنفرد في المحافظات الجنوبية والشرقية.

وفي تحرك إقليمي موازٍ، عقدت قمة عمانية–سعودية في مسقط على وقع المخاوف المشتركة من “الخطر الإماراتي المتصاعد على الحدود اليمنية”. وأفادت مصادر أن الزيارة المفاجئة لوزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان حملت رسالة حازمة بضرورة “تحجيم المغامرة الإماراتية” في المهرة وحضرموت، بعد نشر أبوظبي قرابة 10 آلاف مجند تابعين لها قرب حدود السلطنة.

وتطابقت التصريحات السعودية والعمانية في وصف التحركات الإماراتية بأنها “مخطط لتفجير المنطقة وإعادة رسم النفوذ في بحر العرب والمحيط الهندي”.

في الداخل اليمني، تتهاوى أدوات الاحتلال تباعاً. فقد أكدت تقارير بريطانية انشقاق رئيس حكومة المرتزقة “سالم بن بريك” عن مجلس القيادة الرئاسي وانخراطه في مشروع الانفصال، بعد إزالة علم الجمهورية من مكتبه وصرف مرتبات موظفي مناطق الانتقالي فقط، في خطوة عُدّت “مكافأة للتمرد”.

كما بدأت الإمارات تحييد محافظة شبوة الغنية بالنفط بعقد اتفاق بين المؤتمر والحراك الجنوبي بعيداً عن الانتقالي، تمخض عنه حلّ الحراك ودمج قياداته في السلطة المحلية، في مؤشر على إعادة تفكيك الخارطة الجنوبية بما يخدم السيطرة المباشرة لأبوظبي دون وسطاء.

في المقابل، استعادت مؤسسات حكومة المرتزقة في عدن حركتها تحت حماية أمريكية مباشرة، بعد أن أزالت إدارة البنك المركزي صور الزبيدي وأعلام الانفصال من مبناها. وأكدت واشنطن في اتصالاتها مع المحافظ أن الولايات المتحدة لن تسمح بسقوط المؤسسات السيادية أو انهيار النظام المالي في الجنوب، ما يشير إلى أن أمريكا تتجه لتحييد عدن اقتصادياً، مع ترك الإمارات والسعودية تتنازعان ميدانياً على النفوذ.

إن ما يجري اليوم يؤكد أن اليمن تحول إلى مسرح صراع إقليمي ودولي متعدد المستويات، تقوده الإمارات تحت غطاء “التحالف”، فيما تحاول السعودية استعادة زمام المبادرة عبر تحالف جديد مع عمان والدول الغربية. وبين هذا وذاك، تتسع رقعة النار في الجنوب، ويتعمق الشرخ في الشمال، وتبدو الوحدة اليمنية أمام أخطر اختبار وجودي منذ عقود، بينما تمضي أبوظبي في تنفيذ استراتيجية تقسيم الأرض واستنزاف الإنسان، تحت عين واشنطن وصمت العالم.

جبهات الشاشة والبيانات.. الحرب الشاملة على الإعلام والتقنية في اليمن

أصبحت ساحتا الإعلام والتقنية قلبَ المعركة المصيرية لليمن؛ حَيثُ تتحوَّلُ الشاشاتُ والفَضاءُ الإلكتروني إلى جبهات قتال لا تقِلُّ شراسةً عن جبهات الميدان.

في حرب شاملة تهدفُ إلى كسر الإرادَة اليمنية، وبعد أن أثبتت الصواريخُ والطائراتُ وحاملاتها عدمَ قدرتها على حسم المواجهة، جاءت المعركة الجديدة لاستهداف العقل والروح والذاكرة الجماعية.

إنها حملة ممنهجة لتشويه الحقائق وطمس الرواية اليمنية الأصيلة؛ ممَّا يجعل الهجومَ على الإعلام هجومًا على السيادة نفسها.

تسعى قوى العدوان إلى فرض روايتها الوحيدة وإسكات الصوت الحر عبر استراتيجية تجمع بين القصف المادي والاختناق الرقمي؛ وشهدت صنعاء جرائم واضحة باستهداف المكاتب الصحفية والكوادر الإعلامية، في رسالة ترهيب تهدف إلى إفراغ الساحة من الشهود، وخلق ظلام إعلامي يتيح اختلاق الوقائع وترويج الأكاذيب.

الحصار الرقمي وسلاح “التزييف العميق”

لم يتوقف العدوان عند القنابل، بل امتد إلى حصار رقمي يتعمد عرقلة المِنصات المستقلة عبر حجب المواقع وقطع الاتصالات، وتوظيف قوانين قمعية لسحق حرية التعبير.

وفي الوقت نفسه، تتحوَّل التقنية إلى ساحة حرب خفية؛ حَيثُ يُستخدم التقدم الرقمي كسلاح للتجسُّس وتضليل الرأي العام.

ويواجه اليمن اليوم تحدي “الذكاء الاصطناعي المزدوج”؛ فبينما تتبنى المؤسّسات الوطنية أدواتِه لتعزيز الكفاءة، يسعى العدوّ لتحويله إلى أدَاة تدمير عبر إنتاج محتوى مزيّف (صور وفيديوهات عميقة التزوير) يصعب تمييزه؛ بهَدفِ زعزعة الثقة الداخلية.

هذا التضليل لا يهدف فقط إلى تشويه الأحداث، بل إلى تآكل أَسَاس الثقة بين الجمهور والإعلام الموثوق.

فحين يختلط الحقيقي بالمصنوع آليًّا، يفقد الناس القدرة على التمييز؛ ممَّـا يهيئ الأرضية لقبول الروايات المغلوطة ويهدّد التماسك الاجتماعي.

