تقترب واشنطن وطهران، وفق ما كشفه موقع أكسيوس ونقلته مصادر أمريكية وباكستانية، من صياغة مذكرة تفاهم مختصرة من صفحة واحدة تضم 14 بندًا، تُطرح باعتبارها الإطار الأقرب حتى الآن لوقف الحرب وفتح الباب أمام مفاوضات أكثر تفصيلًا بشأن الملف النووي ومضيق هرمز والعقوبات الأمريكية. غير أن هذا التقدم، رغم أهميته، لا يزال محاطًا بكثافة عالية من الشكوك، في ظل غياب اتفاق نهائي حتى اللحظة، وبقاء عدد من النقاط الجوهرية محل شدّ وجذب بين الطرفين.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن جوهر المقترح يقوم على وقف مؤقت لتخصيب اليورانيوم، مع استمرار التفاوض على مدته الزمنية. إذ اقترحت إيران، وفق التسريبات، تجميدًا لخمس سنوات، بينما دفعت الولايات المتحدة باتجاه وقف يمتد إلى عشرين عامًا، وسط ترجيحات بأن يستقر السقف الزمني في نهاية المطاف بين 12 و15 عامًا. ويكشف هذا البند وحده حجم الفجوة بين منطقين: الأول إيراني يحاول تقليص التنازل الزمني وحصره في إطار قابل للاحتواء، والثاني أمريكي يسعى إلى انتزاع مكسب استراتيجي طويل الأمد يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات ممتدة.
وفي مقابل هذا التجميد، ينص المقترح على رفع العقوبات الأمريكية عن إيران، والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة بمليارات الدولارات، إلى جانب رفع القيود المفروضة على المرور عبر مضيق هرمز. كما يتضمن إعلان نهاية الحرب في المنطقة وبدء فترة تمتد 30 يومًا لمفاوضات أكثر تفصيلًا، قد تستضيفها إسلام آباد أو جنيف، من أجل بحث الترتيبات النهائية المتعلقة بفتح المضيق، والحد من البرنامج النووي، ورفع العقوبات.
وتشير البنود المسربة كذلك إلى أن القيود الإيرانية على الملاحة في هرمز، بالتوازي مع الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية، سترفع تدريجيًا خلال فترة الثلاثين يومًا، ما يعكس سعيًا إلى خلق حالة تهدئة متبادلة ومؤقتة تمهّد لاتفاق أكبر. إلا أن واشنطن حرصت، وفق المقترح، على تثبيت بند يمنحها حق إعادة فرض الحصار أو استئناف العمليات العسكرية إذا انهارت المفاوضات، وهو بند يعكس بوضوح رغبة أمريكية في إبقاء أداة التهديد قائمة حتى خلال مسار التفاهم نفسه.
وهنا تتضح هشاشة هذا المقترح؛ فهو لا يقدم سلامًا نهائيًا بقدر ما يرسم هدنة مشروطة بسقف تفاوضي ضيق، ويترك الباب مفتوحًا أمام احتمالين متناقضين: إما الانتقال إلى اتفاق تفصيلي أشمل، أو العودة إلى الحرب والجمود والتصعيد إذا سقطت التفاهمات الأولية. ولذلك، فإن أهمية الورقة الحالية لا تكمن فقط في بنودها، بل في كونها النقطة الأقرب التي وصل إليها الطرفان منذ اندلاع الحرب، من دون أن تعني بالضرورة أن طريق الاتفاق بات مضمونًا.
وفي السياق السياسي، شددت باكستان على رغبتها في أن يتحول وقف إطلاق النار إلى إنهاء دائم للحرب، حيث أكد وزير خارجيتها محمد إسحاق دار أن بلاده تبذل جهدًا كبيرًا في هذا المسار، فيما قال رئيس وزرائها شهباز شريف إن إسلام آباد أدت دورًا متوازنًا وتأمل أن يقود هذا المسار إلى إنهاء دائم للصراع. ويعكس هذا الموقف الباكستاني رغبة واضحة في تثبيت موقعها كوسيط رئيسي في واحدة من أخطر أزمات المنطقة.
أما إيران، فقد تعاملت مع المقترح بحذر واضح، إذ نقلت شبكة CNBC عن متحدث باسم الخارجية الإيرانية أن طهران “تقيّم” الورقة الأمريكية، فيما كانت قد أكدت في وقت سابق أنها لن تقبل بأي اتفاق إلا إذا كان عادلاً. وهذا الموقف الإيراني يوحي بأن طهران لا تريد الظهور بمظهر الرافض المسبق، لكنها في الوقت نفسه لا تمنح واشنطن شيكًا مفتوحًا، بل تربط أي قبول نهائي بمستوى التوازن في البنود، خصوصًا في ما يتعلق بالعقوبات والضمانات والملف النووي.
وفي المقابل، لجأ دونالد ترامب إلى لغته المعتادة القائمة على الجمع بين الترغيب والتهديد، فقال إن قبول إيران بالمقترح سيؤدي إلى إنهاء ما سماه “عملية الغضب الملحمي” وفتح مضيق هرمز للجميع، بما في ذلك إيران نفسها. لكنه لوّح في الوقت ذاته بأنه إذا رفضت طهران، فإن القصف سيعود بكثافة أكبر بكثير من السابق. وهذا الخطاب يكشف أن الإدارة الأمريكية ما تزال تنظر إلى التفاهم من زاوية الإكراه لا من زاوية التسوية المتوازنة، وهو ما قد يشكل أحد أبرز عوامل تعقيد الاتفاق بدل تسهيله.
في المحصلة، يبدو أن المقترح الجديد يمثل إطارًا أوليًا هشًا أكثر منه اتفاقًا ناضجًا. فهو يجمع بين وقف الحرب مؤقتًا، وتجميد التخصيب، ورفع العقوبات، وتهدئة هرمز، لكنه يبقي في الوقت نفسه على منطق التهديد، وحق النقض العسكري الأمريكي، وإمكانية انهيار المفاوضات في أي لحظة. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: هل تتفق واشنطن وطهران على هذه الصفحة الواحدة؟ بل: هل تستطيع هذه الصفحة أن تصمد أمام ثقل الملفات المؤجلة والشكوك المتبادلة وإرث الحرب المفتوحة؟
