دخلت المواجهة في غرب آسيا مرحلة أكثر حدة وتعقيداً، بعدما تبيّن أن الرهان الأمريكي الإسرائيلي على ضربة سريعة تشلّ إيران وتفكك جبهات الإسناد قد انقلب إلى مسار معاكس تماماً، عنوانه اتساع الميدان، وتعدد الجبهات، وانتقال النار من الأطراف إلى العصب العملياتي واللوجستي للعدو وحلفائه. فخلال الساعات الأخيرة، واصلت إيران إطلاق دفعات صاروخية متتالية باتجاه الأراضي المحتلة، فيما أقر إعلام العدو بإصابات مباشرة في وسط حيفا واندلاع حريق جديد في مصفاة تكرير البترول للمرة الثانية منذ بدء الحرب، إلى جانب إصابات في شفا عمرو وتضرر منشآت وقود ومبانٍ صناعية داخل معامل التكرير.
على المستوى العسكري المباشر، لم تعد الضربات الإيرانية تقتصر على إرباك الجبهة الداخلية للعدو، بل باتت تستهدف البنية الحربية النوعية التي يعتمد عليها في إدارة المعركة. فقد أعلن الجيش الإيراني استهداف مراكز القيادة والسيطرة وحظائر الطائرات المسيّرة ومستودعات الدعم التسليحي، فيما أكّد لاحقاً ضرب البنية التحتية لشركة “إلبيت سيستمز” وشركة “كونفيت”، إضافة إلى مركز إنتاج وتطوير أنظمة الدفاع والهجوم في نوف هجليل وتل أبيب، وهو ما يعني أن المعركة انتقلت من استهداف النتائج إلى استهداف المصانع التي تنتج أدوات الحرب نفسها.
وفي البحر والجو، تبدو الكلفة الأمريكية أكثر وضوحاً يوماً بعد آخر. فالمادة المرفوعة تشير إلى أن الضربات الإيرانية ألحقت أضراراً كبيرة بطائرتي KC-135 في قاعدة الأمير سلطان، ثم تطور المشهد إلى الحديث عن تدمير طائرة E-3 أواكس في قاعدة الخرج، مع أضرار جسيمة لطائرات مجاورة، وهي ضربة وُصفت لاحقاً بأنها خسارة قتالية كبيرة ذات أثر يتجاوز بكثير الخسارة المادية، لأن الأواكس تمثل عين القيادة الجوية الأمريكية ومنصتها الأساسية في الإنذار المبكر وإدارة المجال الجوي. كما أعلن الإيرانيون إسقاط MQ-9 شرق مضيق هرمز، ثم إسقاط طائرة ثانية من الطراز نفسه فوق أصفهان، في مؤشر على أن الدفاعات الإيرانية لم تُستنزف، بل ما تزال قادرة على تجريد العدو من تفوقه الاستطلاعي والهجومي تدريجياً.
وفي ما يخص مضيق هرمز، لم تعد طهران تتعامل معه كممر مائي فحسب، بل كـ ورقة سيادية وعسكرية واقتصادية. فقد شدد قادة إيرانيون على أن إدارة المضيق تغيّرت فعلاً، وأن فتح هرمز الذي كان مفتوحاً قبل الحرب أصبح حلم ترامب، بينما أكدت التصريحات العسكرية والسياسية أن أي اقتراب من الجزر أو المياه الإيرانية سيقابَل برد قاسٍ، وأن القوات الإيرانية تراقب تحركات الحاملة “أبراهام لينكولن” وتنتظر دخولها مدى النيران. بهذا المعنى، فإن إيران لا تدافع عن نفسها فقط، بل تعيد فرض نظام ردع جديد في الخليج وبحر عمان، عنوانه: المرور والأمن لم يعودا شأناً أمريكياً خالصاً.
أما في لبنان، فإن حزب الله يثبت ميدانياً أنه لم يُستنزف كما روّج العدو، بل بات أحد أعمدة قلب الموازين على الجبهة الشمالية. فقد اعترف جيش الاحتلال بإصابة جنود وضباط بجروح خطرة في جنوب لبنان، فيما تحدثت صحف العدو عن وضع حرج للغاية في الشمال وتزايد القتلى والجرحى بفعل الصواريخ المضادة للدروع. في المقابل، وسّع حزب الله عملياته من المطلة والغجر وشوميرا ومشمار الكرمل إلى المالكية وصفد وكتسرين ودوفيف وكريات شمونة، ثم نقل بعض ضرباته إلى قاعدة غليلوت البعيدة عن الحدود بنحو 110 كلم في ضواحي تل أبيب، مع استهداف دبابات ميركافا وتفجير عبوات وإيقاع أفراد القوات بين قتيل وجريح. هذه الوقائع تكشف أن الحزب لا يدافع عن الحدود فحسب، بل يدير معركة استنزاف مركبة تضرب المواقع والقواعد والدروع والقيادة الخلفية معاً.
وفي الجنوب الأبعد، دخل أنصار الله الميدان بوصفه جزءاً من غرفة عمليات جبهة المقاومة الواحدة، وهو ما انعكس مباشرة على العدو وعلى سوق الطاقة العالمي في آن. فالهجوم اليمني على أم الرشراش/إيلات فتح جبهة بحرية–صاروخية جديدة، دفعت أسعار النفط إلى الارتفاع، ورسّخت المعنى العسكري الأهم: أن العمق الإسرائيلي لم يعد محاطاً بجبهة واحدة أو اثنتين، بل بجغرافيا نارية ممتدة من لبنان إلى اليمن. وقد عبّر إسماعيل قاآني عن هذا التحول بوضوح حين قال إن نتنياهو كان يحلم بتوسيع الحزام الأمني، لكن نيران حزب الله وأنصار الله كشفت زيف وعوده للمستوطنين، وإن على أمريكا و”إسرائيل” الاعتياد على النظام الجديد في المنطقة.
وفي العراق، واصلت المقاومة الإسلامية ضرب قواعد الاحتلال الأمريكي بعشرات المسيّرات، فيما تحدثت تقارير عن استهداف قاعدة فكتوريا ومراكز أمريكية في السليمانية، بما يؤكد أن واشنطن تواجه ضغطاً متزامناً من الشرق والغرب والجنوب، وأن قواعدها المنتشرة في العراق والخليج لم تعد نقاط ارتكاز آمنة، بل أهدافاً جاهزة ضمن بنك النار المفتوح. وإلى جانب ذلك، تتحدث تقديرات إعلامية أمريكية عن أن الحرب تجاوزت 35 مليار دولار في 30 يوماً، وهو رقم يكشف أن الاستنزاف لم يعد عسكرياً فقط، بل مالياً واستراتيجياً ومعنوياً أيضاً.
في الخلاصة، لم تعد الحرب تُقرأ على أنها محاولة أمريكية إسرائيلية لإخضاع إيران فحسب، بل كمحاولة فاشلة انقلبت إلى مستنقع استنزاف متعدد الجبهات. إيران تضرب مراكز القيادة والمصانع والقواعد والممرات، حزب الله يطحن القوات المدرعة ويضغط على الشمال حتى عمق تل أبيب، أنصار الله يوسّعون ساحة النار إلى البحر الأحمر وإيلات، والمقاومة العراقية تلاحق القواعد الأمريكية من داخل العراق إلى محيطه. هكذا، لم تعد المسألة: هل تستطيع واشنطن وتل أبيب مواصلة الحرب؟ بل: كم تستطيعان تحمّل كلفة حرب باتت تُدار عليهما من كل اتجاه، وفي كل يوم بخسائر أكبر وهوامش أضيق؟
