ذات صلة

الأكثر مشاهدة

حين تقف السعودية حائط صد لخدمة اليهود!

يعتقد البعض أن شقاء اليمن ومتاعبه والتدخلات السعودية هي...

المفهوم الحقيقي للأمن القومي السعودي

الأمنُ القوميُّ السعودي لا يمكن أن يتحقَّقَ باستعداءِ ومحاربةِ...

أسوأ من 7 أكتوير.. جدعون ليفي: حرب إيران أسقطت أسطورة نتنياهو وحوّلته من “صانع حروب” إلى عنوان لفشل تاريخي

في واحدة من أقسى الضربات الإعلامية والسياسية التي وُجّهت إلى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو من داخل الكيان نفسه، شنّ الكاتب الصهيوني في صحيفة هآرتس جدعون ليفي هجوماً لاذعاً على نتنياهو، واصفاً إياه بأنه فاشل ومصاب بجنون العظمة، ومعتبراً أن الحرب على إيران ليست مجرد إخفاق عابر في سجله، بل “الفشل الأكبر في حياته”، بل وأخطر من السابع من أكتوبر نفسه.

ويكشف هذا التوصيف، الصادر من أحد أبرز الأصوات النقدية داخل الإعلام الإسرائيلي، حجم الصدمة التي خلّفتها هذه الحرب في البنية السياسية والنفسية للكيان، بعدما دخلها نتنياهو باعتبارها “معركة العمر” التي أراد من خلالها تثبيت صورته كـ“منقذ” تاريخي، ليخرج منها ـ وفق ليفي ـ أضعف، وأكثر عزلة، ومحمّلاً بالمسؤولية الكاملة عن الإخفاق.

ويرى ليفي أن الفرق الجوهري بين هذه الحرب وبين إخفاقات الاحتلال السابقة، وفي مقدمتها 7 أكتوبر، أن نتنياهو لم يكن في الإخفاق السابق وحده في الواجهة، إذ كانت هناك ـ بحسب المقال ـ مؤسسة عسكرية وأمنية فاشلة، وأجهزة استخبارات عاجزة، وبنية سياسية كاملة متورطة في الانهيار. أما في حرب إيران، فإن نتنياهو وحده، “بلا استثناء”، يتحمل اللوم الكامل، لأن هذه الحرب ارتبطت مباشرة بمشروعه الشخصي، وبالملف الذي لطالما قدّمه بوصفه جوهر مسيرته السياسية.

ويذهب الكاتب أبعد من ذلك حين يعتبر أن الكيان خرج من حرب إيران “مثخناً بالجراح”، وأكثر ضعفاً وعزلة مما كان عليه قبلها، في حين أن إيران، رغم ما تعرضت له، خرجت ـ وفق هذا التوصيف الإسرائيلي ـ “مهزومة لكنها أقوى”، وهي صياغة تلخص في نظره جوهر الفشل الإسرائيلي: حرب شُنّت لإضعاف إيران، فانتهت إلى تعزيز مكانتها وإظهار الكيان بمظهر المرتبك والعاجز عن فرض نتائج حاسمة.

وفي هذا السياق، يحمّل ليفي نتنياهو مسؤولية جرّ الكيان إلى حرب لم تُحقق أهدافها، ثم أُجبر على إنهائها من دون أن يُستشار، في إشارة إلى أن الرجل الذي حاول أن يكتب اسمه في كتب التاريخ باعتباره صانع الانتصار، انتهى إلى أن يصبح العنوان الأوضح للهزيمة السياسية والاستراتيجية. وبحسب المقال، فإن نتنياهو لم يخسر فقط رهانه العسكري، بل خسر كذلك صورة “القائد المتحكم” حين انتهت الحرب في مسار لم يكن صاحب قراره النهائي.

ويؤكد ليفي أن ثمن هذا الفشل كان باهظاً على الكيان، متحدثاً عن شهر ونصف من الفظائع التي عاشها نحو عشرة ملايين صهيوني، في ظل دمار اقتصادي، ومعاناة واسعة، وتعطّل عام دراسي جديد، وتآكل ما تبقى من التوازن العقلي داخل المجتمع الصهيوني، وتزايد العزلة الدولية. وبهذا المعنى، لا تبدو الحرب في مقاله مجرد جولة عسكرية فاشلة، بل ضربة شاملة للبنية الداخلية للكيان على المستويات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية.

وفي موازاة تحميله نتنياهو المسؤولية الكاملة عن حرب إيران، وسّع ليفي هجومه ليشمل المنظومة الإسرائيلية بأكملها، مستحضراً ما جرى في غزة بوصفه دليلاً آخر على التوحش البنيوي داخل دولة الاحتلال. فهو يرى أن نتنياهو كان الجذر الأول لجرائم الإبادة، لكنه لم يكن الوحيد، بل إن هناك جيشاً، واستخبارات، وطيارين، وجنوداً، وإعلاماً متواطئاً، وأجهزة أمنية، وكل من شارك في تدمير غزة وقتل الأطفال والأطباء والصحفيين، وكلهم ـ برأيه ـ شركاء في جرائم لا غفران لها.

كما وجّه ليفي سهام نقده إلى المعارضة الإسرائيلية، معتبراً أنها صفّقت للحرب منذ اللحظة الأولى، واصطفت خلفها، وبرّرتها، ثم فقدت لاحقاً حقها الأخلاقي والسياسي في انتقادها، لأنها لم تجرؤ على الاعتراض على أصل الحرب، واكتفت بالصمت بعد اتضاح نتائجها. وبهذا، يقدّم المقال صورة لكيان لم يفشل فقط في الحرب، بل فشل أيضاً في إنتاج معارضة حقيقية قادرة على كبح اندفاعه نحو الكوارث.

ويختتم ليفي مقاله بخلاصة قاسية ومباشرة: لولا تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكان نتنياهو قد واصل انحداره نحو فشل أكبر في إيران، كما فعل في غزة، وكما يسعى إلى فعله الآن في لبنان. ويعني ذلك أن الرجل، في نظر هذا الصوت الإسرائيلي البارز، لم يعد يمثل “حامي إسرائيل”، بل تحول إلى محرك أعمى لحروب تنتهي دائماً بكوارث أكبر.

في المحصلة، يعكس مقال جدعون ليفي اهتزازاً عميقاً في السردية الصهيونية حول الحرب على إيران، ويكشف أن صورة “الانتصار” التي حاول نتنياهو تسويقها تتآكل حتى داخل الإعلام الإسرائيلي نفسه. فحين يخرج كاتب من داخل الكيان ليقول إن حرب إيران أسوأ من 7 أكتوبر في سجل نتنياهو، وإنها الفشل الأكبر في حياته، فإن ذلك لا يعبّر عن نقد صحفي عابر، بل عن اعتراف داخلي بأن هذه الحرب لم تُنتج نصراً، بل عمّقت الأزمة، وأسقطت ما تبقى من هيبة القيادة الإسرائيلية.

spot_imgspot_img