ذات صلة

الأكثر مشاهدة

قبائل حضرموت تشل حركة نفط بترومسيلة.. إغلاق للمنافذ واحتجاز عشرات القواطر رداً على الإجراءات السعودية

صعّدت قبائل حضرموت، الخميس، تحركاتها الميدانية ضد الإجراءات السعودية،...

“تفاصيل” اليوم الخامس عشر: إيران تُشعل ميدان الاستنزاف الشامل وتكسر هيبة “القواعد الأمريكية” من الخليج إلى قلب الكيان

في اليوم الخامس عشر من الحرب، لم تعد المواجهة مجرد تبادل ضربات، بل تحولت إلى معركة كسر إرادة تُديرها الجمهورية الإسلامية بثباتٍ هجومي متصاعد، فيما يتخبط الأمريكي والإسرائيلي تحت وطأة النيران المتلاحقة، واتساع الجبهات، وانكشاف العجز في حماية القواعد والقوات والمصالح. لقد دخلت الحرب مرحلة جديدة عنوانها: إيران لا ترد فقط، بل تفرض إيقاع المعركة وتعيد رسم خرائط النار والسيادة في المنطقة.

منذ الساعات الأولى، انطلقت موجة صاروخية إيرانية جديدة نحو الأراضي الفلسطينية المحتلة، بالتزامن مع إنذارات واضحة من حرس الثورة الإسلامية لمواطني دول خليجية بضرورة الابتعاد عن مواقع وشركات أمريكية وإخلائها، في رسالة لا تحتمل التأويل: كل ما يرتبط بالمجهود العدواني الأمريكي صار داخل بنك الأهداف. وسرعان ما ظهرت النتائج على الأرض، مع اعترافات عبرية بسقوط صواريخ إيرانية في النقب، ثم تضرر 300 منزل في الجليل، وصولاً إلى إصابات وتدمير في إيلات، بما يؤكد أن النار الإيرانية لم تعد محصورة في نطاق جغرافي ضيق، بل باتت تضرب من الشمال إلى أقصى الجنوب في عمق الكيان.

وفي قلب هذا التصعيد، أعلن حرس الثورة الإسلامية تنفيذ الموجة السابعة والأربعين من عمليات الرد، مستهدفًا مواقع العدو في صحراء النقب، وبئر السبع، وقاعدة نيفاتيم الجوية، ومدينة اللد، إلى جانب قاعدة العديد الأمريكية ومخابئ منظمة كومله الانفصالية، مستخدمًا صواريخ خيبر شكن وقدر التي أصابت أهدافها بدقة. لكن هذه لم تكن سوى حلقة من سلسلة أوسع؛ فقد أكد الحرس أن الموجتين 45 و46 نُفذتا بالتعاون بين القوة الجو-فضائية والبحرية في الحرس، والجيش الإيراني، وحزب الله، واستهدفتا مقرات القيادة الشمالية للعدو، ومجمعات عسكرية استراتيجية في حولون وقيسارية وحيفا، وسبعة مواقع داخل تل أبيب، ونقطتين في ريشون لتسيون، إضافة إلى 10 مخابئ لقادة العدو و3 مواقع لتجمع القادة الأمريكيين في قواعد الملك سلطان، وفيكتوريا، وأربيل.

ثم جاء التصعيد الأكبر مع إعلان الموجة الخمسين، التي فتحت النار على القواعد الأمريكية في الظفرة، والفجيرة، والجفيرة، والأسطول البحري الخامس، وعلي السالم، والأزرق، مركزةً على رادارات الإنذار المبكر التي كانت تشكل مظلة الحماية الرئيسية للكيان الصهيوني. وأكد الحرس أن المسيّرات الإيرانية تقوم بتعقب مواقع اختباء الجنود الأمريكيين، وأن الضربات تُبنى على معلومات دقيقة ومحدثة، قبل أن يدعو سكان المناطق القريبة إلى الابتعاد عن تلك المواقع. وفي السياق نفسه، أوضح مقر خاتم الأنبياء أن الموجة 48 نُفذت بالاشتراك مع حزب الله ضد أهداف في الجليل والجولان وحيفا وقواعد أمريكية، باستخدام صواريخ خيبرشكن وقدر وطائرات هجومية مسيّرة، بينما ركزت الموجة 49 على رادارات باتريوت، وبرج المراقبة، ومستودعات الدفاع الجوي في قاعدة الظفرة، وكذلك رادارات الإنذار المبكر، وحظائر الطائرات، والمنصة المركزية، ومخازن وقود الطائرات الأمريكية في قاعدة الشيخ عيسى، إضافة إلى تدمير مستودعات المعدات، ومواقع تجمع القوات، وحظائر المروحيات في قاعدة العديري.

