تُتقن الولايات المتحدة تقديم نفسها كحارسٍ لـ”النظام الدولي” وراعيةٍ لـ”السلام”، وتُغلف تدخلاتها بخطابٍ مصقول عن “الحرية” و”حقوق الإنسان” و”حماية المدنيين”. لكن ما تكشفه الوقائع على امتداد عقود هو وجهٌ آخر أشد قسوة: دولة تُدير العالم بمنطق الغرفة العملياتية؛ تُصنّف الدول إلى “مطيعة” و”خارجة عن الخط”، ثم تُحرّك أدوات الضغط لإعادة هندسة القرار الوطني وفق مصالحها—بلا اعتبارٍ حقيقي لسيادة الشعوب أو استقرار البلدان.
في النسخة الأمريكية من السياسة الدولية، ليست السيادة مبدأً محترمًا، بل امتيازًا مشروطًا. الدولة “مرحّب بها” طالما التزمت سقف واشنطن، وحين يتغير اتجاهها أو تُحاول امتلاك قرارها الاقتصادي أو الأمني يبدأ المسار المعتاد: تحذير، ابتزاز، حصار، ثم تدخل مباشر أو بالوكالة. إنها سلسلة تُدار كحملة عسكرية متعددة الوسائط، حتى لو ارتدت ثوب الدبلوماسية.
تأريخ واشنطن في العبث بسيادة الدول مليء بنماذج صريحة تُظهر كيف تُدار “الحرية” كواجهة والهيمنة كحقيقة؛ ففي إيران 1953 شاركت الاستخبارات الأمريكية والبريطانية في إسقاط حكومة محمد مصدّق بعد صراع على قرار النفط والسيادة، وفي غواتيمالا 1954 دعمت عملية أطاحت بحكومة أربينز ومهّدت لعقود من الاضطراب، ثم جاء نموذج تشيلي 1973 حيث ساندت واشنطن بيئة الانقلاب على سلفادور أليندي لتصفية تجربة سياسية مستقلة. وبعد ذلك انتقلت من الانقلابات إلى الحروب المفتوحة: أفغانستان 2001 كحرب طويلة انتهت بفراغٍ أمني، والعراق 2003 كغزو بُني على ذريعة “أسلحة الدمار الشامل” وانتهى بتفكيك الدولة وإطلاق سلسلة صراعات.
ومن النماذج الحديثة، يبرز النموذج الفنزويلي كأخطر تجليات الهيمنة العابرة للسيادة في السنوات الأخيرة؛ حين جرى تصوير عملية عسكرية واسعة داخل أراضي دولة ذات سيادة على أنها إجراء “قانوني”، بينما حملت سمات عمل حربي متكامل شمل ضربات جوية وتشويشًا إلكترونيًا واقتحامات في قلب العاصمة، وانتهى باحتجاز الرئيس الفنزويلي “نيكولاس مادورو” ونقله قسرًا خارج البلاد. كما يُعدّ ملف غرينلاند نموذجًا معاصرًا لهيمنة تُمارَس تحت لافتة “الأمن القومي”. فحين أعادت واشنطن فتح قضية الجزيرة القطبية، لم تكتفِ بتوسيع حضورها العسكري القائم، بل صعّدت الخطاب إلى حدّ اعتبار غرينلاند “ضرورة أمنية وقومية” لا غنى عنها لمنظومات دفاعها الصاروخي، ملوّحة بفرض السيطرة “بطريقة أو بأخرى”.
وفي الوجه الأقل صخبًا والأشد قسوة استخدمت واشنطن العقوبات كسلاح سيادي ضد دول مثل كوبا وإيران وفنزويلا لإخضاع القرار السياسي عبر إنهاك الاقتصاد، بينما اعتمدت في ساحات أخرى نموذج الحرب بالوكالة بتسليح وتوجيه أطراف محلية وإقليمية لإطالة النزاعات. وحتى حين لا تُسقط نظامًا، تُقيم قواعد وتُبرم اتفاقات أمنية تجعل الدولة “مستقلة شكليًا” لكنها عمليًا تحت شبكة التزامات تُقيّد قرارها وتربط أمنها واقتصادها بإشارة خارجية.
