يتقدّم المشهد جنوباً وشرقاً نحو مرحلة “انقلاب رسمي” مكتمل المعالم بعد أن بدا أن الرياض قررت حرق كرت “رئيس ميليشيا الانتقالي” وإخراجه تدريجياً من معادلة النفوذ، بالتوازي مع خسائر بشرية وميدانية ثقيلة مُنيت بها فصائله خلال اشتباكات عنيفة مع التشكيلات الموالية للسعودية، وتحت غطاء غارات جوية مباشرة عمّقت الانهيار وأربكت خطوط الانتشار.
وفيما تتسارع إجراءات نزع السلاح وإعادة الترحيل القسري لفصائل الانتقالي من المحافظات الشرقية، تلوّح الرياض بمرحلة تصعيد جديدة تبلغ ذروتها في التوعّد باقتحام “العاصمة المؤقتة” لمعسكر التحالف، بعد الدفع بخيارات بديلة على الأرض عبر نقل مركز الثقل إلى سيئون ومحاولة تثبيت أمر واقع جديد، بما يعكس أن الصراع داخل تحالف العدوان لم يعد مجرد خلاف نفوذ، بل معركة كسر عظم تُدار فوق الجغرافيا اليمنية وعلى حساب أمن المدنيين ومقدّرات البلاد.
وفي ذروة الانقلاب السياسي، صدرت بيانات من نواب رئيس المجلس الإنتقالي الجنوبي “عيدروس الزبيدي، تعلن “التخلي عنه رسمياً” وتجديد الولاء للرياض، في محاولة للنجاة الفردية بعد انهيار المشروع. ترافقت هذه الخطوة مع حملة شيطنة ممنهجة طالت الزبيدي، وصلت إلى حد نشر وثائق لإظهاره كأداة إماراتية، في رسالة موجهة لقاعدته بأن “المعركة انتهت”.
وفي السياق ذاته، ظهر الزبيدي في عدن للمرة الأولى منذ خسارة قواته مواقعها في المهرة وحضرموت عبر زيارة جرحى بالمستشفى دون تصريحات، في وقت تحدثت مصادر عن رفض السعودية طلباً إماراتياً بإرسال طائرة لإجلائه من عدن، في إشارة إلى أن الرجل بات محاصراً سياسياً وأمنياً داخل معقله.
ويشهد الشرق والجنوب اليمني انفجاراً متسارعاً داخل معسكر تحالف العدوان، مع انتقال الصراع من غرف التفاهم المغلقة إلى نار مكشوفة تعرّي حقيقة المشروعين السعودي والإماراتي وأدواتهما، وتكشف أن ما سُمّي يوماً “شرعية” لم يكن سوى واجهة لاقتتال نفوذ فوق أرض يمنية منهكة.
ففي محافظة المهرة شرقي اليمن، شن العدوان السعودي، الأحد غاراتٍ جوية استهدفت مقر محور الغيضة في العاصمة الإدارية للمحافظة، بالتزامن مع بدء تنفيذ ترتيباتٍ تقضي بـنزع أسلحة فصائل الانتقالي التابع للامارات قبل ترحيلها إلى عدن، وفق اتفاقٍ محلي نصّ على تجميع العناصر القادمة من يافع والضالع داخل معسكر المحور لتسليم الآليات والمعدات مقابل ترتيب ترحيلهم، وسط غموضٍ عمّا إذا كانت الغارات تستهدف الآليات المجمعة أم العناصر ذاتها، في دلالةٍ على أن “إدارة الحلفاء” تُدار بالنار لا بالتفاهمات.
وفي حضرموت، جاءت المؤشرات الأكثر دموية على انهيار منظومة المرتزقة تحت ضربات التنافس البيني، إذ كشف مصدر في المجلس الانتقالي، عبر وكالة فرانس برس، عن حصيلةٍ وُصفت بالصادمة خلال 48 ساعة فقط، مؤكداً مقتل “ما لا يقل عن 80” من عناصره في اشتباكات مع فصائل المرتزقة الموالية للسعودية، إضافة إلى غارات سعودية مباشرة استهدفت مواقعهم في الوادي والصحراء، مع تسجيل “152” جريحاً و”130″ أسيراً، بينما بقي مصير “قرابة 500” مقاتلٍ مجهولاً، في إقرارٍ علني بأن عملية الرياض العسكرية التي بدأت الجمعة لم تكن “إعادة ترتيب” بل حملة سحقٍ ميداني ضد الذراع الإماراتي في الشرق، وأن مرتزقة الانفصال تحوّلوا إلى وقود صراع النفوذ.