استراتيجية المواجهة: التحصين والوعي

إن المعركة القادمة هي معركة وعي وحذر وتحصين تقني لا تقل أهميّة عن تحصين الحدود.. والدفاع عن الرواية اليمنية يتطلب خطوات استباقية:

تعزيز الأمن الرقمي:  كأولوية قومية عليا لحماية أنظمة الاتصالات والبيانات الحيوية من الاختراق.

التأهيل التكنولوجي:  تدريب الإعلاميين على أمن المعلومات وأدوات كشف المحتوى المزيَّف والاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي.

التوثيق المحترف:  تسجيلُ كُـلّ انتهاك (حجب أَو استهداف) كسلاحٍ قانوني وأخلاقي في المحافل الدولية.

الوَحدة الإعلامية:  الالتفافُ حول الإعلام الوطني الموثوق ورفض الانجرار وراء الشائعات التي تزرع الفُرقة.

ختامًا..

إن اليمن الذي دحر أعتى الحملات العسكرية، قادر على الفوز في معركة الإعلام والتقنية.

النصر يحتاج إلى إدراك أن هذه الجبهة جزء لا يتجزأ من حرب الوجود.

يجب أن تتحول كُـلّ مؤسّسة إلى حِصن، وكل مواطن إلى حارس للرواية؛ فالمستقبل لليمن حُرًّا أبيًّا، وسيبقى صوته عاليًا وحقيقته ساطعة لا تغطيها غيوم التضليل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فهد شاكر أبوراس

“الغارديان”: بريطانيا تجند مرتزقة للقتال في “اليمن والسودان” بتمويل خليجي وتسهيل حكومي

كشفت صحيفة الغارديان البريطانية، في تحقيق استقصائي واسع، عن تورط جهات داخل المملكة المتحدة في إنشاء شركات أمنية وهمية تُستخدم كغطاء لتجنيد مرتزقة ونقلهم إلى بؤر الصراع في الشرق الأوسط وأفريقيا، وعلى رأسها اليمن والسودان، وذلك بعلم وتسهيل من الحكومة البريطانية.

ووفقاً للتحقيق، فإن هذه الشركات تعمل تحت أغطية تجارية وقانونية ظاهرها تقديم “خدمات أمنية واستشارية”، فيما تتولى فعلياً مهام استقطاب وتجنيد مقاتلين أجانب — معظمهم من كولومبيا ودول أميركا اللاتينية — لتوظيفهم في معارك تديرها أطراف إقليمية مدعومة من لندن وواشنطن.

وأشار التقرير إلى أن المرتزقة الذين تم إرسالهم إلى السودان للمشاركة في القتال إلى جانب ما تُعرف بـ“قوات الدعم السريع”، المتهمة بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات واسعة ضد المدنيين، سبق أن شاركوا في الحرب على اليمن ضمن تشكيلات تدعمها السعودية والإمارات، في إطار شبكة منظمة لإعادة توزيع المقاتلين الأجانب بين جبهات الصراع المختلفة بحسب متطلبات المصالح الدولية.

وأوضح التحقيق أن الإمارات تعتمد بشكل منهجي على المرتزقة الأجانب في ميادين تدخلها العسكرية، حيث يُكلفون بمهام تشمل التدريب الميداني، وتشغيل الطائرات المسيّرة، وإدارة أنظمة الأسلحة الموجّهة، ما يعكس — بحسب الغارديان — “نمطاً خطيراً من عسكرة الصراعات عبر قوى غير نظامية تعمل خارج القانون الدولي”.

كما لفت التقرير إلى أن الشركات البريطانية تعمل بغطاء قانوني يسمح لها بتجنيد مقاتلين ونقلهم عبر شركات وسيطة في أوروبا وأفريقيا، مستغلة ثغرات تشريعية ومصالح اقتصادية بين بعض المسؤولين وشركات السلاح الكبرى، ما يجعلها جزءاً من “اقتصاد الحرب” الذي يطيل أمد النزاعات لتحقيق مكاسب مالية وجيوسياسية.

ويأتي هذا الكشف في وقت تتزايد فيه الاتهامات للغرب بتغذية الصراعات الإقليمية عبر خصخصة الحروب وتحويلها إلى صفقات أمنية مربحة، تُدار بعيداً عن المساءلة القانونية، ما يعمّق معاناة المدنيين ويقوّض فرص السلام في مناطق مثل اليمن والسودان وسوريا وليبيا.

ويرى مراقبون أن هذا التحقيق يمثل إدانة أخلاقية وسياسية للحكومة البريطانية، التي تتحدث علناً عن “حقوق الإنسان والسلام”، بينما تغضّ الطرف عن شركات تعمل من داخل أراضيها لتصدير الموت إلى دول أنهكتها الحروب — في دليل جديد على تواطؤ الغرب في تحويل معاناة الشعوب إلى استثمارات مربحة في سوق الدم والسلاح.

في الذكرى الـ2 للعدوان الأمريكي البريطاني: ثبات اليمن صنع المعادلة

بعد عامين على العدوان الأمريكي البريطاني المباشر على اليمن، لم تعد مسألة الفشل محلَّ رأي أَو سجال سياسي، بل تحوّلت إلى وقائعَ ثابتة تشهد عليها ميادين البحر والجو والعمق؛ كما يشهد عليها الموقف الذي لم ينكسر، والإرادَة التي لم تتراجع، رغم أعتى أدوات القصف والضغط والحصار.

لقد أنفقت “الشيطان الأكبر” أمريكا ما يقاربُ 8 مليارات دولار في حربها على اليمن، ضمن عدوان أرادت منه كسرَ الموقف، وإيقاف عمليات الإسناد لغزة، وحماية الملاحة الإسرائيلية.