هذه الضربات لم تعد مجرد رسائل ردع، بل تحولت إلى وقائع استنزاف ميداني فادح للقوات الأمريكية. فقد كشفت وول ستريت جورنال أن 5 طائرات تزويد بالوقود تابعة لسلاح الجو الأمريكي تعرضت للقصف في قاعدة الأمير سلطان الجوية بالسعودية، ليرتفع عدد الطائرات المتضررة أو المدمرة من هذا النوع إلى 7 طائرات على الأقل. كما أقرت تقارير أمريكية بمقتل 13 جنديًا أمريكيًا وإصابة نحو 200، بينهم 10 إصابات خطرة خلال أسبوعين فقط من الحرب. وزادت فايننشال تايمز المشهد وضوحًا عندما أكدت أن واشنطن وقعت في فخ التقديرات الخاطئة، بعدما باغتتها الهجمة الإيرانية المضادة بحجم ونوعية لم تكن في الحسبان، وأن الرد الإيراني أصاب البنية التحتية المدنية والعسكرية الأمريكية، بينما تتصاعد المخاوف داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية من دخول الصواريخ الفرط صوتية والمسيّرات النفاثة الإيرانية إلى خطوط الاشتباك.

وفي ظل هذا العجز، بدأ الارتباك يتسرب إلى الخطاب السياسي الأمريكي نفسه، إلى الحد الذي دعا فيه مسؤول في البيت الأبيض إلى إعلان النصر والانسحاب من الحرب، في محاولة يائسة لتغطية مأزق ميداني يتسع يومًا بعد آخر. ولم يعد هذا المأزق محصورًا في البر أو الجو، بل امتد إلى البحر والانتشار البحري الأمريكي في المنطقة، مع تزايد الضغط على الأسطول الخامس وتآكل صورة الردع الأمريكية.

وفي هذا السياق، برز تصريح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي كإعلان سياسي–عسكري بالغ الخطورة، حين أكد أن الهجوم على جزيرة خارك شُن من أراضي جيران إيران، موضحًا أن الأمريكيين أطلقوا صواريخ هيمارس من دول الجوار، وأن الضربات على خارك انطلقت من رأس الخيمة وموقع قريب من دبي في دولة الإمارات. هذا التصريح لم يكن مجرد اتهام سياسي، بل تثبيت رسمي لمعطى سيادي جديد: بعض أراضي الجوار تحولت إلى منصات إطلاق مباشرة للعدوان، وبالتالي فإن الحصانة السياسية لهذه المنصات تتآكل تلقائيًا أمام حق إيران في الرد. وفي هذا الإطار، حذر عراقجي بوضوح من أن أي استهداف لمنشآت الطاقة الإيرانية سيقابله استهداف للشركات الأمريكية في المنطقة، أو الشركات التي تمتلك فيها الولايات المتحدة حصصًا، مع تأكيده أن طهران ستتحرك بحذر لتجنب المناطق المكتظة بالسكان. هنا ترسم إيران معادلة صلبة: الطاقة مقابل الطاقة، والمنصة المعتدية مقابل الضربة المقابلة.

أما مضيق هرمز، فقد دخل بدوره مرحلة السيادة الإيرانية الفعلية. فعراقجي أكد أن المضيق مفتوح، لكنه مغلق أمام ناقلات وسفن الأعداء وحلفائهم، فيما أوضح قائد القوة البحرية في الحرس علي رضا تنكسيري أن المضيق لم يُغلق عسكريًا حتى الآن، بل يجري التحكم فيه فقط. المعنى العسكري والسيادي لهذا الكلام واضح: إيران لا تحتاج إلى إعلان إغلاق شامل، لأنها باتت تمسك بالممر البحري الأخطر في العالم بقدرة التحكم والفرز والردع والانتقاء. وهذا ما يفسر الاضطراب المتزايد في الأسواق، وارتفاع الضغط العالمي على الطاقة، والقلق الأمريكي من فقدان حرية الحركة في أهم شريان نفطي على الكوكب.

