واصل الاحتلال الإسرائيلي، الأربعاء، تصعيده العسكري والاستيطاني في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة، في مشهد متزامن جمع بين القصف الجوي، اقتحام البلدات، هدم المنازل، توسيع الاستيطان، الاعتقالات، واستمرار خنق التجمعات الفلسطينية.
وفي قطاع غزة، قصفت مدفعية الاحتلال مناطق شرق جباليا شمالي القطاع، بينما استهدفت مسيرة إسرائيلية خيمة تؤوي نازحين في مخيم غيث بمواصي خانيونس، ما أدى إلى استشهاد فلسطيني وإصابة آخرين، في استمرار لاستهداف مناطق النزوح والمخيمات التي يفترض أن تكون ملاذاً للمدنيين.
وأعلنت وزارة الصحة في غزة وصول جثامين 7 شهداء خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، بينهم شهيدان متأثران بإصابتيهما، إضافة إلى 10 إصابات جديدة، لترتفع حصيلة الشهداء منذ وقف إطلاق النار إلى 1,303 شهداء و4,336 مصاباً، إلى جانب انتشال جثامين 814 شهيداً.
وبحسب الوزارة، ارتفعت الحصيلة التراكمية منذ بدء الحرب إلى 73,438 شهيداً و174,447 مصاباً، في مؤشر على استمرار الكلفة البشرية الثقيلة رغم الحديث عن وقف إطلاق النار ومسارات التهدئة.
وفي الضفة الغربية، دخل حصار ثلاثة منازل فلسطينية في منطقة العين ببلدة قصرة جنوب نابلس يومه الثامن عشر، بعدما أقامت قوات الاحتلال بوابة عسكرية على الطريق الوحيد المتبقي للوصول إليها، ما ضاعف معاناة العائلات المحاصرة وعمّق عزلها عن محيطها.
وفي القدس المحتلة، أصيب شاب فلسطيني برصاص قوات الاحتلال خلال اقتحام بلدة بيت عنان شمال غرب المدينة، فيما اعتقلت القوات الإسرائيلية وزير شؤون القدس أشرف الأعور أثناء وجوده داخل بيت عزاء في بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى.
وتوسعت الاقتحامات في أنحاء الضفة، حيث داهمت قوات الاحتلال عزون شرق قلقيلية، ميثلون وعابا قرب جنين، بلعا ودير الغصون وعتيل شمال طولكرم، ونحالين غرب بيت لحم، مع تفتيش المنازل وإغلاق الطرق وتشديد الحواجز.
كما أخطر الاحتلال بهدم منزل وبركس في زعترة شرق بيت لحم، فيما واصلت قواته السيطرة على معهد تدريب قلنديا شمال القدس ودفع تعزيزات إضافية إليه، بالتزامن مع اقتحام بير نبالا وإغلاق شارعها الرئيسي.
وفي المسجد الأقصى، اقتحم 115 مستوطناً باحاته خلال فترة الاقتحامات الصباحية، تحت حماية قوات الاحتلال، في استمرار للمحاولات الرامية إلى فرض وقائع جديدة داخل الحرم القدسي.
وبالتوازي مع التصعيد الميداني، تفاخر رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بتوسيع المشروع الاستيطاني، متحدثاً عن 160 بؤرة استيطانية و104 مستوطنات قال إنها أُنشئت أو جرى شرعنتها، في تصريحات تكشف أن التوسع الاستيطاني لم يعد سياسة تُمارس بعيداً عن الأضواء، بل مشروعاً تعلن عنه قيادة الاحتلال باعتباره جزءاً من رؤيتها للمستقبل.
وتظهر هذه التصريحات بوضوح كيف يتحول الضغط العسكري اليومي على الفلسطينيين ــ من الحصار والاقتحامات والهدم والإغلاق ــ إلى أداة لخدمة مشروع استيطاني أوسع يقوم على مصادرة الأرض وفرض واقع ديمغرافي وسياسي جديد في الضفة والقدس.
وفي المقابل، أعلن الاتحاد الأوروبي أن تصريحات وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير بشأن غزة “غير مقبولة”، وقال المتحدث باسم السياسة الخارجية والأمن الأوروبي أنور العنوني إن الاتحاد يدرس فرض عقوبات عليه في إطار نظام العقوبات العالمي المرتبط بانتهاكات حقوق الإنسان.
ويأتي الموقف الأوروبي بعد سلسلة تصريحات متطرفة لبن غفير، كان آخرها إعلانه أنه “لا مكان للأونروا” في القدس أو إسرائيل، في امتداد لسياسة إسرائيلية تستهدف تقويض دور الوكالة الأممية وحرمان ملايين الفلسطينيين من واحدة من أهم مؤسسات الإغاثة والخدمات الأساسية.
وتكشف هذه التصريحات أن استهداف غزة لا يقتصر على القصف والقتل، بل يمتد إلى تفكيك أدوات البقاء الإنساني نفسها، من الإغاثة والإيواء إلى التعليم والصحة، بما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي: إما الانتقال من بيانات الاستنكار إلى إجراءات رادعة، أو الاستمرار في منح حكومة الاحتلال هامشاً أوسع لمواصلة سياساتها ضد الفلسطينيين.
كما يكشف المشهد الفلسطيني عن سياسة إسرائيلية متكاملة لا تفصل بين القصف في غزة والاستيطان في الضفة والاقتحامات في القدس؛ ففي الوقت الذي يسقط فيه الشهداء داخل خيام النازحين، تُحاصر عائلات في قصرة، وتُهدم منازل في بيت لحم، ويُقتحم الأقصى، فيما تتفاخر حكومة نتنياهو بتوسيع المستوطنات، بما يؤكد أن الاحتلال يوظف القوة العسكرية والأمنية لخدمة مشروع استيطاني طويل الأمد يستهدف الأرض والإنسان الفلسطيني معاً.