غير أن النتيجة جاءت معاكسةً تمامًا لما خُطط له في غرف القرار بواشنطن ولندن؛ فشلٌ عسكري، واقتصادي، وسياسي، وإعلامي، في مقابل نجاح يمني متعدّد الأبعاد، أَسَاسه الثبات والإيمان والوعي بالمسؤولية أمام الله.

رباعية الفشل التاريخي للعدوان:

عسكريًّا: عجزت القوات الأمريكية والبريطانية عن تحقيق أي هدف استراتيجي معلَن؛ فلم تُوقف عمليات البحر، ولم توفّر الحماية لسفن العدوّ الإسرائيلي، ولم تستطع كسر معادلة الردع اليمانية.

بل تحوّلت المياه الإقليمية اليمنية إلى ساحة فشل مفتوحة لقوى الهيمنة، ومقبرة سياسية وعسكرية لمن راهن على القوة الغاشمة.

اقتصاديًّا: شكّل العدوان عبئًا ماليًا متزايدًا على واشنطن ولندن دون مقابل؛ مليارات أُنفقت على عمليات الانتشار البحري والتسليح، في نزيفٍ مالي كشف هشاشة الرهان على الحرب كأدَاة لحسم المواقف.

سياسيًّا: فشل العدوان في ثني اليمن عن موقفه المبدئي في نصرة غزة، كما فشل في عزلِ صنعاء أَو تشويه موقفها أخلاقيًّا أمام أحرار العالم.

إعلاميًّا: سقط الخطابُ الغربي أمام مشاهد الثبات اليمني، ليتأكّـد للعالم أن ما يجري هو موقف مبدئي نابع من وعي وإيمان، وليس مُجَـرّد مغامرة عسكرية عابرة.

ثباتُ اليمن.. سرُّ المعادلة

في المقابل، سجّل اليمن نجاحًا واضحًا في مسارات متوازية؛ نجح في الثباتِ أمام العدوان المباشر، ونجح في إسناد غزة عمليًّا لا شعاريًّا، وفرض معادلة بحرية جديدة أربكت حسابات القوة البحرية التقليدية للغرب.

لقد اعتقد صُنّاعُ القرار في “البيت الأبيض” و”داونينغ ستريت” أن القصف يصنعُ تراجُعًا؛ فإذا بالموقف اليمني الواثق بالله يتجدد يومًا بعد يوم، أكثر صلابة ووضوحًا.

إنه موقف لم ينطلق من حسابات الربح والخسارة السياسية، بل من منطلق إيماني واستحضار لواجب النصرة أمام الله.

ختامًا..

في الذكرى الثانية، يؤكّـد اليمنُ أن كُـلَّ محاولات أمريكا وبريطانيا لثنيه عن إسناد غزة قد باءت بالفشل.

العدوان المباشر لم يكن سوى دليل إضافي على عجز “التكنولوجيا” أمام “الإيمان”، وعجز “السلاح” أمام “الموقف”.

اليمن ثابت، وإسناد غزة مُستمرّ، وهذا الثبات هو العنوان الأبرز لهذه الذكرى: عدوانٌ فاشل.. وموقفٌ منتصر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالمؤمن محمد جحاف

الرياض توسّع بهدوء دائرة “بيع الخمور” وتستعد لخطوات اجتماعية أوسع

كشفت تقارير إعلامية غربية عن خطوة سعودية جديدة نُفذت بصمت ودون إعلان رسمي، تمثلت في توسيع نطاق الوصول إلى متجر بيع الخمور الوحيد في المملكة ليشمل فئة جديدة من المقيمين الأجانب غير المسلمين من حاملي ما يُعرف بـ “الإقامة المميّزة”.

وذكرت وكالة أسوشيتد برس أن المتجر، الذي افتتح في يناير 2024 داخل الحي الدبلوماسي بالرياض، يعمل وسط إجراءات صارمة ودرجة عالية من السرية، مشيرة إلى تزايد الإقبال عليه وظهور طوابير انتظار لافتة، في بلد يحظر بيع الكحول منذ خمسينيات القرن الماضي ويحتضن أقدس المقدسات الإسلامية.

ورأت الوكالة أن الخطوة تمثل استثناءً غير مسبوق في تاريخ المملكة، وسط تقديرات تشير إلى أنها قد تكون تمهيدًا لتحولات اجتماعية ودينية أوسع يجري العمل عليها ضمن سياسات تحديث نمط الحياة السعودي.

وفي السياق ذاته، نقلت رويترز أن السلطات السعودية تدرس افتتاح متجرين إضافيين لبيع الخمور خلال العام المقبل في الظهران وجدة، وهو ما أثار موجة واسعة من الجدل والتساؤلات حول مدى انسجام هذا التوجه مع الهوية الدينية والاجتماعية للمملكة، باعتبارها مهد الإسلام وبلاد الحرمين الشريفين.

ويشير محللون إلى أن هذه التحولات تأتي ضمن مسار إصلاحي تتبناه الرياض لإعادة صياغة صورتها الدولية، إلا أنها تثير في المقابل حساسيات داخلية عميقة حول طبيعة التغييرات وحدودها وتأثيرها على مكانة المملكة الروحية.

مرحبًا بقدوم عيد الأعياد: “جمعة رجب” الهُوية والوفاء

مرحبًا بقدوم شهر رجب؛ فكم لهذا الشهر العظيم من روحانية لدى أهل الإيمان والحكمة، وبالأخص “يوم جمعة رجب”، ذلك اليوم العظيم الذي شهد دخولَ أهل اليمن في دين الله أفواجًا.

إن أبناءَ الشعب اليمني لا ينسون أبدًا تلك اللحظةَ التاريخية منذ قدوم الإمام علي (عليه السلام) إلى اليمنِ بأمرٍ من الرسول الأعظم (صلوات الله عليه وعلى آله) ليعرضَ عليهم رسالةَ الإسلام.

