ذات صلة

الأكثر مشاهدة

السعودية تقصف أدواتها المنسحبة.. آليات “العمالقة” تحترق على طريق الفرار من الساحل الغربي

تداول ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يظهر...

الشكر مع النصر.. حتى لا تتحول النعمة إلى ثغرة

الأخوة المؤمنون المجاهدون في سبيل الله؛ نحن أمة قرآنية...

مأساة سجن الجوف

تتواصل فصول المأساة الإنسانية في اليمن لتسجل الذاكرة الوطنية...

الرياض تبتز العالم بعد هزيمتها في اليمن

خلال الأيام الماضية تبنت القنوات العربية المتصهينة رواية النظام...

اقتصاد الردع تحت الحصار: كيف حوّلت إيران العقوبات إلى مصانع سلاح تُربك أمريكا

في كل مرة حاولت واشنطن تصوير العقوبات كقفصٍ محكم حول إيران، جاءت الوقائع لتكشف أن الحصار لم يكن سوى مدرسة قاسية لصناعة قوةٍ محلية تتوسع بالتراكم. قصة التسليح الإيراني الحديث ليست قصة “شراء سلاح” بقدر ما هي قصة بناء منظومة اكتفاء من بقايا المنع والحظر، وتحويل الحاجة إلى هندسةٍ عكسية، والهندسة إلى صناعة، والصناعة إلى ردعٍ يفرض نفسه على خرائط الحرب في الخليج والشرق الأوسط.

في صيف 2007، حين لجأ البنتاغون إلى تقطيع مقاتلات “إف-14 تومكات” داخل قاعدة أمريكية بأريزونا بدل بيع قطعها في الأسواق، لم يكن المشهد مجرد تفكيك لطائرات متقاعدة، بل كان اعترافًا ضمنيًا بأن منع إيران من الاستفادة من أي “ثغرة” في قطع الغيار بات هاجسًا دائمًا. فالبلد الوحيد خارج الولايات المتحدة الذي امتلك “إف-14” كان إيران قبل الثورة، ومع قيام الجمهورية الإسلامية وانقطاع الدعم الفني الأمريكي، تحولت تلك الطائرات إلى اختبار قاسٍ: إما أن تسقط المنظومة مع العقوبات، أو تُثبت إيران أنها تستطيع إبقاء منصة أمريكية معقدة تعمل بلا مصنعها.

الرهان الأمريكي كان أن “تومكات” ستنهار بفعل الاستهلاك، لأن الطائرة أصلاً مُرهِقة في الصيانة وتحتاج ساعات طويلة من العمل الأرضي مقابل ساعة طيران واحدة، لكن طهران ردّت منذ 1982 بإعلان “جهاد الاكتفاء الذاتي”، وبدأت تدريجيًا بإنتاج المكونات البسيطة محليًا، ثم انتقلت إلى الأصعب: تفكيك الأنظمة، إعادة رسمها، تصنيع بدائلها، واستعادة ما يمكن استعادته من الحطام. وما لم تستطع الصناعة تغطيته في تلك المرحلة غطته شبكات توريد غير مباشرة وأسواق رمادية، بينما تحوّل “التفكيك الانتقائي” إلى ممارسة عملية: هيكل يضحّي به لإنقاذ آخر، ومجموعة تُفكك لتبقى أخرى في الخدمة.

هذه ليست مجرد قصة “قطع غيار”؛ إنها قصة مرونة مؤسسية. فحين نفدت صواريخ AIM-54 Phoenix التي كانت تمنح “إف-14” ميزة الاشتباك بعيد المدى، لم تتعامل إيران مع الأمر كعجزٍ نهائي، بل طورت بدائل محلية مثل “فكور-90” ونجحت في دمجها ضمن منظومة تحكم ناري أمريكية الأصل. وحين حاولت تكييف صواريخ “هوك” للاستخدام من الجو، كان ذلك جزءًا من عقلية واحدة: تطويع الموجود بدل انتظار المستحيل. ومع مرور السنوات، أصبح استمرار طيران “إف-14” أقل أهمية من الدرس الذي أنتجه: إيران تستطيع الحفاظ على منظومة سلاح معقدة لعقود خارج شبكة المصنع الأصلية، أي إنها تستطيع تكرار الفكرة على نطاق أوسع.