تأريخ التدخلات يُظهر أن واشنطن لا تحتاج دائمًا إلى إنزالٍ عسكري كي تُسقط دولة في الفوضى؛ لديها ترسانة كاملة من الأدوات: عمليات سرية، انقلاب ناعم، تمويل نخب، تصنيع معارضة على المقاس، عقوبات تُخنق الاقتصاد، ثم “ممرات إنسانية” تتحول لاحقًا إلى ممرات نفوذ. والنتيجة في كثير من الحالات ليست “ديمقراطية” كما تُروِّج، بل تفكيك مؤسسات، إنهاك المجتمع، وتمديد عمر الأزمات حتى يصبح البلد ساحة مستباحة تُدار من الخارج.
وعندما تختار واشنطن الحرب المباشرة، فإنها تُطلق عليها أسماء مُطمئنة: “تحرير”، “مكافحة الإرهاب”، “حماية الأمن العالمي”. غير أن حصيلة الأرض تكون عادةً مختلفة: دول مكسورة، جيوش مُفرَّغة، حدود رخوة، وصراعات أهلية طويلة. الأخطر أن هذه الحروب لا تتوقف عند إسقاط نظام؛ بل تُعيد تشكيل البيئة السياسية لتولد سلطات مرتبطة، أو كيانات متصارعة، أو فراغًا يسمح بتدوير الجماعات المتطرفة كلما احتاجت واشنطن ذريعة جديدة لعودةٍ جديدة.
أما العقوبات، فهي السلاح الذي يُطلق دون طلقة واحدة لكنه يُصيب المدن والأحياء والدواء والخبز. تُسوّق واشنطن العقوبات كـ”ضغط على الحكومات”، لكنها عمليًا تُحوّل حياة المدنيين إلى ورقة تفاوض: شريان مالي يُقطع، عملة تُستنزف، استيراد يتعطل، ثم يُطلب من الشعب أن يُحمّل نفسه مسؤولية الحصار. إنها حرب اقتصادية تُدار بمنطق تجويع القرار السياسي حتى يلين.
وفي نموذج الحروب بالوكالة، تتفوق واشنطن في إبقاء يدها نظيفة على الورق، بينما تُغرق الميدان بالسلاح والتمويل والتوجيه الاستخباري. تُصبح الأزمة “مُدارة” لا “محلولة“، لأن الحل لا يخدمها دائمًا. ومع الزمن تتحول الدول إلى خرائط نفوذ: مناطق مُمَولة، وأخرى مُحاصرة، وأخرى تُستثمر فيها الانقسامات لتوليد “توازنات” تمنع قيام دولة قوية مستقلة.
وتحت عنوان “الشراكات الأمنية“، تُقام قواعد وتُوقَّع اتفاقات تُقيد القرار السيادي، فيصبح التسليح والصيانة والمعلومات والغطاء السياسي سلاسل تحكم. دولة مستقلة شكليًا، لكن قرارها الاستراتيجي مُعلَّق بخيوط خارجية: من يملك قطع الغيار يملك زمن الحرب والسلم، ومن يملك المعلومة يملك اتجاه البوصلة، ومن يملك الغطاء يملك حق الفيتو على سياساتك.
وبينما تتحدث واشنطن عن القانون الدولي، فإنها تُمارس ازدواجية فاضحة: تُقدّس السيادة حين تخدمها، وتدوسها حين تعيق مصالحها. تُطالب الآخرين بضبط النفس، وتمنح نفسها حق “الضرب الاستباقي”. تُدين التدخلات عند الخصوم، وتُسمي تدخلاتها “مبادرة” أو “مسؤولية”. بهذا السلوك، لا تُضعف فقط الثقة بالنظام الدولي، بل تُرسخ قناعة واسعة بأن “القانون” في النسخة الأمريكية أداة ضغط لا مرجعية عدل.
الخلاصة أن واشنطن—خلف خطابها اللامع—تتحرك بعقيدة ثابتة: القوة أولًا، ثم الرواية. تُسقط دولًا أو تُحاصرها أو تُعيد تشكيلها، ثم تُقدّم ذلك للعالم على أنه “مهمة نبيلة”. لكن المحصلة التي تراها الشعوب هي شيء آخر: سيادة منزوعة، مؤسسات متآكلة، واقتصاد مُرهَق، وصراعات تُطيل عمر النفوذ الأمريكي بدل أن تُنهي الألم. وفي كل مرة تُرفع فيها راية “السلام” الأمريكية، تتذكر الدول أن السلام عند واشنطن ليس نهاية الحرب… بل طريقة أكثر ذكاءً لإدامة السيطرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحرر السياسي
المشهد اليمني الأول
29 يناير 2026م