منذُ ذلك اليوم وإلى يومنا هذا، وأبناء اليمن يحتفلون بعيدِ “جمعة رجب” كُـلٌّ بطريقته الخَاصَّة؛ بالذكر والتحميد والتسبيح والتهليل، والصلاة على خير البشرية وآله، حمدًا وشكرًا لله تعالى على نعمة الهداية.

وكيف لا يكون عيدًا لأهل اليمن وهو يوم إنقاذهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور؟ وكيف لا يكون عيدًا ورسول الله عندما وصلته بشرى الإمام علي بإسلام أهل اليمن، سجد سجدة شكر لله تعالى، ثم رفع رأسه وقال: «السلام على همدان، السلام على همدان، السلام على همدان».

بناء المعالم الأولى في اليمن

لقد أُقيمت أول صلاة جمعة في اليمن خلال شهر رجب، وبعد ذلك تم بناءُ الجامع الكبير بصنعاء بأمر من رسول الله -صَلَّى اللهُ عَـلَيْـهِ وَعَـلَى آلِـــهِ-.

وفي هذا السياق أنزل الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾.

كما بعث الرسول الأعظم الصحابي معاذ بن جبل إلى مخلاف الجند آنذاك؛ فدخل أبناء الجند وتهامة وإب وما جاورهم في الإسلام، وبُني “جامع الجند” التاريخي بأمر نبوي كريم.

إن “عيد جمعة رجب” ميزة عظيمة اختصَّ اللهُ بها أهلَ اليمن؛ فبينما كان البعض يؤذي رسول الله ويكذِّبه ويُخرِجه، استجاب اليمانيون للدعوة برسالة واحدة وبقدوم وصي رسول الله.

الاستمرارُ على نهج النصرة

فلا غرابةَ أن أهلَ اليمن كانوا أول من نصر رسول الله، وما زالوا يناصرون المستضعفين حتى يومنا هذا، انطلاقًا من تعظيم شعائر الله التي هي من تقوى القلوب.

إن استقبالَنا لجمعة رجب هذا العام يجب أن يكون بالفرحة والابتهاج، وبالتوازي مع تعزيز الإخاء والترابط ونصرة المظلومين في غزة وفلسطين.

علينا الاستمرارُ في الإعداد والتجهيز والدفاع عن المقدَّسات الإسلامية؛ فبهذا سنحظى برعاية الله وتأييده ونصره.

إن هذا الشرفَ العظيمَ الذي حظي به أهلُ اليمن دونَ غيرهم هو مسؤوليةٌ تاريخية تستوجبُ الثباتَ والوفاء.

والله حسبنا ونعم الوكيل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خالد المنصوب

لحج تغرق في الظلام.. أزمة كهرباء تدخل شهرها الثالث

تعيش محافظة لحج جنوب اليمن أزمة كهرباء حادة مستمرة منذ ثلاثة أشهر، نتيجة عجز الحكومة الموالية للتحالف عن توفير الوقود اللازم لتشغيل محطات التوليد، ما زاد معاناة السكان مع ارتفاع درجات الحرارة.

وأكدت مصادر محلية أن المدينة تشهد انقطاعاً كاملاً للتيار الكهربائي بسبب رفض الجهات الحكومية المختصة تزويد المحطات بمخصصاتها من الوقود، رغم إعلان مؤسسة كهرباء لحج عن تحميل ناقلات ديزل من شركة بترومسيلة لتوزيعها على محافظات أبين وعدن ولحج، إلا أن لحج لم تتسلم أي كمية حتى الآن.

وترى المصادر أن أزمة الكهرباء في لحج لم تعد مجرد مشكلة خدمية، بل أصبحت مؤشرًا على فساد إداري، حيث تتحكم جهات نافذة في توزيع الوقود وتتلاعب بالمخصصات دون مراعاة الوضع الإنساني المتدهور.

وتأتي هذه الأزمة ضمن وضع كهربائي ووقودي صعب يطال مناطق واسعة تحت سيطرة الحكومة والفصائل الموالية للتحالف السعودي الإماراتي، ما يعكس فشلًا مستمرًا في إدارة الخدمات الأساسية رغم مرور سنوات على الحرب.

استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة وموقع اليمن والمنطقة منها

تعكس استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة الصادرة في ديسمبر 2025م، محاولة لإعادة إنتاج الهيمنة الأمريكية في ظل أزمة بنيوية للنظام الرأسمالي العالمي، عبر إحياء مبدأ «أمريكا أولاً» كصيغة قومية دفاعية تحمي مصالح رأس المال الأمريكي وتقلّص الالتزامات الخارجية غير المربحة. تمثّل الوثيقة تراجعاً عن العولمة الليبرالية لا نقداً لطابعها الاستغلالي، بل لعجزها عن ضمان التفوق الأمريكي في مواجهة قوى صاعدة، خاصة الصين.

تركّز الاستراتيجية على القومية الاقتصادية، وحماية الصناعة والطاقة، وإعادة التوازن التجاري، مع إعادة فرض السيطرة على نصف الكرة الغربي لمواجهة النفوذ الصيني والروسي، في استعادة محدثة لمبدأ «مونرو». كما تعبّر عن انتقال من منطق المواجهة المباشرة مع روسيا إلى إدارة الصراع لتخفيف كلفة الاستنزاف، ما يفضح تصدّعات التحالف الأطلسي.

في «الشرق الأوسط» وأفريقيا، يتراجع التدخل العسكري المباشر لصالح شراكات اقتصادية وأمنية أقل كلفة، مع استمرار التحكم بالممرات البحرية والموارد الحيوية، بينما يُدار اليمن كملف هامشي ضمن منطق «إدارة المخاطر»، وبصورة عامة، تكشف الاستراتيجية عن سعي إمبريالي لإدارة التراجع، والحفاظ على التفوق الاقتصادي والسياسي بأدوات أقل كلفة، في عالم يتجه نحو التعددية.

