شكّلت المواجهة في البحر الأحمر واحدة من أكثر المحطات حساسية في الصراع الإقليمي خلال المرحلة الماضية، بعدما تحولت العمليات البحرية المرتبطة بإسناد غزة إلى اختبار مباشر لقدرة الولايات المتحدة على فرض الردع وحماية الملاحة المرتبطة بحليفها الإسرائيلي. ونجحت صنعاء في فرض معادلة استنزاف طويلة أجبرت واشنطن على إعادة حساباتها مرتين، الأولى مع إطلاق عملية “حارس الازدهار” في ديسمبر 2023، والثانية مع العملية التي نسبت إلى إدارة ترامب تحت اسم “الراكب الخشن” بين مارس ومايو 2025.
ودخلت واشنطن المواجهتين بأهداف واضحة، في مقدمتها حماية الملاحة المرتبطة بإسرائيل، ووقف الهجمات اليمنية المساندة لغزة، وتقليص القدرات العسكرية المستخدمة في البحر الأحمر، واستعادة صورة الردع الأمريكي. غير أن الحصيلة، اتجهت في الاتجاه المعاكس، إذ استمرت الهجمات البحرية، وبقيت القيود المفروضة على السفن المرتبطة بالعدو قائمة، فيما لم تفلح القوة العسكرية الأمريكية، رغم ما رافقها من حاملات طائرات وقاذفات استراتيجية وطائرات شبح، في فرض حسم يبدّل المشهد الميداني أو السياسي.
وتعاملت صنعاء مع المواجهة بوصفها معركة استنزاف مفتوحة، لا معركة صدام خاطف، معتمدة على امتصاص الضربات ثم الرد باستخدام الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيّرة، بما سمح لها ـ بالحفاظ على قدرتها العملياتية ومواصلة الضغط على مسرح البحر الأحمر والأهداف المرتبطة به. وفي هذا السياق، تبدو النتيجة الأبرز هي أن الولايات المتحدة لم تتمكن من إنهاء التهديد البحري أو فرض حرية عبور كاملة للسفن التي أرادت حمايتها، وهو ما منح صنعاء فرصة تقديم ما جرى باعتباره تحولاً في ميزان الردع.
ومن أكثر النقاط التي ركزت عليها التقارير الدولية أن الاتفاق الذي أُعلن لاحقاً لم يشمل، ضمان حماية الملاحة الإسرائيلية بصورة كاملة، ما عُدّ داخل هذا السرد دليلاً على أن واشنطن تراجعت عن أحد أهدافها الأساسية. كما تذهب التقارير إلى أن هذا التطور أظهر هشاشة اعتماد إسرائيل على المظلة البحرية الأمريكية، وعكس في الوقت نفسه صعود اليمن كفاعل إقليمي بات من الصعب تجاوزه في معادلات البحر الأحمر.
وتبرز التقارير كذلك البعد الرمزي والسياسي للمواجهة، إذ يرى أن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بنوعية السلاح أو كثافة الضربات، بل بقدرة طرف محاصر ومحدود الإمكانات مقارنةً بالولايات المتحدة على منع خصمه من تحقيق أهدافه. ومن هذه الزاوية، فإن أي إخفاق أمريكي في حسم المعركة أو تأمين الملاحة كما خُطط لها يتحول، في الحسابات السياسية، إلى تآكل في صورة الردع الأمريكية، حتى لو لم يُترجم ذلك إلى هزيمة تقليدية بالمعنى العسكري المباشر.
وبعد نجاح صنعاء، لم يعد البحر الأحمر ممراً بحرياً عادياً في الحسابات الجيوسياسية، بل أصبح مساحة اختبار لتوازنات إقليمية جديدة، لعبت فيها صنعاء دوراً أكبر من حجمها التقليدي، مستفيدة من ارتباط عملياتها بملف غزة ومن إدراج تحركها ضمن ما يسمى وحدة الساحات. ومن ثم، فإن النتيجة الأعمق للمواجهة، وفق هذا المنظور، ليست فقط في تعطيل بعض المسارات البحرية أو إحراج الولايات المتحدة، بل في إعادة تعريف وظيفة البحر الأحمر نفسه كجزء من صراع أوسع يتجاوز اليمن إلى مجمل الإقليم.
وفي المحصلة، أظهرت معركة البحر الأحمر باعتبارها منعطفاً بارزاً حدود القوة الأمريكية في بيئة معقدة، وأثبت أن أدوات الاستنزاف غير التقليدية يمكن أن تفرض كلفة مرتفعة على القوى الكبرى، حتى عندما تمتلك تفوقاً نارياً وتقنياً هائلاً. وبينما تعتبر واشنطن ما جرى جزءاً من إدارة أزمة ممتدة، ترى القراءة المطروحة نجحت صنعاء في فرض معادلة ردع سياسية وعسكرية جعلت الولايات المتحدة أقرب إلى إعادة التموضع منها إلى فرض الحسم.
