شهدت الساعات الأخيرة من اليومين الأخيرين تصعيداً إيرانياً متدرجاً ثم متسارعاً، بدأ بموجات صاروخية جديدة على تل أبيب والقدس وأسدود وديمونة وبئر السبع، وترافق مع إعلان إيراني عن استهداف مواقع وقواعد أمريكية في الخليج، فيما واصل حزب الله توسيع رماياته على الشمال المحتل. الصورة العامة التي أمكن التحقق منها من مصادر دولية تؤكد أن الحرب دخلت بالفعل شهرها الثاني، وأنها لم تعد مقتصرة على تبادل ضربات بين إيران و”إسرائيل”، بل تحولت إلى مواجهة إقليمية مفتوحة تطال القواعد الأمريكية والخليج والملاحة والطاقة معاً.
في الميدان العسكري، تشير الأحداث الأخيرة إلى أن إيران رفعت منسوب الضغط عبر موجات صاروخية متتابعة وعمليات مركبة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بينما كثف حزب الله نيرانه على نهاريا وكريات شمونة والقنطرة والبياضة ودبل ومارون الراس، وأعلن خلال 24 ساعة عشرات العمليات النوعية. وبينما تبقى كثير من الأرقام التفصيلية الواردة في العواجل بحاجة إلى تثبيت مستقل لحظة بلحظة، فإن الثابت في التغطية الدولية أن الجبهة اللبنانية تتجه إلى حرب أوسع، مع سعي إسرائيلي معلن إلى شق جنوب لبنان وفرض “منطقة عازلة” حتى الليطاني، فيما تؤكد رويترز أن القتال المتجدد منذ مطلع مارس أوقع أكثر من 400 قتيل في صفوف حزب الله، وأدى إلى مقتل أكثر من ألف شخص في لبنان ونزوح واسع، بينهم مئات آلاف الأطفال.
وفي أخطر تطور على الجبهة الأمريكية، تؤكد أسوشيتد برس ووسائل أمريكية أن الهجوم الإيراني على قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية أسفر عن إصابة 12 عسكرياً أمريكياً على الأقل وإلحاق أضرار بطائرات تزويد بالوقود، في اختراق لافت لمنظومات الحماية الأمريكية في الخليج. كما تتقاطع هذه الوقائع مع تقديرات أمريكية أوسع تفيد بأن الحرب استنزفت واشنطن أكثر مما كان متوقعاً؛ فأسوشيتد برس تتحدث عن أهداف غير مكتملة لترامب بعد شهر من القتال، بينما نقلت رويترز عن ماركو روبيو أن واشنطن تريد إنهاء عملياتها في “أسابيع لا أشهر”، وهو ما يعكس انتقال النقاش داخل واشنطن من سؤال كيف تبدأ الحرب إلى سؤال كيف تُغلق من دون هزيمة سياسية أو ميدانية.
اقتصادياً، بات أثر الحرب مباشراً وقاسياً. فمع تعطل جزء كبير من الملاحة في مضيق هرمز وتردد السفن حتى الصديقة لطهران في العبور، سجل خام برنت يوم الجمعة 112.57 دولاراً للبرميل عند التسوية، بينما حذرت رويترز من أن الأسعار قد تتجه نحو 200 دولار إذا استمرت الحرب أو تضررت منشآت تصدير رئيسية. وفي الولايات المتحدة هبطت المؤشرات الرئيسية بقوة، ودخل داو جونز منطقة التصحيح، فيما تراجع S&P 500 بنسبة 1.7% في أسوأ موجة خسائر منذ بدء الحرب، وسط مخاوف من تضخم جديد وصدمة طاقة تضرب المستهلك الأمريكي قبل أن تضرب خصومه.
