تتسارع مؤشرات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مع انتقال التهديد من مستوى الخطاب إلى مستوى الحشد، بعدما أعلن دونالد ترامب أن “أرمادا ضخمة” تقودها حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” تتجه نحو إيران، مرفقًا ذلك بإنذار سياسي بأن “الوقت ينفد” أمام طهران لإبرام تفاهم نووي وفق شروط واشنطن، ولوّح بأن أي ضربة مقبلة ستكون “أشد” مما سبق.
وفي المقابل، جاء الرد الإيراني مُحكَم الإغلاق أمام مناورة “الضربة المحدودة”، إذ أكد مستشار قائد الثورة الإسلامية علي شمخاني أن “الضربة المحدودة خداع/وهم” وأن “أي عمل عسكري أمريكي من أي مصدر وعلى أي مستوى سيُعد بداية حرب” مع تهديد برد “فوري وشامل وغير مسبوق” يصل إلى “قلب تل أبيب” ويطال المعتدي و”مؤيديه”. وبالتوازي، شدد عباس عراقجي على أن القوات المسلحة “أصابعها على الزناد” للرد “فورًا وبحزم” على أي عدوان، بما يعني أن طهران تتعامل مع أي ضربة باعتبارها محاولة كسر إرادة دولة لا حادثًا تكتيكيًا معزولًا.
المعضلة الاستراتيجية هنا أن واشنطن تميل—في إدارة الأزمات—إلى خيار “الضربة المحسوبة” التي تُسوَّق كرسالة ردع لا كحرب. غير أن الحالة الإيرانية تُفخّخ هذا النموذج من أساسه: لا “ضربة محدودة” إذا كانت تُصنَّف في العقيدة الإيرانية كـ«بداية حرب». لذلك يصبح المسار الأقرب للتحقق—إن وقع القرار الأمريكي—ليس “ضربة ثم تهدئة” بل سلسلة تفاعلات قد تتجاوز سريعًا قدرة البيت الأبيض على ضبط سقفها السياسي، لأن طهران تُلوّح بمنطق ردٍ يجعل الكلفة متشعبة ومتراكمة لا موضعية.
أما “نوع الأهداف” التي قد تُدرجها واشنطن ضمن خياراتها—تحليلًا لا تشغيلًا—فهي تُقرأ ضمن فئات عامة: شلّ قدرة إيران على إدارة القتال (مستويات القيادة والسيطرة والاتصال)، تقليص حرية الحركة الدفاعية (منظومات الرصد والإنذار والدفاع الجوي)، وإضعاف عناصر الردع النوعي (قدرات عسكرية–صناعية وبنى تشغيلية حساسة). وفي المقابل، منطق الرد الإيراني—وفق تعبيرات من طراز «المعتدي ومؤيديه»—يرجح أن يستهدف منظومة الوجود والإسناد المرتبطة بالقرار الأمريكي: قواعد وتموضعات ومصالح تُستخدم لإدامة الضغط، مع قابلية عالية لتحويل الصدمة إلى كلفة ممتدة على الحلفاء والأسواق بدل حصرها داخل الجغرافيا الإيرانية. وهنا تتضح فلسفة الردع الإيرانية: حرمان واشنطن من ميزة «الضربة دون تبعات».
في هذا السياق تتبلور في طهران مقاربة متعددة المستويات: ردع قاسٍ مع جاهزية عسكرية وشعبية، وترك نافذة دبلوماسية مواربة أمام وساطات إقليمية ودولية بشرط التخلي عن منطق التهديد وفرض الشروط. التحذيرات الإيرانية من استهداف البنية النفطية—بوصفها عصبًا استراتيجيًا—تندرج ضمن رسالة ردعية أشمل: أي مساس بالبنى الحيوية لن يُقرأ كعمل “جراحي”، بل كاستهدافٍ لمرتكزات الدولة يفتح الباب أمام ردٍ يُوسِّع الكلفة على منظومة الطاقة الإقليمية، بما يضغط على قرار الاستمرار لا على قرار البدء فقط.
