دخلت المواجهة الإقليمية خلال الساعات الأخيرة طوراً أكثر اتساعاً وخطورة، بعدما تزامنت ضربات يمنية مباشرة على أمّ الرشراش “إيلات” مع موجات صاروخية إيرانية متلاحقة على العمق الإسرائيلي، وتصعيد متواصل من حزب الله على الجبهة الشمالية، في وقت تتكشف فيه تباعاً آثار الضربات التي طالت القواعد والأصول الأمريكية في الخليج. وتشير صورة الميدان إلى أن الحرب لم تعد معركة ردود موضعية، بل عملية استنزاف شاملة تضرب السماء والقواعد والمرافئ والطاقة والأسواق في آن واحد.
أحدث فصول هذا التصعيد تمثل في الهجوم اليمني بالصواريخ والمسيّرات على أمّ الرشراش، وهو تطور عكس انتقال صنعاء من مرحلة الإسناد السياسي إلى الاشتباك العسكري المباشر في عمق جنوب فلسطين المحتلة. وقد انعكس الهجوم فوراً على الأسواق، إذ قفزت أسعار النفط بأكثر من دولارين للبرميل لتصل إلى 117 دولاراً، في دلالة واضحة على أن اتساع الجبهة اليمنية لم يعد يؤثر على البحر الأحمر فقط، بل بات يضغط مباشرة على معادلات الطاقة العالمية.
في المقابل، واصلت إيران رفع إيقاع ضرباتها عبر الموجة 86 من “وعد صادق 4”، والتي وصفتها المادة المرسلة بأنها هجمات صاروخية وجوية مشتركة استهدفت البنى التحتية الجوية ومستودعات الذخيرة في قواعد أمريكية مثل الخرج وعريفجان، إضافة إلى عراد والنقب وتل أبيب وأربيل، مع تسجيل حرائق وأضرار في المنطقة الصناعية في بئر السبع وتضرر واسع في المباني. كما أكدت التحديثات الواردة أن صفارات الإنذار امتدت من القدس وتل أبيب إلى حيفا والجليل، في وقت تحدّث فيه إعلام العدو عن انفجارات متتالية وصواريخ انشطارية أصابت الشمال والجنوب معاً.
والأخطر في الجانب الأمريكي أن الضربة الإيرانية على قاعدة الأمير سلطان في السعودية لم تعد حادثاً عابراً، بل تحولت إلى عنوان بارز لهشاشة المظلة الجوية الأمريكية في الخليج. فقد أكدت أسوشيتد برس إصابة 15 عسكرياً أمريكياً على الأقل، بينهم 5 إصابات خطيرة، بينما تحدثت واشنطن بوست عن أضرار بطائرات للتزوّد بالوقود، في وقت أظهرت المادة المرسلة أن الأضرار امتدت أيضاً إلى طائرة الإنذار المبكر E-3 Sentry، وهي واحدة من أهم أصول إدارة المعركة الجوية الأمريكية. وبهذا المعنى، فإن ما جرى في الأمير سلطان لم يصب الأفراد فقط، بل أصاب عصب القيادة الجوية والقدرة على الإسناد بعيد المدى.
وفي موازاة ذلك، تؤكد التحديثات الميدانية أن إيران بدأت تضيق الخناق على المجال العملياتي الأمريكي، لا سيما مع إعلانها استهداف الأواكس وتأكيدها إسقاط MQ-9 شرق مضيق هرمز، إلى جانب رسائل متلاحقة بأن أبراهام لينكولن ستكون هدفاً متى دخلت مدى النيران الإيرانية، وبأن إدارة مضيق هرمز تغيّرت ولن تعود كما كانت. هذه المؤشرات، مقرونة بإعلان قادة إيرانيين أن الرد على استهداف البنية الصناعية والمدنية ما يزال في بدايته، تعني أن طهران لم تعد تكتفي بالدفاع، بل تعمل على إعادة رسم قواعد الاشتباك البحري والجوي في المنطقة.
أما في لبنان، فقد تحولت الجبهة إلى مسرح استنزاف يومي لقوات الاحتلال. فقد اعترف جيش العدو بمقتل جندي من لواء المظليين وإصابة آخرين في الجنوب، فيما أقرّت معاريف بأن الوضع في الشمال “حرج للغاية” مع ازدياد القتلى والجرحى تحت ضربات الصواريخ المضادة للدروع. وعلى الأرض، واصل حزب الله ضربه المنهجي للدبابات والمدرعات وتجمعات الجنود في دير سريان، القنطرة، المالكية، مارون الراس، البياضة، عيناتا وعلما الشعب، كما استهدف القاعدة الأساسية للدفاع الجوي والصاروخي التابعة لقيادة المنطقة الشمالية شمال صفد، وأجبر مروحية معادية على الانسحاب، في إشارة واضحة إلى أن المقاومة لا تكتفي بامتصاص الضغط، بل تعمل على تفكيك حرية المناورة الإسرائيلية في الميدان.
وفي العراق، تواصل المقاومة الإسلامية الضغط على القواعد الأمريكية، إذ تشير المادة المرسلة إلى تنفيذ 21 عملية ثم 8 عمليات إضافية ضد مواقع الاحتلال خلال يوم واحد، ما يعني أن القواعد المنتشرة في العراق والمنطقة لم تعد ساحات خلفية آمنة، بل جزءاً من مسرح النار المتقدم. هذا الامتداد، مع دخول اليمن المباشر على خط الاشتباك، يمنح جبهة المقاومة عمقاً عملياتياً متصلاً من الخليج إلى البحر الأحمر فالشمال الفلسطيني.
وفي الداخل الأمريكي نفسه، بدأت الحرب ترتد سياسياً واجتماعياً. فإلى جانب الخسائر العسكرية وارتفاع النفط، تشهد الولايات المتحدة احتجاجات واسعة تحت شعار “لا ملوك”، وصفتها الصحافة الأمريكية بأنها من أكبر أيام التظاهر في السنوات الأخيرة، وارتبطت بشكل مباشر برفض الحرب على إيران وغلاء المعيشة وسياسات ترامب. وهذا يعني أن واشنطن لا تواجه فقط استنزافاً في القواعد والبحار، بل تآكلاً داخلياً في الشرعية السياسية للحرب.
الخلاصة العسكرية حتى الآن أن المشهد يتجه إلى حرب كسر إرادات طويلة: إيران تضرب القواعد والمطارات ومراكز الرصد، حزب الله يطحن القوات المتقدمة في جنوب لبنان، اليمن فتح جبهة أمّ الرشراش ورفع كلفة الحرب على النفط والملاحة، والعراق يواصل ضرب القواعد الأمريكية. وبذلك لم تعد المسألة مجرد رد على غارة أو موجة صواريخ عابرة، بل معركة إقليمية متكاملة عنوانها الواضح: كل جبهة مفتوحة، وكل قاعدة تحت الحساب، وكل يوم إضافي في الحرب يضيف على واشنطن وتل أبيب مزيداً من الخسائر والكلفة والارتباك.