مركزية «الاستراتيجية» في السياسة الأمريكية

تأتي وثيقة استراتيجية الأمن القومي في صدارة الوثائق التي تُعرِّف الكيفية التي ترى بها الولايات المتحدة العالم، انطلاقا من كونها دولة إمبريالية تلعب دوراً عالمياً، فتحدد الاستراتيجية مصادر التهديد، وفرص القوة، وأولويات النشاط على المديين المتوسط والبعيد، وعلى خلاف الخطابات أو البرامج الانتخابية، فإن الاستراتيجية تُصاغ لتكون مرجعاً لـمؤسسات الدولة الأمريكية، المدنية والعسكرية والأمنية، وتُستخدم إطاراً عاماً لتوجيه السياسات التفصيلية في الدفاع، والخارجية، والتجارة، والطاقة، وغيرها من السياسات التي تربط الولايات المتحدة ببقية دول العالم، فهي تعكس مصالح الطغم المالية الأمريكية والدولة ذاتها، وما السياسة الخارجية التي يجب اتخاذها لضمان هذه المصالح.

تكتسب نسخة 2025م من الاستراتيجية -في ظل إدارة ترامب- أهمية خاصة لأنها تُجسِّد انعطافة واضحة عن النموذج الذي ساد منذ نهاية الحرب الباردة وحتى العقدين الأولين من الألفية الجديدة. فالوثائق الأقدم انطلقت من فرضية قيادة أمريكية لنظام دولي ليبرالي، يقوم على توسيع التحالفات والمؤسسات متعددة الأطراف، والترويج لاقتصاد عالمي منفتح، واستخدام خطاب «نشر الديمقراطية» في تبرير التدخلات الخارجية. أما الاستراتيجية الحالية فتنطلق من مسلَّمات مختلفة: العالم مكوَّن من دول قومية قوية تتنافس على الموارد والتكنولوجيا والأسواق، والتحالفات ليست قيمة في ذاتها بل تُقاس بمدى توافقها مع المصلحة الأمريكية المباشرة، والعولمة الاقتصادية بصيغتها السابقة لم تعد مكسباً صافياً للولايات المتحدة، بل تحوَّلت إلى آليات تنقل القوة إلى منافسين جدد، هذه النقلة من «هندسة نظام عالمي» إلى «إدارة تنافس بين كتل كبرى» هي ما يمنح الوثيقة طابعها الخاص.

في الظاهر الاستراتيجية تحد من دورها الخارجي ولكن من حيث الجوهر الاستراتيجية تدافع عن منطقة الدولة الإمبريالية، التي تميل ضمن المنافسة إلى الحصول على فوائد أكثر مقابل هدر أقل، بعيداً عن المُثل القديمة التي كانت ترفعها، وهذه المثل التي تبنى عليها تدخلات كانت تجلب فوائد للولايات المتحدة لكن الفوائد تراجعت على مر السنين، مع بروز أقطاب جديدة وتحول داخل العالم الغربي الذي لم يعد غرباً واحداً بل أقطاب غربية الولايات المتحدة جزء منه لا الكل فيه.

الأسس الأيديولوجية «أمريكا أولاً» كعقيدة كونية

يظهر مفهوم السيادة في استراتيجية 2025م بوصفه الإطار المركزي الذي يُعاد من خلاله تعريف دور الدولة الأمريكية في العالم، يبرز المفهوم كأداة لاستعادة القدرة على التحكم في القرار السياسي والاقتصادي بعيداً عن القيود التي فرضتها المؤسسات الدولية والتحالفات الواسعة، وتدور الفكرة الأساسية حول استرجاع سلطة الدولة الأمريكية على حدودها وأسواقها ومواردها، في مواجهة ما تعتبره واشنطن «تنازلات» قدمتها خلال مرحلة العولمة لصالح القوى الصاعدة، ومن هنا، تتخذ السيادة طابعاً صلباً، قائماً على رفض أي التزامات لا تحقق مكاسب مباشرة، وإعادة هندسة العلاقة بين الداخل والخارج بحيث تكون الأولوية المطلقة لتأمين المجال الوطني وحمايته من النفوذ الاقتصادي والسياسي الخارجي.

القومية الاقتصادية

تعيد الاستراتيجية الاعتبار للقومية الاقتصادية باعتبارها حجر الزاوية للأمن القومي؛ فالمنافسة اليوم، كما تقدمها الوثيقة، لا تُحسم فقط بالقوة العسكرية، بل بقدرة الدولة على التحكم في الإنتاج والتكنولوجيا والأسواق.

وتؤكد الوثيقة أن الولايات المتحدة لن تستطيع الحفاظ على وضعها العالمي ما لم تستعد تفوقها الصناعي، وتستعيد الصناعات التي جرى نقلها إلى آسيا، وتبني سلاسل توريد داخلية أو ضمن دول حليفة موثوقة.
وتكشف هذه المقاربة عن تحول جوهري في التفكير الأمريكي: الاقتصاد لم يعد مجالاً منفصلاً عن الأمن، بل عنصر مكمّل لمنظومة الردع. ومع هذا التحول، تتقدم سياسات الحمائية، وفرض الرسوم، وتقييد الاستثمارات الأجنبية، ودعم الصناعات المحلية، كأدوات استراتيجية تهدف إلى إعادة توجيه الاقتصاد ليخدم القوة القومية الأمريكية أولاً.