أما عن الدول المرشحة للمشاركة إلى جانب الولايات المتحدة فالأرجح—في المستوى القتالي/الاستخباري—هو الكيان الإسرائيلي، لأنه ينظر لأي تصعيد مع إيران كملف وجودي مرتبط بمعادلة الردع الإقليمي. مشاركة بريطانيا أو فرنسا تبقى احتمالًا متوسطًا إذا توسعت المواجهة إلى عنوان “حماية قواعد/سفن/حرية ملاحة”، بينما يبقى السيناريو الأكثر واقعية خليجيًا هو تسهيلات وتموضع ودعم لوجستي أكثر من دخول قتالي معلن، لأن كلفة الانخراط المباشر وارتداداته على الداخل والاقتصاد والطاقة مرتفعة.
وعلى الضفة المقابلة، فإن “دولًا تدخل بجيوشها نظاميًا مع إيران ضد واشنطن” احتمالها أقل، لكن الإسناد الواقعي يأتي بثلاث صور: دعم سياسي/تقني/استخباري من قوى كبرى (تقييد اندفاعة واشنطن دوليًا وتكنولوجيًا دون إعلان حرب مباشرة)، إسناد “ساحاتي” من قوى محور المقاومة (تغيير ميزان الكلفة عبر تعدد الجبهات)، وإسناد ردعي عبر أدوات الضغط الاقتصادي–الطاقي التي تُربك حسابات الاستدامة.
وبخصوص دور صنعاء في هذا المشهد، فإنه يُدرج كـاحتمال دخول لا كعنوان للمواجهة: فاعليتها السابقة في خلق ضغط بحري/اقتصادي تجعلها ورقة قابلة للتفعيل إذا اتجهت الأزمة إلى اتساع إقليمي أو إذا تحولت الضربات إلى نمطٍ مفتوح ومتكرر.
وبميزان الترجيح: كلما بقيت الأزمة أقرب إلى “ضربة واحدة ورسالة”، انخفضت فرص فتح ساحات إضافية؛ وكلما انزلقت إلى “حرب تتكرر ضرباتها”، ارتفعت احتمالات تفعيل ساحات ضغط موازية.
زمنيًا، يمكن ترجيح ثلاثة مسارات بواقعية أعلى من التحليلات الفضفاضة: المسار الأول (مرجّح) أن تبدأ الأزمة بجولة قصيرة (أيام) إذا وقع قرار الضربة، مع رد محسوب ثم اندفاع وساطات لاحتواء الاشتعال؛ لكن نجاح هذا المسار يتوقف على قبول طهران بسقف يفرضه خصمها، وهو ما تُضعفه تصريحات من نوع «أي عمل… بداية حرب». المسار الثاني (احتمال متوسط) أن تتحول إلى أسابيع من شد وجذب لأن الردود قد تطال تموضعات ومصالح تتطلب “ردًا على الرد”، وهنا يصبح الاقتصاد (الطاقة، التأمين، الملاحة) عنصر ضغط دولي لإيقاف النزيف. المسار الثالث (أقل احتمالًا لكنه الأخطر) اتساع متعدد الساحات إذا دخلت إسرائيل علنًا وبشكل متكرر أو إذا تحولت الضربات إلى حملة، ما يرفع احتمالات تفعيل أدوات الردع الإقليمي بصورة أوسع.
الخلاصة الاستراتيجية المنحازة لإيران أن واشنطن تحاول فرض معادلة: تهديد + حشد = تنازل، بينما ترد طهران بمعادلة مضادة: “أي ضربة = بداية حرب”. هذه ليست بلاغة سياسية فحسب، بل إعلان قواعد اشتباك هدفه حرمان الولايات المتحدة من وهم “العملية النظيفة”، ونقل كلفة التصعيد من طهران وحدها إلى الإقليم ومنظومة المصالح التي تحمي القرار الأمريكي—بحيث يصبح خيار الحرب، حتى لو بدأ بقرارٍ أمريكي، غير قابل للاحتكار في نهايته.