وفي المقابل، استمر العدو في استهداف المنشآت المدنية الإيرانية بعد عجزه عن حسم المواجهة مع الأهداف العسكرية. فقد استشهد أكثر من 15 عاملًا في عدوان على مدينة “جي” الصناعية في أصفهان، وأكد حرس الثورة أن عددًا من العمال استشهدوا خلال اليومين الماضيين جراء قصف مصانع مدنية، معتبرًا أن العدو الأمريكي الصهيوني لجأ إلى ضرب الصناعات المدنية بعد هزيمته في مواجهة المقاتلين. ووجّه الحرس تحذيرًا مباشرًا بضرورة إخلاء جميع الصناعات التي يمتلك الأمريكيون حصصًا فيها في المنطقة، ودعا السكان المحيطين بها إلى الابتعاد عنها، ما يعني أن الاقتصاد الأمريكي وشبكة استثماراته في المنطقة باتا جزءًا من ميدان المعركة.

وفي السماء، واصلت إيران إثبات تفوقها الدفاعي وإحباط محاولات الاختراق المعادية. فقد أعلنت إسقاط طائرة MQ9 قرب بندر عباس، إلى جانب تأكيدات سابقة بتدمير طائرتين MQ-9 في فيروز آباد وبندر عباس، وطائرة ثالثة في أجواء تبريز، ثم إسقاط 3 طائرات مسيّرة إسرائيلية خلال ساعات، لترتفع الحصيلة لاحقًا إلى 114 طائرة مسيّرة من مختلف الأنواع منذ بدء العدوان. وهذا الرقم ليس تفصيلاً تكتيكيًا، بل مؤشر استراتيجي على أن السماء الإيرانية تحولت من مجال مفتوح للأعداء إلى حقل خسائر مستمر لأدواتهم الجوية والاستطلاعية والهجومية.

وفي قلب الكيان، اتسعت الضربات الإيرانية لتشمل جهاز الاستخبارات العسكرية “أمان” ووحدات 8200 للعمليات السيبرانية ومعالجة البيانات، إلى جانب موقع تجمع للمقاتلات الصهيونية، ما يكشف أن طهران لم تعد تستهدف فقط البنية العسكرية الصلبة، بل العصب الاستخباري والتقني والمعرفي للعدو. هذا هو المستوى الجديد من الحرب: شل العدو في إدراكه واتصالاته وعيونه الإلكترونية، قبل شل مواقعه الميدانية.

وعلى الجبهة اللبنانية، واصل حزب الله إدارة معركة استنزاف هجومية ضد الاحتلال، معلنًا تنفيذ 25 عملية نوعية خلال 24 ساعة فقط، استهدفت الخيام ومارون الراس وتلة الحمامص ومحيط معتقل الخيام، إضافة إلى قاعدة ستيلا ماريس البحرية وقاعدة عين شيمر للدفاع الجوي، ثم توسعت لتشمل مركز التأهيل والصيانة 7200 جنوب حيفا، وتجمعات وآليات العدو في مشروع الطيبة وشمال عقبة رب ثلاثين، وصولًا إلى تدمير دبابة إسرائيلية بصاروخ موجه خلال تقدمها نحو بلدة الطيبة. هذه ليست عمليات تشتيت، بل هجوم مدروس على مفاصل الرصد والصيانة والدفاع والتقدم البري للعدو.

وفي العراق، واصلت المقاومة الإسلامية – سرايا أولياء الدم استهداف القواعد الأمريكية، معلنة تنفيذ 8 عمليات نوعية خلال 24 ساعة، بعد أن كانت قد نفذت 27 عملية خلال الفترة السابقة. بهذا المعنى، لم تعد القواعد الأمريكية في العراق قواعد خلفية، بل أصبحت أرض اشتباك مباشر ونشط.

