شهدت الساعات المتأخرة من ليل الثلاثاء وفجر الأربعاء تصعيدًا متسارعًا في مسار المواجهة الإقليمية، مع انتقال الضربات من نطاق “الضغط” إلى إيقاع ناري كثيف ومتزامن امتد من الخليج وصولًا إلى قلب الأراضي الفلسطينية المحتلة، بالتوازي مع اتساع عمليات محور المقاومة على أكثر من جبهة.
وبحسب ما أوردته مصادر محلية وإعلامية، وثّقت مقاطع مصوّرة لحظة إصابة طائرة مسيّرة إيرانية لمقرّ القنصلية الأمريكية في دبي، في تطور لافت يُعيد تأكيد اتساع بنك الأهداف المرتبط بالوجود الأمريكي وممثلياته في المنطقة، فيما تحدّثت تقارير أخرى عن استهداف منشأة مرتبطة بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية داخل السعودية، بما يعكس – وفق قراءة أولية – انتقال المعركة إلى مستوى استنزاف البنية التشغيلية والاستخبارية للخصم، لا الاكتفاء بضربات رمزية.
وفي الداخل المحتل، تواصلت مشاهد وصول الصواريخ الإيرانية إلى مناطق متعددة، مع تسجيل انفجارات في وسط “يافا/تل أبيب” وبلدات أخرى في نطاق الوسط، وسط حديث عن تدافع وإصابات خلال الهرع إلى الملاجئ، بالتزامن مع إطلاق موجة جديدة من الصواريخ خلال دقائق، في مؤشر على نمط “الدفعات المتقاربة” الذي يرهق منظومات الاعتراض ويستنزف الجبهة الداخلية نفسيًا وتشغيليًا.
كما أعلنت طهران ضمن ما وصفته بـ الموجة السادسة عشرة من عملية “الوعد الصادق 4” تنفيذ هجمات صاروخية وبالطائرات المسيّرة تحت شعار “يا علي بن أبي طالب عليه السلام”، مع الإشارة إلى استهداف مواقع حساسة، من بينها مقر هيئة الأركان ووزارة الحرب في “هكريا” وبنى تحتية في “بني براك”، وأهداف في “بيتح تكفا” ومركز عسكري في “الجليل الغربي”، في وقت تحدّثت فيه تقارير عن ارتفاع حصيلة الخسائر في صفوف الاحتلال.
وبالتوازي مع ذلك، انتقلت الضربات إلى مستوى عملياتي أشد في الإقليم، إذ أُعلن عن إصابة قاعدة العديد الجوية في قطر بصاروخ باليستي إيراني، بينما تواصلت الضربات على انتشار القوات الأمريكية في أكثر من ساحة. كما نقلت بيانات عن مشاركة القوة البرية لحرس الثورة في عمليات متزامنة، شملت إطلاق أعداد كبيرة من المسيّرات الهجومية باتجاه قواعد أمريكية في العراق والكويت، في تصعيد يعكس منطق “الرد المتدرّج” الذي يتحول عمليًا إلى حملة استنزاف ممتدة.
أما في البحر، فقد برز تطور نوعي مع حديث عن عملية صاروخية بحرية استهدفت هدفًا أمريكيًا استراتيجيًا في عمق المحيط الهندي، وإصابة مدمّرة أمريكية أثناء تزوّدها بالوقود من سفينة إمداد على مسافة بعيدة عن السواحل الإيرانية. هذا المسار يفتح بابًا شديد الحساسية على صعيد أمن خطوط الملاحة والإسناد البحري، ويشير إلى محاولة نقل الاشتباك من نطاق “قرب السواحل” إلى فضاء بحري أوسع يضاعف كلفة التموضع الأمريكي.
وفي لبنان، تواصلت الغارات الإسرائيلية على الجنوب ومناطق أخرى، بما فيها استهدافات لمنزل وسيارة بنيران مسيّرة، في حين أعلن حزب الله في بيان رسمي أنه استهدف قاعدة حيفا البحرية بصلية من الصواريخ النوعية عند الساعة الثامنة مساءً، ردًا على العدوان الذي طال عشرات البلدات اللبنانية بما فيها الضاحية الجنوبية. وبذلك، بدت جبهة الشمال في مسار تصاعدي يرسّخ معادلة أن ضرب العمق اللبناني سيقابله توسيعٌ مباشر لمروحة الأهداف داخل فلسطين المحتلة.
وعلى الجبهة العراقية، أعلنت المقاومة الإسلامية تنفيذ 27 عملية بعشرات الطائرات المسيّرة والصواريخ على قواعد العدو في العراق والمنطقة، تزامنًا مع تقارير عن ضربة وُصفت بالنوعية استهدفت مواقع للموساد في السليمانية، في تطور يضيف بعدًا استخباراتيًا مباشرًا إلى ساحة الاشتباك داخل العراق.
وفي خضم هذا التصعيد، بدأت تتسرّب إلى الداخل الأمريكي مؤشرات قلق سياسي متزايد؛ إذ نُقل عن سيناتور أمريكي قوله إنه يشعر بخوف أكبر من أي وقت مضى من سيناريو إرسال قوات برية، وهي إشارة لافتة لأن الحرب – حين تُطرح كخيار “بري” – تعني انتقالها من معركة نيران وضربات إلى تورّط طويل الأمد لا يمكن ضبط كلفته بسهولة.
الخلاصة التي ترسمها هذه التطورات أن الساعات الأخيرة لم تكن مجرد جولة ردود، بل أقرب إلى توسيعٍ منظم لساحة الاشتباك: ضربات على تمثيل دبلوماسي أمريكي، ضغط صاروخي متواصل على العمق المحتل، استهداف قواعد أمريكية، وتلميحات لاشتباك بحري أبعد مدى، بالتوازي مع تحرك واضح لمحور المقاومة على جبهات لبنان والعراق. وفي مثل هذا المشهد، يتقدم سؤال واحد إلى الواجهة: هل ما يجري هو ذروة التصعيد… أم بداية انتقال الحرب إلى مرحلة أعمق وأكثر تشابكًا؟
