شهد العراق منذ فجر اليوم تطوراً أمنياً وسياسياً واسعاً، بعدما نفذت القوات الأمنية، بالتنسيق مع هيئة النزاهة والقضاء، حملة مداهمات واعتقالات طالت شخصيات سياسية وبرلمانية ومسؤولين سابقين وحاليين، في عملية وُصفت بأنها من أوسع التحركات المرتبطة بملفات الفساد خلال المرحلة الأخيرة.
وبدأت العملية من المنطقة الخضراء وسط بغداد، حيث أُغلقت المداخل وشُددت الإجراءات الأمنية، قبل أن تتوسع الحملة إلى مناطق أخرى في العاصمة ومحافظات عدة، بينها واسط، صلاح الدين، كركوك، الديوانية، وميسان، وسط انتشار أمني مكثف ودخول بعض القطاعات في حالة استنفار.
وبحسب وسائل إعلام عراقية، فإن الحملة جاءت على خلفية اعترافات المتهم عدنان الجميلي في ملفات فساد، وما تبعها من أوامر قبض ومذكرات قضائية بحق عدد من المسؤولين والنواب والشخصيات السياسية، في مؤشر على أن القضية لم تعد محصورة بشخص أو وزارة، بل تتجه نحو شبكة أوسع من المصالح والتمويلات والعقود.
وتداولت وسائل إعلام عراقية، أن أوامر قبض صدرت بحق عدد من المسؤولين والبرلمانيين، بينهم شخصيات كردية في بغداد، كما تحدثت عن مداهمات لمنازل شخصيات بارزة، بينها وزير الكهرباء السابق زياد علي فاضل، وانتشار أمني قرب منزل محافظ واسط السابق والنائب الحالي محمد جميل المياحي، واقتحام منزل النائبة أشواق الجبوري في صلاح الدين، ووصول قوة من هيئة النزاهة إلى كركوك.
كما أفادت الأنباء المتداولة باعتقال النائبة هند العباسي على خلفية اعترافات عدنان الجميلي، واعتقال مدير توزيع كهرباء الديوانية السابق ومعاونه للتحقيق في ملفات فساد مالي وإداري، إلى جانب أنباء عن هروب النائبة السابقة بشرى القيسي بعد مداهمة منزلها في بيجي.
وفي تطور لافت، دخلت محافظة السليمانية في حالة استنفار أمني تام “إنذار ج” لأسباب لم تتضح رسمياً، بالتزامن مع توسع الحملة وصدور أنباء عن أوامر قبض بحق مسؤولين وبرلمانيين كرد، ما يعكس حساسية الملف واحتمال امتداده إلى شبكات سياسية واقتصادية متعددة.
وتُظهر المعلومات أن ملف وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي تحوّل إلى بوابة رئيسية لفتح ملفات فساد أكبر، بعدما قادت اعترافاته، وفق التسريبات، إلى أوامر قبض بحق عدد من السياسيين والمسؤولين. ويبدو أن الملف لم يعد متعلقاً بفساد إداري محدود، بل بشبكات مرتبطة بوزارات النفط والكهرباء وعقود حكومية وتمويلات سياسية محتملة، خصوصاً مع حديث مصادر إعلامية عن أموال ضخمة وشبكات مالية وملفات تهريب وعمليات تمويل معقدة.
وفي هذا السياق، دعا النائب أبو تراب التميمي إلى عدم حصر الإجراءات في ملف عدنان الجميلي فقط، محذراً من أن إغلاق الملف عند هذا الحد سيجعل الحملة تبدو وكأنها استهداف سياسي محدد. وأكد التميمي أن الحملة يجب أن تمتد إلى وزارة النفط ووزارة الكهرباء وبقية الوزارات، إضافة إلى فتح ملفات في الإسكان والإعمار والتجارة والصناعة ومديرية الطرق والجسور، مشدداً على أن أموال الدولة هي أموال الشعب، وأن حماية المال العام تقتضي عدم السماح لأي تفاهمات سياسية بعرقلة القضاء والأجهزة الرقابية.
أمنياً، تعكس العملية قدرة الدولة العراقية على تنفيذ مداهمات داخل مناطق شديدة الحساسية، بما في ذلك المنطقة الخضراء ومنازل شخصيات نافذة. كما أن استخدام قوات أمنية خاصة وهيئة النزاهة يؤكد أن الملف كان معداً مسبقاً، وأن التحرك لم يكن عفوياً.
سياسياً، فإن دخول أسماء برلمانية وحزبية ووزارية على خط الاعتقالات يضع العملية السياسية أمام اختبار كبير: إما أن تتحول الحملة إلى بداية فعلية لكسر شبكات الفساد، أو أن تُجهض تحت ضغط الكتل والتفاهمات والوساطات.
أما شعبياً، فقد لاقت العملية صدى واسعاً، لأنها جاءت بعد سنوات من الحديث عن “حيتان الفساد” دون محاسبة حقيقية، ولأنها طالت شخصيات كانت تُعد محمية بالحصانة أو بالنفوذ أو بالتحالفات السياسية.
وحتى الآن، الصورة ما تزال مفتوحة، لكن المؤكد أن العراق دخل مرحلة سياسية جديدة عنوانها: إما مواجهة شبكات الفساد بقرار قضائي وأمني حاسم، أو عودة التسويات التي تحمي الكبار وتترك الشعب أمام فساد يتجدد بأسماء مختلفة.