وبينما يتهاوى الانتقالي في الهلال الشرقي، وسّعت الرياض رسائلها باتجاه مركز ثقله جنوباً، إذ جددت السعودية الأحد تهديداتها لعدن عبر بيان صادر باسم ما يسمى “الرئاسة اليمنية” يتوعد باتخاذ إجراءات ضد المدينة بذريعة مزاعم استهداف أبناء المحافظات الشمالية، في إشاراتٍ تتجاوز لغة التلويح إلى منطق التحضير لمعركة السيطرة، خصوصاً مع ما أوردته صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية من أن “بوصلة الشرعية تتجه إلى عدن”، ما يعكس أن الخطة ليست محصورة بحضرموت والمهرة بل تمتد لضرب نفوذ الانتقالي في عمقه، وتصفية وجوده لا مجرد “تقليم أظافره”، وبالتوازي مع مسارٍ دبلوماسي لإنتاج بدائل عبر ما يسمى مؤتمر “الحوار الجنوبي–الجنوبي” وفق الرؤية السعودية.
وفي خطوةٍ تُقرأ كإجراء عزلٍ سياسي-إداري للانتقالي، أقرت السعودية عملياً نقل ما يسمى “العاصمة المؤقتة” من عدن، حيث كلف السفير السعودي محافظ حضرموت سالم الخنبشي بالإشراف على “تطبيع الأوضاع” في سيئون وتجهيز المؤسسات هناك لعودة حكومة المرتزقة ورشاد العليمي، في مسارٍ يعاقب عدن على تمرد أدوات أبوظبي ويمنح الرياض مركز قيادة بديل بعيداً عن سيطرة الانتقالي، خصوصاً مع وصول الخنبشي إلى سيئون على متن رحلة جوية سعودية عقب استكمال فصائل “درع الوطن” انتشارها في حضرموت وتقدمها نحو ساحلها وتمركزها في المكلا، بما يعني أن الرياض تُعيد هندسة الجغرافيا الإدارية بما يخدم قبضتها السياسية والعسكرية.
وعلى مستوى “الهندسة السياسية” لما بعد الهزيمة، تحدثت مصادر رفيعة في حكومة عدن عن ترتيبات سعودية تشمل تغييرات بالحكومة والمجلس الرئاسي، وطرح مقترحات على سفراء دول الرباعية (أمريكا وبريطانيا وفرنسا) تتضمن “حل المجلس الرئاسي” وتنصيب رشاد العليمي رئيساً بكامل الصلاحيات مع تعيين نائبين عن الشمال والجنوب وتحويل بقية الأعضاء إلى مستشارين، في صيغة تُبقي يد الرياض الطولى وتُجهز على نفوذ الإمارات داخل بنية المرتزقة، وتُنهي عملياً أي دور للانتقالي الذي كان يمتلك ثلاثة مقاعد في المجلس. ويأتي ذلك على وقع إعلان الطوارئ لتسعين يوماً كغطاء زمني لإعادة تشكيل المشهد، فيما تُدار ملفات السلطة بعيداً عن أعضاء المجلس المنقسمين بفعل الاستقطاب الإقليمي.
وفي قلب هذه الفوضى المصنوعة، برزت حضرموت كمشهدٍ لانفلاتٍ أمني واسع وأعمال نهب وتخريب طالت منشآت عسكرية ومدنية، مع تراجع حضور الأجهزة الأمنية وغياب الضبط الميداني، حيث تحدثت مصادر محلية عن اقتحام معسكرات ومقار حكومية ومؤسسات عامة والاستيلاء على محتوياتها، وتسجيل المكلا أكبر عمليات النهب وسط تداول مقاطع مصورة توثق الفوضى، في ظل معلومات عن انسحابات للقوى الموالية للإمارات من مدن ومعسكرات عقب عمليات موالية للسعودية رافقتها غارات محدودة.
ومع اتساع الفراغ الأمني، حمّل مواطنون السعودية والإمارات وأدواتهما المسؤولية عمّا آلت إليه المحافظة، معتبرين أن الاحتلالين حوّلا حضرموت إلى ساحة صراعٍ مفتوح يدفع المدنيون كلفته، وأن انهيار “المنظومة الأمنية” ليس حادثاً طارئاً بل نتيجة مباشرة لسنوات من إدارة المحافظات بمنطق المليشيا والوصاية.
وبين غارات المهرة، واعترافات خسائر الانتقالي في حضرموت، وتهديد عدن، ونقل “العاصمة المؤقتة”، وترتيبات حل الرئاسي، وانقلاب الحلفاء على الزبيدي، تتجسد صورة واحدة: تحالفٌ دخل مرحلة التفكك العلني، ومرتزقةٌ يتحولون إلى عبءٍ قابلٍ للحرق أو الاستبدال، ومحافظاتٌ تُدار كغنائم بين محتلين، بينما تُكشف الحقيقة على الأرض بلا رتوش: صراعُ نفوذٍ داخل العدوان يُدار بالحديد والنار، ويُصدَّر للناس كقرارات “سيادية”، فيما السيادة اليمنية الحقيقية تُستباح كلما اشتد نزاع الغزاة على خرائط النفط والموانئ والمعسكرات.
