شهدت الساعات الأخيرة تطوراً لافتاً في مسار الحرب، بعدما تزامن إطلاق إيران دفعتين صاروخيتين باتجاه شمال ووسط فلسطين المحتلة مع حالة ارتباك سياسي واقتصادي داخل الولايات المتحدة، أعقبت خطاباً وُصف على نطاق واسع داخل الأوساط الأمريكية بأنه مرتبك، متناقض، ومفصول عن الواقع. وفي حين دفعت الصواريخ الإيرانية ملايين الإسرائيليين إلى الملاجئ، بدا أن خطاب دونالد ترامب لم ينجح في طمأنة الداخل الأمريكي، بل فجّر موجة جديدة من السخرية والانتقاد، وكشف حجم المأزق الذي وصلت إليه واشنطن بعد أكثر من شهر من الحرب.
وبحسب ما أوردته هيئة البث الصهيونية، فقد دخل ملايين الإسرائيليين إلى الملاجئ عقب إطلاق إيران دفعتين من الصواريخ نحو الشمال والوسط، في مشهد يكرّس استمرار قدرة طهران على ضرب العمق الإسرائيلي وشل الحياة اليومية فيه، رغم كل الادعاءات الأمريكية والإسرائيلية السابقة عن تدمير القدرة الصاروخية الإيرانية أو تقليصها. ولم تمر سوى دقائق على مزاعم ترامب عن إنهاء البرنامج الصاروخي الإيراني حتى كانت وسائل إعلام إيرانية تسخر من المشهد، فيما أكد التلفزيون الإيراني أن الصواريخ وصلت إلى ميناء حيفا بعد دقائق من تلك الادعاءات، في صورة عكست اتساع الفجوة بين ما يعلنه البيت الأبيض وما يفرضه الميدان.
وفي البعد الاقتصادي، حمل خطاب ترامب انعكاسات فورية وعنيفة على الأسواق. فقد ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 3.8% إلى 105.12 دولارات للبرميل، في مؤشر واضح إلى أن الأسواق قرأت الخطاب باعتباره إشارة إلى استمرار الحرب واتساع مخاطرها، لا إلى قرب نهايتها. وفي الولايات المتحدة نفسها، تراجعت العقود الآجلة لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 بما يعادل 550 مليار دولار من القيمة السوقية خلال 25 دقيقة فقط من إلقاء الخطاب، وهو رقم يكشف أن الرسالة التي وصلت إلى المستثمرين لم تكن رسالة ثقة، بل رسالة فوضى وقلق واستنزاف مفتوح.
أما سياسياً، فقد جاء الرد الأمريكي الداخلي على خطاب ترامب قاسياً وغير مسبوق في حدته. شخصيات بارزة من الحزب الديمقراطي وصفت الخطاب بأنه كاذب، تائه، عديم القيمة، وغير متوازن. السيناتور كريس فان هولن قال إن كل ما يمكن توقعه من ترامب هو المزيد من الأكاذيب، بينما اعتبر تشاك شومر أن ما جرى يمثل واحدة من أكبر الهفوات السياسية في تاريخ الولايات المتحدة. أما حكيم جيفريز فطالب ترامب بإنهاء “حربه المتهورة” فوراً، في حين رأى كريس مورفي أن من المخيف أن يكون لدى أمريكا رئيس منفصل إلى هذا الحد عن الواقع. وذهبت تعليقات إعلامية وأكاديمية أبعد من ذلك، إذ وُصف الخطاب بأنه غبي، تافه، ومخزٍ، فيما قالت محللة في بي بي سي إن ترامب ليس رئيساً حقيقياً بل “مهرج”.
هذا الانفجار في الانتقادات لم يأتِ من فراغ، بل من إدراك متزايد داخل الولايات المتحدة أن الإدارة الأمريكية تغرق أكثر في الحرب من دون أهداف واضحة أو أفق سياسي مقنع. وهو ما عززه تقرير نشره موقع ذا إنترسبت، الذي اتهم البنتاغون بمواصلة التستر على الخسائر الأمريكية في الشرق الأوسط، وكشف أن مئات الجنود الأمريكيين سقطوا بين قتيل وجريح منذ بدء الحرب على إيران، بينما تواصل القيادة المركزية تقديم أرقام قديمة ومنخفضة، في ظل تعمد واضح لإبقاء الخسائر طي الكتمان. وهذا المعطى يضرب أحد أهم أعمدة الخطاب الأمريكي، لأن إخفاء الخسائر لا يعني فقط أزمة عسكرية، بل يعني أن الإدارة تخشى ارتداد الحقيقة على الداخل الأمريكي.
وبذلك، فإن المشهد العام يرسم صورة مقلقة لواشنطن وتل أبيب معاً. إيران ما تزال تضرب، والعمق الإسرائيلي ما يزال يعيش تحت الصواريخ وصفارات الإنذار والملاجئ، فيما الأسواق العالمية تتأثر فوراً بكل كلمة تصدر من البيت الأبيض، ويزداد الرفض الشعبي والسياسي الأمريكي لاستمرار الحرب. أما ترامب، الذي حاول أن يقدّم نفسه في خطابه باعتباره ممسكاً بخيوط المعركة، فقد خرج بصورة رئيس يراه خصومه وحلفاؤه في الداخل رجلاً مرتبكاً، غارقاً في التناقض، عاجزاً عن تفسير لماذا لا تزال الحرب مستمرة إذا كان قد “فاز” فعلاً كما يدّعي.
خلاصة هذه المستجدات أن الساعات الأخيرة لم تمنح واشنطن وتل أبيب أي صورة نصر، بل أظهرت العكس تماماً: صواريخ تضرب، ملاجئ تمتلئ، أسواق ترتبك، وخطاب رئاسي يسقط تحت ثقل الميدان والانتقاد الداخلي. وفي هذا المشهد، تبدو الحقيقة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: كلما حاول ترامب إعلان نهاية الحرب بالكلام، عادت الصواريخ لتقول إن الكلمة ما زالت للميدان.
