في تطور سياسي وقانوني لافت، دخلت العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وكيان الاحتلال مرحلة أكثر حساسية بعد أن تجاوزت المبادرة الأوروبية المطالِبة بالتعليق الكامل لاتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل عتبة المليون توقيع خلال ثلاثة أشهر فقط، في مشهد يعكس انتقال الغضب الأوروبي من الاحتجاج في الشوارع إلى الضغط المؤسسي داخل المفوضية الأوروبية. هذه اللحظة، التي وُصفت بأنها “مفصلية في مسار التفاعل الأوروبي مع القضية الفلسطينية”، لا تبدو رقماً رمزياً فقط، بل مؤشراً على أن المزاج الشعبي الأوروبي بدأ يتحول إلى أداة قانونية مباشرة يمكن أن تُحرج المؤسسات الأوروبية وتدفعها إلى اختبار جدي لمصداقية خطابها الحقوقي.
وتكتسب هذه المبادرة وزناً مضاعفاً لأنها لا تستهدف مجرد تسجيل موقف أخلاقي، بل تضرب في عمق واحدة من أهم ركائز العلاقة الأوروبية مع الاحتلال، وهي اتفاقية الشراكة المبرمة عام 2000، والتي تستند العريضة في الطعن بها إلى المادة الثانية التي تجعل احترام حقوق الإنسان شرطاً جوهرياً لاستمرار الاتفاقية. ومن هنا، فإن المطالبة بالتعليق الكامل لا تُبنى على خطاب سياسي إنشائي، بل على أساس قانوني مباشر مدعوم بما تعتبره الحملة خروقات إسرائيلية فادحة، تشمل قتل المدنيين وتهجيرهم، وتدمير المستشفيات والمنشآت الطبية، وفرض الحصار على المساعدات، واستخدام التجويع كسلاح، وعدم الامتثال لقرارات محكمة العدل الدولية.
وتظهر أهمية هذا التحرك أكثر حين يُقرأ على خلفية الوزن الاقتصادي للعلاقة بين الطرفين. فالدراسة التحليلية المرافقة للمبادرة تشير إلى أن الاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأول لإسرائيل، بقيمة بلغت 46.8 مليار يورو في عام 2022، مع اعتماد واضح للاقتصاد الإسرائيلي على السوق الأوروبية في الواردات والصادرات. ولهذا، فإن أي تحرك أوروبي، حتى لو كان جزئياً، يمكن أن يترك أثراً ملموساً على الاقتصاد الإسرائيلي، وبالتالي على قدرة الاحتلال على مواصلة سياساته العدوانية من دون كلفة حقيقية. وهذا ما يجعل العريضة، في جوهرها، محاولة لتحويل التضامن الأخلاقي مع فلسطين إلى أداة ضغط اقتصادي وسياسي وتشريعي.
ولم يأتِ هذا التحول من فراغ. فالمادة نفسها توضح أن أوروبا عاشت منذ بدء الحرب على غزة موجة احتجاجية متصلة، وثّق خلالها المركز الأوروبي الفلسطيني للإعلام أكثر من 50 ألف مظاهرة وفعالية في 25 دولة أوروبية. لكن الأهم أن هذا الحراك لم يبقَ في الإطار الرمزي، بل بدأ يتحول تدريجياً إلى قوة مؤثرة داخل الحياة السياسية الأوروبية، مع اتساع القناعة لدى قطاعات واسعة من الأوروبيين بأن الصمت على ما يجري في غزة يعني شكلاً من أشكال التواطؤ. وبذلك، انتقلت القضية الفلسطينية في أوروبا من كونها شعاراً احتجاجياً إلى ملف مساءلة مؤسسية.
وتكشف الدراسة أن المسار الذي قاد إلى هذه اللحظة مرّ بعدة محطات حاسمة، من بينها قرار محكمة العدل الدولية في يناير 2024 المتعلق بمنع الإبادة الجماعية، وطلب إسبانيا وأيرلندا مراجعة الاتفاقية، وتصريحات أوروبية رسمية اعتبرت استخدام الجوع سلاح حرب، وصولاً إلى اقتراح أورسولا فون دير لاين نفسه بتعليق بعض المزايا التجارية الممنوحة لإسرائيل. هذا التراكم القانوني والسياسي، مضافاً إليه تصاعد الغضب الشعبي، صنع بيئة جعلت من العريضة أكثر من مجرد حملة مدنية، بل تتويجاً لمسار أوروبي متنامٍ يعيد النظر في حصانة العلاقة مع الاحتلال.
