تتجه المواجهة الإقليمية إلى طورٍ أشدّ تعقيدًا مع تراكم مؤشرات ميدانية وسياسية تُظهر أن الحرب لم تعد تُدار بمنطق “الضربة والرد”، بل بمنطق الاستنزاف المنهجي وكسر منظومات القيادة والإنذار والدفاع، وسط اتساع رقعة الاشتباك من طهران إلى الخليج فالعراق ولبنان وفلسطين المحتلة.
وفي أبرز التطورات، أفادت تقارير بأن صور الأقمار الصناعية تؤكد تعرض رادار الإنذار المبكر للصواريخ الباليستية AN/FPS-132 Block 5 (SSPARS) في قطر لأضرار عقب ضربات إيرانية، مع تداول معلومات عن أن قيمة المنظومة تبلغ نحو 1.1 مليار دولار. وتزامن ذلك مع إعلان منسوب إلى العلاقات العامة للحرس الثوري أن الرادار تم تدميره بالكامل وإخراجه من الخدمة بعد إصابة سابقة أبقته يعمل جزئيًا، في تطور يوصف بأنه يضرب “عين” الإنذار المبكر ويضغط مباشرة على شبكة الرصد والاعتراض في واحدة من أكثر نقاط الانتشار الأمريكي حساسية في المنطقة.
وبينما كانت دوائر الخليج تستوعب ارتدادات هذا المسار، تواصلت الغارات العدوانية على العاصمة طهران ومناطق غربيها وشرقها مع ورود أنباء عن انفجارات وتصدي الدفاعات الجوية لأهداف معادية، في وقت أعلن فيه الحرس الثوري إسقاط 26 طائرة مسيرة معادية منذ بداية الحرب والسيطرة على طائرة واحدة سليمة ومسلحة، إلى جانب إسقاط “هيرمس” في كرمان وتدمير “هيرمس 900” في إشتهارد، وتدمير مسيرات أخرى بينها “هيرميس” و“إم كيو-9” في أجواء أصفهان وفق ما نُقل عن بيانات إيرانية.
وفي مؤشر موازٍ على عمق الأثر داخل واشنطن، نقلت رويترز أن وزارة الحرب الأمريكية تعمل على طلب ميزانية إضافية قدرها 50 مليار دولار لتعويض الأسلحة المستنزفة، مع ضغط من البيت الأبيض على شركات الدفاع لتسريع الإنتاج وتهديد بعقوبات على المتقاعسين، واعتزام إدارة ترامب عقد اجتماع مع كبرى شركات السلاح لمناقشة رفع وتيرة التصنيع. هذه الخطوة – بمضمونها السياسي والمالي – تعني عمليًا أن الاستهلاك الناري بلغ مستوى يدفع المؤسسة العسكرية لطلب “ضخّ طارئ” في المخزون، في الوقت الذي أشارت فيه تقارير إلى أن واشنطن استهلكت أصلًا مخزونات بمليارات الدولارات في ملفات سابقة، لتصبح الحرب الحالية اختبارًا مباشرًا لقدرة الولايات المتحدة على الاستمرارية دون كلفة داخلية متصاعدة.
ميدانيًا، تزامن التصعيد مع إعلان البنتاغون نشر صور أربعة جنود أمريكيين من أصل ستة قُتلوا في الكويت نتيجة هجوم إيراني، وهو تطور يتجاوز البعد الإعلامي إلى تثبيت الاعتراف بالخسائر البشرية، بالتوازي مع استمرار الضربات ضد انتشار القوات الأمريكية في العراق؛ إذ أوردت هيئة الحشد الشعبي أن الاحتلال الأمريكي استهدف مقرًا لعمليات الجزيرة في جرف النصر دون خسائر، بينما أعلنت فصائل المقاومة الإسلامية في العراق تنفيذ هجمات بمسيّرات على فندق في أربيل تتخذه القوات الأمريكية مقرًا لإقامة جنودها، إضافة إلى هجوم آخر استهدف قاعدة قرب مطار أربيل، في سياق تبدو فيه “المرافق اللوجستية والإيوائية” جزءًا من بنك الأهداف وليس القواعد المحصنة فقط.
وعلى الجبهة اللبنانية، ارتفعت حصيلة الاعتداءات الإسرائيلية وفق وزارة الصحة اللبنانية، مع الإعلان عن شهداء وجرحى في جبل لبنان والبقاع وغارات طالت طرقًا ومجمّعات سكنية، فيما واصل العدو تحركات ميدانية جنوبًا عبر توغل وقصف مدفعي في محيط كفرشوبا. وفي المقابل، أعلن حزب الله تنفيذ عمليات نوعية داخل العمق؛ أبرزها استهداف مقر شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI) وسط فلسطين المحتلة بسرب من المسيّرات الانقضاضية، إلى جانب ضرب قاعدة غيفع للتحكم بالمسيّرات شرق صفد بصاروخ دقيق، واستهداف مقر قيادة المنطقة الشمالية “قاعدة دادو” شمال شرق صفد بصاروخ دقيق الإصابة، وهو تصعيد يحمل دلالة أن الجبهة الشمالية باتت تعمل على ضرب “العصب التقني” المتصل بالمسيّرات والقيادة والسيطرة لا الاكتفاء بإرباك خطوط التماس.