سياسيًا، ارتفعت لهجة إيران إلى مستوى أكثر وضوحًا تجاه الأنظمة التي لا تزال تستضيف القوات الأمريكية. فقد شدد عراقجي على أن المظلة الأمنية الأمريكية مليئة بالثغرات، وطالب الدول المجاورة بطرد القوات الأجنبية المعتدية، معتبرًا أن المهمة الوحيدة لتلك القوات هي حماية إسرائيل لا حماية المنطقة. كما أكد المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية العميد أبو الفضل شكارتشي أن واشنطن لا تملك حتى القدرة على الدفاع عن جيشها المتزعزع، ودعا دول المنطقة إلى عدم الثقة بقوة أمريكا الوهمية، معلنًا أن إيران دفعت “أبراهام لينكولن”، أكبر حاملة طائرات أمريكية، إلى الخروج من المنطقة بهزيمة تاريخية.

وفي الداخل الإيراني، واصلت الدولة تعزيز قبضتها الأمنية، فأعلنت الشرطة توقيف 54 شخصًا كانوا يخططون لأعمال شغب، فيما ألقت الأجهزة الاستخباراتية القبض على 23 عميلًا في ثلاث خلايا تابعة للعدو في مازندران وخراسان وخوزستان، ثم 33 عميلًا آخرين في طهران وهمدان كانوا يرفعون معلومات عن المراكز العسكرية والأمنية. وهذا يثبت أن المعركة بالنسبة لطهران تُدار على جبهتين متوازيتين: جبهة النار الخارجية، وجبهة التحصين الداخلي.

اقتصاديًا، تمددت ارتدادات المواجهة إلى ما وراء المنطقة. فقد علقت بعض العمليات النفطية في الفجيرة بعد هجوم مسيّرات وحريق، وسجل مؤشر ستاندرد آند بورز 500 أطول سلسلة خسائر أسبوعية في عام كامل، فيما ارتفعت أسعار الوقود في الولايات المتحدة بنسبة 23.5% منذ بدء الحرب، بحسب نيويورك تايمز. كما نقلت سي أن أن عن مسؤول إيراني كبير أن طهران تدرس السماح لعدد محدود من ناقلات النفط بالمرور عبر هرمز بشرط تداول شحناتها باليوان الصيني، ما يكشف أن إيران لا تستخدم المضيق كسلاح عسكري فحسب، بل كسلاح نقدي–اقتصادي–استراتيجي يعيد صياغة معادلات الملاحة والطاقة والعملات.

وفي البعد المعنوي، بدا خطاب ترامب أكثر انكشافًا حين تحدث عن المهاجرين بلغة عنصرية صريحة، معتبرًا أنه ما كان ينبغي السماح لهم بدخول أمريكا لأن “جيناتهم ليست كجيناتنا”. هذا الكلام لا يفضح فقط البنية العنصرية للإدارة الأمريكية، بل يكشف الخلفية الفكرية والأخلاقية للعدوان نفسه، ويمنح السردية الإيرانية حول طبيعة العدو الأمريكي بعدًا إضافيًا أمام الرأي العام العالمي.

الخلاصة أن اليوم الخامس عشر لم يكن يومًا عاديًا في الحرب، بل مرحلة انتقال كبرى من الرد إلى الهجوم المنظم، ومن امتصاص العدوان إلى إدارة انهياره. إيران اليوم لا تدافع عن نفسها فقط، بل تعيد هندسة المشهد الإقليمي بالنار والسيادة والضربات الدقيقة. إنها تضرب القواعد، وتخترق العمق، وتُسقط المسيّرات، وتتحكم في هرمز، وتفرض على العدو الأمريكي والصهيوني وحلفائه معادلة جديدة: لا حصانة بعد اليوم لمن يشارك في العدوان، ولا أمن في المنطقة لمن يفتح أرضه ومنشآته ومنصاته ضد إيران. وفي المقابل، يقف معسكر العدوان أمام مشهد ثقيل: قواعد مكشوفة، طائرات متضررة، جنود قتلى وجرحى، مستوطنات مضروبة، أسواق مضطربة، وحلفاء مرتبكون. وهكذا، لم تعد الحرب حربًا على إيران، بل تحولت إلى حرب انهيار المظلة الأمريكية وتفكك قدرة العدو على الاحتمال والاستمرار.

spot_imgspot_img