تراجع العولمة

تضع الوثيقة حداً للمرحلة التي اعتبرت فيها الولايات المتحدة العولمة مشروعاً استراتيجياً يعزز قيادتها للنظام الدولي. فما تعرضه الاستراتيجية هو قراءة نقدية مفادها أن العولمة الصناعية والتجارية، بصيغتها السابقة، أضعفت القاعدة الإنتاجية الأمريكية وسمحت بتشكل مراكز قوة منافسة اعتمدت على السوق الأمريكي لتقوية قدراتها. وتُعامِل الاستراتيجية تفكك العولمة بوصفه أمراً واقعاً لا خياراً، وتدعو إلى إعادة بناء اقتصاد عالمي أكثر «مركزية» حول الولايات المتحدة وشركائها. ويظهر هذا المنطق في الدعوة إلى إعادة تشكيل النظام التجاري، وتحديث قواعد الاستثمار، وبناء بدائل للبنية التحتية العالمية التي باتت الصين أحد أهم مهندسيها، وبذلك، تتحول نهاية العولمة الليبرالية إلى نقطة انطلاق لمشروع أمريكي جديد يقوم على التنافس لا على الدمج الاقتصادي الشامل.

الهجرة بوصفها تهديداً استراتيجياً

تتعامل الاستراتيجية مع الهجرة، خصــــوصاً عبر الحدود الجنوبية، بوصفها تهديداً يمس الأمن القومي مباشرة. فالهجرة في الوثيقة ليست مسألة إنسانية أو اجتماعية، بل قضية ترتبط بالأمن الداخلي، واستقرار المدن الحدودية، وتوازن سوق العمل، والهوية الوطنية، وحتى قدرة الدولة على إدارة مواردها. وتعتبر الوثيقة أن الهجرة غير المنظمة تُستخدم أحياناً من قبل خصوم الولايات المتحدة كأداة ضغط سياسي، أو كوسيلة لإضعاف التماسك الداخلي. لذلك، تدعو الاستراتيجية إلى تشديد الرقابة على الحدود، وبناء منظومات تقنية متقدمة للمراقبة، وعقد ترتيبات أمنية صارمة مع دول العبور، والتعامل مع شبكات الاتجار بالبشر والمهربين كخصوم استراتيجيين لا كمجرمين. وهذا التوسع في تعريف التهديد ينسجم مع تحوّل الأمن القومي الأمريكي نحو رؤية أكثر راديكالية للداخل الأمريكي بوصفه جبهة من جبهات الصراع العالمي.

تراجع مركزية «الشرق الأوسط» في الاستراتيجية الأمريكية

تعيد الاستراتيجية الجديدة تعريف موقع «الشرق الأوسط» داخل سلّم الأولويات الأمريكية، معتبرة أن أهمية الإقليم قد تراجعت مقارنة بعقود الحرب الباردة ومرحلة ما بعد 11 سبتمبر، ويعود هذا التراجع إلى سببين رئيسيين: أولاً، تحوّل الولايات المتحدة إلى منتجٍ ومصدّر للطاقة بفضل الثورة الصخرية، ما قلل اعتمادها على نفط الخليج. وثانياً، تركيز واشنطن على صعود الصين والمنافسة في نصف الكرة الغربي، وهو ما يتطلب إعادة توزيع الموارد العسكرية والدبلوماسية. وبهــــــذا يتوقف «الشرق الأوسط» عن كونه محوراً يومياً للسياسة الخارجية الأمريكية، ويصبح فضاءً يتم التعامل معه وفق منطق «إدارة المخاطر».

أمن الممرات البحرية والمضائق الحيوية

تؤكد الوثيقة على أهمية حماية سلاسل التوريد العالمية، وضمان حرية الملاحة، ومواجهة أي تهديد يمكن أن يعطّل تدفّق الطاقة أو التجارة الدولية. ومن خلال هذا الإطار، يُفهم أن مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس تُدرج ضمن النقاط الحساسة التي ترى واشنطن أنّ استقرارها ضروري للحفاظ على الدور الأمريكي في الاقتصاد العالمي وفي أمن الممرات البحرية. ولهذا تتجه الولايات المتحدة إلى تبنّي وجود بحري مرن قابل للتعزيز عند الحاجة، بدلاً من نمط الانتشار العسكري الواسع الذي ميّز المراحل السابقة، فتراجعها من المنطقة لا يعني التخلي عن هذه الممرات الحيوية.

احتواء إيران بدل مواجهتها المباشرة

تتبنى الاستراتيجية مقاربة مختلفة تجاه إيران، تعتمد على «الاحتواء الذكي» لا المواجهة الشاملة. ويعود ذلك إلى إدراك واشنطن أن إسقاط النظام الإيراني أو الدخول في حرب مفتوحة سيؤديان إلى كلفة اقتصادية وسياسية عالية، إضافة إلى فوضى إقليمية يصعب السيطرة عليها. وبدلاً من ذلك، تسعى الولايات المتحدة إلى تقليص نفوذ إيران في الإقليم عبر أدوات غير مباشرة -دبلوماسية، واقتصادية، وتحالفية- مع الإبقاء على خطوط منع التصعيد مفتوحة. ويعكس هذا التحول رؤية أكثر براغماتية تقوم على إدارة النفوذ بدل محاولة القضاء عليه.

أمن «إسرائيل» في إطار مختلف

تظل حماية التفوق العسكري لـ«إسرائيل» مبدأ ثابتاً، إلا أن الاستراتيجية تشير إلى تحول في طبيعة هذا الالتزام، فواشنطن لم تعد راغبة في الانجرار إلى حروب مفتوحة بالنيابة عن «إسرائيل»، أو تحمل كلفة تدخلات واسعة، خاصة بعد التحولات المعقدة في غزة والمنطقة. وبدلاً من الانخراط المباشر، تركز الولايات المتحدة على تطوير قدرات «إسرائيل» الذاتية، وتعزيز التعاون التكنولوجي والاستخباراتي، وضبط سلوك الإقليم بما يمنع نشوب حروب طويلة الأمد، وهذا التوازن الجديد يعكس رغبة أمريكية في تجنب التورط المفرط، مع الإبقاء على حماية التحالف التقليدي.