أما على خط هرمز نفسه، فالصورة تتجه من التلويح بالإغلاق إلى إدارة فعلية لحركة العبور. فقد أكدت رويترز أن سفينتين صينيتين كبيرتين حاولتا الخروج من الخليج ثم عادتا أدراجهما رغم تطمينات إيرانية، وهو ما يعكس أن المرور لم يعد “طبيعياً” بل أصبح رهناً بالبيئة الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب. وفي الوقت ذاته، تصاعدت في الغرب النقاشات حول قوة بحرية متعددة الجنسيات لإعادة فتح المضيق، فيما وصفت واشنطن أي رسوم أو قيود إيرانية على المرور بأنها “غير قانونية وخطيرة”. لكن واقع السوق يقول إن طهران، حتى من دون إعلان إغلاق شامل ونهائي بكل الصيغ القانونية، نجحت في تحويل هرمز إلى ورقة ضغط عالمية تمس الطاقة والشحن والتضخم والتجارة.
وفي موازاة ذلك، أصبح اليمن جزءاً معلناً من مشهد الردع. فالعواجل التي أرسلتها انتهت ببيان واضح من القوات المسلحة اليمنية يربط التدخل العسكري المباشر بثلاثة شروط، أبرزها انضمام تحالفات جديدة مع أمريكا و”إسرائيل” ضد إيران ومحور المقاومة أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية ضد إيران أو أي بلد مسلم. وهذا يتقاطع مباشرة مع ما أكدته رويترز يوم 27 مارس من أن الحوثيين أعلنوا أن “أيديهم على الزناد” وأنهم جاهزون للتدخل إذا اتسعت الحرب، كما يتقاطع مع تقرير أسوشيتد برس الذي أشار إلى أن “إسرائيل” رصدت أول صاروخ قادم من اليمن منذ اندلاع الحرب الحالية. معنى ذلك أن البحر الأحمر لم يعد ساحة منفصلة، بل جبهة احتياط استراتيجية يمكن تفعيلها إذا تم توسيع التحالف ضد طهران.
سياسياً، تعكس الأحداث الأخيرة أيضاً تزايد التصدع في الموقف الغربي. فبينما يواصل ترامب الإشادة بحلفائه الخليجيين والضغط لتوسيع اتفاقيات “أبراهام”، تتحدث الصحافة الأمريكية والأوروبية عن ضغوط داخل الكونغرس ضد أي تورط بري، وعن تقديرات تقول إن السيطرة على إيران تحتاج قوة بشرية هائلة لا يملكها ترامب سياسياً ولا عسكرياً، فيما بدأ حلفاء أوروبيون بارزون يصفون التصعيد الأمريكي بأنه “هائل” وذو تداعيات وخيمة. وهذا يفسر لماذا باتت واشنطن تجمع بين استعراض القوة والبحث عن مخرج تفاوضي، في وقت تبدو فيه إيران أكثر ميلاً إلى إطالة أمد الاستنزاف ورفع الكلفة على خصومها بدلاً من تقديم تنازلات تحت النار.
الخلاصة أن آخر المستجدات تشير إلى أربع حقائق مترابطة: أولاً، إيران لا تزال تحتفظ بقدرة هجومية ومرونة عملياتية تسمح لها بضرب العمق الإسرائيلي والقواعد الأمريكية معاً. ثانياً، الجبهة اللبنانية تصعد من جديد على نحو يضغط على الشمال المحتل ويُبقي الكيان تحت نار مزدوجة. ثالثاً، هرمز والطاقة تحولا إلى سلاح حرب لا يقل أهمية عن الصواريخ. ورابعاً، أن اليمن أعلن بوضوح أنه لم يعد خارج المعادلة إذا اتسع نطاق العدوان. وبعبارة أوضح، فإن المنطقة تتحرك الآن من مرحلة “حرب محدودة قابلة للضبط” إلى مرحلة “اشتباك مفتوح قابل للتوسع الأفقي السريع”، حيث كل جبهة مرشحة لأن تصبح نقطة التحول التالية.