أما من يقف وراء هذا التحرك، فالصورة هنا تكشف تزاوجاً بين الإطار السياسي الأوروبي المنظم والزخم الشعبي الفلسطيني والعربي والإسلامي في القارة. فالمبادرة صاغها ومولها وأطلقها تحالف اليسار الأوروبي من أجل الشعوب، بينما أدت كتلة اليسار في البرلمان الأوروبي دور المتحدث الرسمي باسمها، في حين كان الوقود الميداني الحقيقي هو الجاليات العربية والمسلمة والمؤسسات الفلسطينية في أوروبا، التي نجحت في نقل القضية الفلسطينية من هامش النقاش إلى مركزه، ومن المظاهرة إلى المادة القانونية.
وتقدم خريطة التوقيعات دلالات سياسية لا تقل أهمية عن الرقم الإجمالي نفسه. فقد تجاوزت 10 دول أوروبية العتبة القانونية المطلوبة لاعتماد التوقيعات، فيما تصدرت فرنسا المشهد بأكثر من 354 ألف توقيع، وهو ما وُصف في الدراسة بأنه “تسونامي سياسي”. كما برزت إيطاليا بوصفها “المفاجأة الأكبر”، في دلالة على أن الرأي العام يمكن أن يتحرك ضد سياسات الحكومات المتحفظة أو المنحازة. أما إسبانيا، فظهرت فيها حالة شبه انسجام بين الحكومة والشارع، بعدما منحت مواقف مدريد المعلنة ضد ممارسات إسرائيل شرعية إضافية للحشد الشعبي. وهذا كله يعني أن الضغوط على المفوضية الأوروبية لم تعد محصورة في هوامش النخبة، بل تمتد عبر كتل شعبية واسعة في دول مركزية داخل الاتحاد.
غير أن بلوغ المليون توقيع لا يعني أن المعركة انتهت، بل إنها بدأت فعلياً الآن. فالمبادرة دخلت مرحلة إجرائية وقانونية أكثر تعقيداً، تبدأ بإيداع التواقيع لدى الدول الأعضاء، ثم الحصول على شهادات صلاحيتها، ثم الانتقال إلى المفوضية الأوروبية، حيث تبدأ مرحلة الفحص والرد، وتتخللها جلسة استماع علنية في البرلمان الأوروبي، قبل أن تصدر المفوضية بلاغها القانوني والسياسي النهائي. وإذا تقرر تعليق الاتفاقية، فإن ذلك سيمر لاحقاً عبر آليات التصويت داخل مجلس الاتحاد الأوروبي مع فترة انتقالية ذات أثر تجاري وجمركي. أي أن المليون توقيع فتح الباب، لكنه لم يحسم بعد قرار العبور.
ومع ذلك، فإن المعنى الأعمق لهذا التطور لا يكمن فقط في الإجراءات المقبلة، بل في الرسالة السياسية الثقيلة التي يحملها. فحين يتحول ما بدأ بمظاهرات في الشوارع الأوروبية إلى أداة تشريعية تضغط على المفوضية الأوروبية لتعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، فإن ذلك يعني أن الاحتلال لم يعد يتمتع بالحصانة السياسية ذاتها داخل الوعي الأوروبي، وأن روايته القديمة فقدت كثيراً من قدرتها على التأثير. كما أن أوروبا أصبحت أمام اختبار مصداقية حقيقي: لا يمكنها أن تتحدث عن القانون الدولي وحقوق الإنسان والإبادة الجماعية، ثم تستمر في تغذية العلاقة التجارية مع دولة متهمة بهذه الانتهاكات من دون أن تواجه ارتداداً شعبياً وقانونياً متصاعداً.
في المحصلة، فإن المليون توقيع ليس مجرد إنجاز إحصائي، بل تحول نوعي في معركة الرأي العام والمؤسسات داخل أوروبا. إنه انتقال من زمن الاحتجاج إلى زمن المحاسبة، ومن الضغط الرمزي إلى الضغط الممنهج على بنية الشراكة الأوروبية مع الاحتلال. وإذا كانت هذه المبادرة قد نجحت بالفعل في محاصرة إسرائيل داخل المفوضية الأوروبية سياسياً وأخلاقياً، فإن المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت بروكسل مستعدة فعلاً لتحويل هذا الضغط الشعبي إلى قرار مؤسسي يعاقب الاحتلال، أم أنها ستواصل التردد بين لغة المبادئ ومقتضيات الشراكة.