ومن هنا يبدأ التحول الحقيقي: ما بدأ بمحاولة إبقاء طائرة قديمة في الجو، تحوّل إلى قاعدة لبناء صناعة صاروخية محلية واسعة. فبرنامج الصواريخ الإيراني انطلق كضرورة في الحرب العراقية الإيرانية لمواجهة “حرب المدن” وصواريخ سكود، لكنه تطور سريعًا من الاستيراد إلى النسخ، ثم من النسخ إلى التطوير. ومع الوقت، أنتجت إيران أجيالًا متعددة من الصواريخ الباليستية، وانتقلت من الوقود السائل إلى الوقود الصلب الذي يمنح سرعة التحضير للإطلاق ويصعب استهدافه قبل الإطلاق ويزيد المرونة الميدانية. وبدل أن تبقى الصواريخ مجرد “تعويض” لنقص سلاح الجو، أصبحت الصواريخ عمود الردع الإيراني الأكثر ثباتًا أمام الضغوط الخارجية.

وفي قلب هذا المسار، برزت الصواريخ الفرط صوتية بوصفها رسالة سياسية-عسكرية بحجمها الرمزي قبل مداها القتالي؛ إذ إن تطوير سلاحٍ من هذا النوع يتطلب قدرة على التعامل مع حرارة هائلة واستقرار هوائي ومناورة، وهي تحديات لا تتجاوزها عادة إلا دول قليلة. وحين أعلنت إيران إدخال صواريخ مثل “فتاح” بنسخها المختلفة إلى الخدمة، فهي لا تكتفي بسرد إنجاز تقني، بل تقول عمليًا إن العقوبات لم توقف التطور، بل أعادت توجيهه نحو الاكتفاء، وإن محاولات بناء “مظلة اعتراض” مطلقة حول الكيان الإسرائيلي والقواعد الأمريكية ستظل تصطدم بعاملين قاتلين: المناورة والتشبع العددي.

التجربة الأوضح على منطق التشبع والاستنزاف ظهرت في حرب الأيام الاثني عشر، حين أطلقت إيران مئات الصواريخ ضمن نمط دفعات كثيفة ثم متدرجة، ما وضع منظومات الاعتراض أمام اختبار الاستهلاك. في منطق الحروب الحديثة، قد لا تحتاج إلى تدمير “الدرع” مباشرة؛ يكفي أن تُغرقه بالكمّ، فتجعل تكلفة الاعتراض أعلى من تكلفة الهجوم، ثم تفتح ثغرة تمر منها بعض الضربات إلى أهدافها. هذه هي “اللغة” التي تخشاها واشنطن وتل أبيب: لغة الاستنزاف التي تسلب التفوق التكنولوجي قدسيته.

ولأن الردع لا يكتمل بالصواريخ وحدها، اتجهت إيران لبناء قوة بحرية غير متناظرة تملك القدرة على تحويل الجغرافيا إلى سلاح. هنا تظهر الغواصات والألغام كجزء من عقيدة واحدة: تهديد الملاحة والتمركز البحري في المضائق لا عبر معركة أسطول لأسطول، بل عبر أدوات منخفضة الكلفة وعالية الأثر. استوردت إيران غواصات “كيلو” في التسعينيات، لكنها اصطدمت بذات المعضلة: الاعتماد الخارجي في الصيانة والتحديث. فجاء الرد بإنتاج غواصات صغيرة للعمل في المياه الضحلة، ثم القفزة نحو غواصة “فاتح” بوصفها أول غواصة ساحلية متوسطة الحجم تُصمم وتُصنع محليًا بالكامل، مع تطويرات لاحقة تهدف لزيادة بقائها مغمورة لفترات أطول.

إلا أن الخطر الأكبر في العقيدة البحرية الإيرانية لا يتمثل في الطوربيدات وحدها، بل في الألغام. فالألغام ليست سلاح “الضربة الجميلة” بل سلاح تعطيل الاقتصاد ورفع تكلفة الحرب. وإيران، وفق تقديرات متداولة، راكمت مخزونًا كبيرًا من الألغام البحرية المتنوعة، بعضها بسيط وبعضها ذكي ومتعدد التأثير، بما يجعل مضيق هرمز ورقة ضغط عملية لا مجرد تهديد نظري. هنا تتحول الجغرافيا إلى معادلة: ليس مطلوبًا إغلاق المضيق دائمًا؛ يكفي أن يبقى خيار الإغلاق حاضرًا بما يفرض حسابات ردع على الخصم.

كل ذلك يفضي إلى خلاصة واحدة: القوة الإيرانية لا تُقاس بما يمكن تدميره في ضربة واحدة، بل بما تستطيع إيران إعادة بنائه بعد الضربة. فالصورة الجوية قد تلتقط حطامًا في مطار أو منشأة، لكنها لا تلتقط ما يُعاد تجميعه داخل الورش، ولا ما يتعلمه المهندسون من كل محاولة خنق. وبين ما تراه الأقمار الصناعية وما تُنتجه العقول في مصانع الداخل، تتشكل حقيقة الردع الإيراني: العقوبات لم تُلغِ السلاح… بل صنعت بيئة لإنتاجه محليًا، وربطته بعقيدة سيادة لا تقبل التفكيك.

spot_imgspot_img