تراجع سياسة تغيير الأنظمة وصعود منطق الاستثمار

تُعلن الاستراتيجية بوضوح انتهاء مرحلة التدخلات الكبرى التي اتسمت بها سنوات ما بعد 2001م، سواء عبر الغزو المباشر، أو إعادة تشكيل الأنظمة السياسية بالقوة. بدلاً من ذلك، تتبنى واشنطن منطقاً يقوم على الشراكات الاقتصادية والتكنولوجية، والدخول في مشاريع استثمارية في الطاقة المتجددة، الموانئ، أمن الحدود، والتكنولوجيا الدفاعية. ويعكس هذا التحول رؤية أكثر تراكمية تقوم على بناء نفوذ عبر الاقتصاد والاستثمار، لا عبر التدخل العسكري. كما ينسجم هذا النهج مع صعود منافسين مثل الصين، الذين يستخدمون البنية التحتية والاستثمار بوصفهما أدوات استراتيجية.

تحولات أولويات الولايات المتحدة تجاه دول الإقليم

تتبدل درجة الاهتمام الأمريكي بين دول «الشرق الأوسط» وفق موقع كل دولة في شبكة المصالح الجديدة. فدول الخليج -خصوصاً السعودية والإمارات- تحافظ على موقع متقدم بفضل ثرواتها، وأسواقها، وتحولاتها الاقتصادية التي تتجه نحو الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي. بينما تظل مصر والأردن في موقع الشريك الضروري لضبط توازنات غزة وسيناء والحدود. أما سوريا ولبنان واليمن فتقع على هامش الأولويات، إلا في ما يتعلق بأمن الممرات البحرية أو النفوذ الإيراني أو الاستقرار الإنساني. هذا التفاوت يعكس مقاربة تقوم على «انتقائية النفوذ» بدل الشمول.

منطق إدارة الأزمات بدل حلها

لا تتوقع الاستراتيجية حلّاً جذرياً لصراعات المنطقة، سواء في فلسطين أو سوريا أو اليمن، بل تعتمد على إدارة طويلة الأمد للأزمات بما يمنع انفجارها ويُبقيها ضمن الحدود القابلة للضبط. ويمثل هذا التحول قطيعة مع أيديولوجيا «صنع السلام» التي روّجت لها الإدارات السابقة. فالمهم بالنسبة للولايات المتحدة هو عدم السماح بتحول أي أزمة إلى تهديد مباشر لمصالحها البحرية أو الطاقية أو التحالفية.

باب المندب كعنصر حيوي في معادلة الممرات العالمية

تتعامل الاستراتيجية مع البحر الأحمر وباب المندب بوصفهما جزءاً من شبكة الممرات الحيوية التي تربط آسيا بأوروبا والولايات المتحدة، أكثر من تعاملها مع اليمن كدولة ذات مشروع سياسي مستقل. فباب المندب يُقدَّم في النصوص الأمريكية كـ»نقطة اختناق» تؤثّر في حركة التجارة العالمية، وفي أمن الطاقة القادم من الخليج باتجاه أوروبا والولايات المتحدة، وفي سلامة خطوط الملاحة التي تعتمد عليها سلاسل التوريد الدولية. ومن هذا المنظور، يصبح اليمن مجالاً جغرافياً يجب ضبطه والتحكّم في مخاطره، لا فاعلاً سياسياً يمتلك حقوقاً سيادية كاملة على ممرٍ دولي يمرّ عبر مياهه الإقليمية، هذه المقاربة تجعل من أمن المضيق أولوية أمريكية ثابتة، حتى في سياق تراجع الأهمية النسبية لـ»الشرق الأوسط» في سلّم الأولويات.

التنافس الأمريكي – الصيني في الممرات البحرية

تضع الاستراتيجية التنافس مع الصين في قلب رؤيتها لإدارة البحار والممرات العالمية، الأمر الذي يمنح البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن أهمية خاصة في الحسابات الأمريكية. فالتوسع الصيني في البنى التحتية للموانئ، وشراكاتها الاقتصادية والأمنية في القرن الأفريقي، يُنظر إليه بوصفه جزءاً من شبكة نفوذ بحرية تربط المحيطين الهندي والهادئ بالبحر المتوسط عبر مسار «الحزام والطريق». وبناء على هذه المبادئ، يظهر اليمن -بموقعه على واحد من أهم الممرات الدولية- كنقطة يمكن أن تتحول إلى ركيزة في هذا المسار إذا خرجت من الفضاء الاستراتيجي الأمريكي -الخليجي. ولهذا تميل واشنطن إلى تثبيت حضور بحري وتحالفات أمنية مرنة في الممرات المقابلة للسواحل اليمنية، بما يحدّ من قدرة الصين على تحويل هذه المنطقة إلى فضاء تنافسي مفتوح أو توظيفه في تعزيز نفوذها البحري.

موضع اليمن في أمن الطاقة والتجارة العالمية

يظهر اليمن، في ضوء المبادئ العامة للاستراتيجية، كحالة تجمع بين هشاشة داخلية وموقع جيواقتصادي بالغ الحساسية. فالبيئة اليمنية تُفهم ضمن إطار التهديدات غير النظامية التي يمكن أن تتوسع في غياب دولة قوية: جماعات مسلّحة، اقتصاد حرب، أنشطة تهريب، وأنماط من الارتباط الإقليمي، وفي الوقت نفسه، يقع اليمن على مفصل بحري ينعكس اضطرابه مباشرة على حركة التجارة العالمية، وكلفة التأمين والشحن، وسلاسل التوريد التي تعتمد على البحر الأحمر وباب المندب كقناة أساسية للربط بين آسيا وأوروبا. ومن هذا المنظور، تتحدد أهمية اليمن في الحسابات من خلال موقعه على أحد الممرات التي يقوم عليها النظام التجاري العالمي.

