ذات صلة

الأكثر مشاهدة

السعودية تقصف أدواتها المنسحبة.. آليات “العمالقة” تحترق على طريق الفرار من الساحل الغربي

تداول ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يظهر...

الشكر مع النصر.. حتى لا تتحول النعمة إلى ثغرة

الأخوة المؤمنون المجاهدون في سبيل الله؛ نحن أمة قرآنية...

مأساة سجن الجوف

تتواصل فصول المأساة الإنسانية في اليمن لتسجل الذاكرة الوطنية...

الرياض تبتز العالم بعد هزيمتها في اليمن

خلال الأيام الماضية تبنت القنوات العربية المتصهينة رواية النظام...

مفاوضات على وقع الأساطيل.. أمريكا تستعرض القوة “بالحشد الأكبر” وإيران تثبّت معادلة الردع “بالتمسك بالسيادة ورفع الجهوزية”

يشهد “الشرق الأوسط” لحظةً شديدة الحساسية على وقع أحد أكبر التحشيدات العسكرية الأمريكية منذ غزو العراق عام 2003، في مشهدٍ يختلط فيه الضغط العسكري بالمساومة السياسية، وتتقدم فيه واشنطن بأساطيلها وطائراتها الثقيلة بالتوازي مع مسار تفاوضي متعثر حول الملف النووي الإيراني. وفي قلب هذا المشهد، تتمسك طهران بثوابتها المعلنة: الحق السيادي في التخصيب، ورفض الإملاءات الأمريكية–الإسرائيلية، وربط أي تفاهم برفع العقوبات واحترام السيادة الوطنية.

ودفعت الولايات المتحدة بحاملة الطائرات النووية “جيرالد فورد” عبر مضيق جبل طارق باتجاه المنطقة، لتنضم إلى الحاملة “أبراهام لينكولن”، في انتشار يُتوقع أن يرفع عدد السفن الحربية الأمريكية إلى 17 قطعة بحرية، بينها مدمرات مزودة بأنظمة دفاع جوي وصاروخي متقدمة. وترافق هذا الحشد مع تعزيزات جوية ضخمة تشمل مقاتلات من طراز F-35 وF-22 وF-15 وF-16، إضافة إلى طائرات التزود بالوقود KC-135، في مؤشر واضح على استعداد واشنطن لخوض حملة جوية طويلة الأمد.

هذا الانتشار، الذي شبّهه محللون بما سبق غزو العراق، يتزامن مع مهلة منحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تتراوح بين 10 و15 يوماً للتوصل إلى اتفاق “مجدٍ”، ملوّحاً بـ“أمور سيئة للغاية” في حال الفشل. إلا أن تقارير أمريكية، بينها ما نشرته نيويورك تايمز، كشفت أن كبار القادة العسكريين كانوا قد نصحوا البيت الأبيض بتأجيل أي هجوم، بسبب نقص الجاهزية والغطاء الجوي الكافي للقوات المنتشرة في المنطقة، وهو ما دفع البنتاغون إلى تسريع نشر الأساطيل وتعزيز البنية العملياتية.

في المقابل، تتعامل طهران مع هذا المشهد باعتباره مزيجاً من الضغط النفسي والعسكري، لا مجرد استعراض إعلامي. فقد رفعت إيران، السبت، منسوب الجهوزية العسكرية عبر انتشار واسع للقوات البرية التابعة للحرس الثوري والجيش على امتداد الحدود، بالتزامن مع تسليم منظومات دفاعية إلى وحدات متعددة في أنحاء البلاد. الرسالة الإيرانية هنا واضحة: التهديدات لا تُقرأ كخطاب سياسي عابر، بل كاحتمال عملي يستوجب رفع الجاهزية ورفع كلفة أي قرار عدواني.

وتحدثت وسائل إعلام إيرانية عن نشر منظومات دفاعية بينها مدافع “أورليكون” و“سكاي غارد”، ضمن مسار استعداد طويل المدى لمواجهة احتمالات التصعيد الأمريكي–الإسرائيلي. ويأتي ذلك في سياق بناء شبكة ردع متعددة الطبقات تشمل الدفاع الجوي، والتحصين الميداني، والانتشار البحري، والجاهزية الصاروخية، بما يعزز قدرة إيران على امتصاص الضربة الأولى والانتقال سريعاً إلى ردٍّ منظم وواسع التأثير.

وعلى المستوى البحري، واصلت طهران تثبيت معادلة الردع في الممرات الحيوية، إذ أجرت البحرية الإيرانية مناورات مشتركة مع روسيا في بحر العرب، بعد مناورات واسعة في مضيق هرمز. هذا التتابع العملياتي لا يحمل فقط بعداً تدريبياً، بل يبعث برسالة استراتيجية مزدوجة: إيران ليست معزولة ميدانياً، وأمن الممرات البحرية لم يعد ملفاً أميركياً أحادياً. كما أن التلويح الإيراني المتجدد بخيارات الردع المرتبطة بمضيق هرمز يضع أي مغامرة عسكرية أميركية أمام حسابات أكثر تعقيداً من مجرد تنفيذ ضربة ثم الانسحاب.

ورغم الحديث الأمريكي عن احتمال توجيه ضربات، تشير تحليلات في مجلة فوربس إلى أن واشنطن لن تغامر بغزو بري لإيران، بل قد تكتفي بمحاولة استهداف قيادات عسكرية أو منشآت محددة. غير أن تجربة “حرب الاثني عشر يوماً” عام 2025، حين ردّت طهران على العدوان الإسرائيلي ثم قصفت قاعدة العديد في قطر، أظهرت أن أي مواجهة محدودة قد تتدحرج سريعاً إلى صراع إقليمي واسع.

إيران، من جهتها، لوّحت مجدداً بخيارات الردع الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، فيما أجرى الحرس الثوري مناورات بحرية في الممر الحيوي، بالتزامن مع تدريبات مشتركة إيرانية – روسية في بحر عُمان، في رسالة مزدوجة مفادها أن طهران ليست معزولة وأن ميزان القوى لم يعد أحادياً.

المشهد الدولي يعكس بدوره انقساماً واضحاً. بريطانيا رفضت السماح لواشنطن باستخدام قواعدها لشن ضربات على إيران، خشية انتهاك القانون الدولي، بينما حذّرت صحف بريطانية من الانجرار خلف “سياسة التهديد مع التفاوض”. وفي أوروبا، برز توتر واضح مع الإدارة الأمريكية خلال مؤتمر ميونخ للأمن، وسط دعوات أوروبية لقدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية.

وفي الخلفية، تتقاطع هذه التطورات مع ملفات أخرى ملتهبة، من بينها مشروع “مجلس السلام” الأمريكي في غزة، الذي يفتقر إلى تمثيل فلسطيني حقيقي، وسط تحركات لإعادة هندسة المشهد الأمني في القطاع، إضافة إلى تصعيد إسرائيلي في الضفة الغربية ومواصلة تقليص خدمات الأونروا تحت ضغط مالي وسياسي.

في المحصلة، تبدو المعادلة الراهنة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: واشنطن تستعرض القوة بالحشد والمهل والتهديد، وطهران تردّ بتثبيت الردع ورفع الجهوزية والتمسك بالسيادة. وبين ضغوط التفاوض واستعراض الأساطيل، تفرض إيران واقعاً جديداً عنوانه أن زمن الإملاءات الأحادية قد تراجع، وأن أي مغامرة عسكرية—حتى لو جرى تسويقها كـ“ضربة محدودة”—قد تفتح على اشتباك أوسع يعيد رسم توازنات القوة في الشرق الأوسط.

spot_imgspot_img