وفي السياق السياسي الإيراني، شدد وزير الخارجية عباس عراقجي على أن التعامل مع المفاوضات النووية بمنطق “صفقة عقارية” يجعل التوقعات غير الواقعية مستحيلة، معتبرًا أن ترامب “خان الدبلوماسية” وأن ما جرى هو “تفجير لطاولة المفاوضات بحقد”. وفي البرلمان الإيراني، قال المتحدث باسم لجنة الأمن القومي إن المعركة مع “العدو الصهيوني وأمريكا” مع التأكيد على أن إيران ستضرب “كل من يدخل هذه المعركة”، فيما أعلن رئيس السلطة القضائية أن التعامل سيكون حازمًا مع أي متعاون مع العدو واعتباره عدوًا.
وفي مقابل ذلك، صدرت مواقف دينية داعمة لإيران؛ إذ نقل عن مكتب السيد السيستاني إدانته الشديدة للحرب واعتبار قرار شن حرب شاملة لإسقاط نظام سياسي “بادرة خطيرة جدًا”، مع دعوة المسلمين وأحرار العالم للتنديد والتضامن، والتنبيه إلى اتساع دائرة العمليات المضادة لتشمل دولًا أخرى كما كان متوقعًا.
وعلى مستوى “الشرعية الدستورية” والانتقال السياسي، نقل عن عضو مجلس خبراء القيادة السيد أحمد خاتمي أن الأسماء المقترحة لمنصب القائد الجديد قد تم تحديدها وأن المجلس سينتخب القائد في أقرب فرصة وضمن الأطر القانونية، متهمًا الأعداء بمحاولة ضرب مجلس الخبراء بعد اغتيال الشهيد القائد، في رسالة هدفها إظهار أن بنية الدولة لا تعمل بمنطق الفراغ بل بمنطق “سلاسل قرار” محمية ومستمرة.
ومع اتساع النيران، امتد أثر الحرب إلى الاقتصاد والطاقة؛ إذ نقلت رويترز أن منشأة أرامكو في رأس تنورة تعرضت لهجوم جديد بمقذوف مجهول، بالتوازي مع بلاغ بحري بريطاني عن حادث على بعد 20 ميلًا بحريًا غرب دبي، ما يعيد واجهة المخاطر إلى مثلث: الطاقة–الملاحة–التأمين. وفي العراق، أعلنت وزارة الكهرباء انقطاعًا كاملًا للتيار في جميع المحافظات والسبب قيد التحقيق، وهو تطور – أيًا كان مصدره – يضيف ضغطًا حيويًا على البنية الخدمية في قلب ساحة تتقاطع فيها خطوط النفوذ والوجود العسكري.
وفي مقابل تصاعد العمليات، ظهرت أيضًا إشارات تعبئة داخلية؛ إذ أُعلن عن تظاهرات حاشدة في إسلام شهر تنديدًا بالعدوان وتأييدًا للنظام، فيما واصلت طهران إطلاق موجات جديدة من الصواريخ ضمن “الوعد الصادق 4” وصولًا إلى الإعلان عن الموجة 17 ثم 18، بالتزامن مع تصريحات منسوبة للحرس الثوري تتوعد بأن “مكر الأمريكيين” سينتهي بكلفة انهيار البنى التحتية العسكرية والاقتصادية في المنطقة، وتلمّح إلى أن “فرار الجنود” من قطر والبحرين لن يُنسى، في سياق حرب نفسية تستهدف ضرب صورة الردع الأمريكية وحلفائها.
في المحصلة، تُظهر الوقائع المتداولة حتى مساء 4 مارس أن سقف الاشتباك يرتفع على ثلاثة مسارات متوازية: ضرب منظومات الإنذار والرصد (وفي القلب منها رادار قطر)، استنزاف المخزون الأمريكي ماليًا وتسليحيًا (طلب 50 مليار دولار وتسريع الإنتاج)، وتوسيع بنك الأهداف ليشمل القواعد والمقار اللوجستية والمراكز التقنية داخل فلسطين المحتلة، بالتوازي مع تصعيد الغارات على إيران والضغط على لبنان والعراق. وبين هذه المسارات، تتقدم حقيقة واحدة إلى الواجهة: المنطقة تُدفع نحو حرب أطول… لكن إيقاعها بات يُرسم بيد الطرف الذي ينجح في فرض الاستنزاف وإرباك منظومات الخصم لا بمجرد إطلاق النار.