آثار الاستراتيجية على الوضع في اليمن

لا تُظهر الاستراتيجية اتجاهاً لاعتبار اليمن ملفاً مركزياً يتطلب استثماراً سياسياً كثيفاً من واشنطن، بل تميل إلى التعامل معه ضمن منطق «إدارة المخاطر» المرتبطة بأمن الملاحة ومكافحة ما يُصنَّف تهديداً إرهابياً أو صاروخياً – بحرياً. هذا يعني عملياً أن الصراع في اليمن المرتبط بالعدوان يُترَك في المرتبة الثانية أو الثالثة في أجندة السياسة الخارجية، ويُدار عبر الوسطاء الإقليميين (السعودية، الإمارات، الأمم المتحدة)، مع وجود محاذير أمريكية أي بدون إعطاء هذه الدول الاستقلالية التامة في التعامل مع الملف اليمني، فلأمريكا موقف من خارطة الطريق وضغط سابق على المملكة، ولهذا قد يستمر وضع اللاسلم واللاحرب فترة أطول.

الأمن البحري بوصفه مجال التدخّلات العدوانية

تُظهر نصوص الاستراتيجية وتغطياتها أن اللحظات التي يتحرك فيها الموقف الأمريكي أكثر تكون مرتبطة غالباً بهجمات على السفن أو تهديدات صاروخية وبحرية في البحر الأحمر وخليج عدن. أي أن «الأمن البحري» هو المدخل («الإسرائيلي» -الأمريكي) الأساسي للتعامل مع صنعاء والسواحل اليمنية، أكثر من كونه مدخلاً لتسوية سياسية يمنية – سعودية ويمنية – يمنية. وهذا يخلق مفارقة: فكلما زادت قدرة صنعاء على التأثير في خطوط الملاحة، ارتفعت أهميتها الأمنية في الحسابات الأمريكية، لكن من زاوية الضغط والردع، لا من زاوية الاعتراف السياسي بدورها في معادلة النظام الإقليمي، أو اهتمام بإنهاء ملف الحرب في اليمن ودخول البلد طور السلام وإعادة الإعمار.

علاقات واشنطن بالرياض وأبوظبي في ضوء الاستراتيجية

تُبقي الاستراتيجية على السعودية والإمارات بوصفهما الأداتين الرئيسيتين لإدارة الملف اليمني، لكن ضمن سقوف جديدة. فواشنطن لا تسعى إلى العودة إلى نمط الحرب الشاملة المفتوحة كما كان في بدايات العدوان، بل تدفع باتجاه ترتيبات «إعادة تموضع» تُقلِّل الانخراط المباشر، وتترك مهام الضبط الميداني لقوى محلية مدعومة من الرياض وأبوظبي، مع استعداد أمريكي للتدخل حين تمسّ التطورات أمن الممرات أو خطوط الطاقة. وفي هذا الإطار، يميل الموقف الأمريكي إلى تشجيع حلول تُخفِّف الكلفة على الحليفين الخليجيين، حتى لو كانت نتيجتها تفكيكاً جزئياً للوحدة الجغرافية أو إنتاج ترتيبات حكم متعدّدة المراكز داخل اليمن بما في ذلك مشاريع الفدرالية أو الانفصال، طالما أن هذه الترتيبات تُبقي البحر الأحمر وباب المندب ضمن فضاء نفوذ صديق.

ملامح السياسة الأمريكية القادمة تجاه اليمن

يمكن تلخيص الاتجاهات العامة للسياسة الأمريكية المحتملة تجاه اليمن في ضوء هذه الاستراتيجية في عدة خطوط رئيسية:

– استمرار تهميش البعد السياسي الشامل لحلّ الأزمة، مقابل التركيز على ملفات محددة: أمن الملاحة، الصواريخ، النفوذ الإيراني المفترض، والهجرة غير النظامية.

– الاعتماد المتزايد على ترتيبات أمنية بحرية متعددة الأطراف (تحالفات بحرية، أطر «حماية الملاحة»، تعاون استخباراتي)، بدلاً من التورط في الصراع مباشرة.

– تفويض أوسع لحلفاء إقليميين لإدارة تفاصيل المشهد اليمني البري، مقابل احتفاظ واشنطن بحقّ التدخل عند أي تهديد للممرات أو للقواعد الأمريكية في المنطقة.

– التعويل على حلول «جزئية» أو «مؤقتة» تُبقي اليمن في حالة لا حرب شاملة ولا سلام مستقر، بما يضمن درجة من السيطرة على المخاطر، من دون دفع ثمن بناء تسوية تاريخية مكلفة سياسيّاً.

بهذه الصورة، يظهر اليمن في الاستراتيجية الأمريكية كفضاء وظيفي أكثر منه كقضية سياسية -تاريخية تتطلب معالجة جذرية؛ فضاء تُقاس أهميته من منظور أمني بقدرته على تعطيل أو تأمين مفصل استراتيجي في النظام التجاري العالمي، وملف مسلم لدول الإقليم بوصفها وكيلاً، وهو نفس الوضع الذي كان عليه اليمن سابقاً، قبل أن تصبح لأمريكا سياسة مباشرة في اليمن مع مكافحة الإرهاب عام 2000م وتطورات الأحداث التي أعقبت العام 2011م.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنس القاضي