تكشف التطورات الأخيرة في ملف حمد فدغم عن انتقاله من واجهة تصعيد قبلي وإعلامي إلى ورقة مستهلكة يجري احتواؤها وإعادة تدويرها داخل معسكر حزب الإصلاح في مأرب، بعد انهيار مطرح الريان في الجوف وفشل الرهان السعودي على توظيفه في تفجير وضع قبلي وعسكري شمالي اليمن.
وفرض حزب الإصلاح، الموالي لتحالف العدوان، شروطاً جديدة ومهينة على فدغم، بالتوازي مع إخضاعه لما يشبه الإقامة الجبرية في مأرب، في خطوة تعكس بوضوح أن الرجل لم يعد يمتلك قرار نفسه، وأنه بات خاضعاً بالكامل لإدارة الحزب وأجهزته، بعد أن انتهى دوره الميداني في الريان على نحو مرتبك وسريع.
وفي مؤشر واضح على سحب الملف من يده، أسند الحزب إدارة قضية فدغم والتحدث باسمه إلى صالح العبيدي، المتحدث باسم ما تسمى “مقاومة المرتزقة” في مأرب، بما يعني عملياً أن فدغم لم يعد سوى واجهة فاقدة للصلاحية، بينما أصبح القرار الفعلي بيد الإصلاح الذي يتولى توجيه خطابه وتحريك ما تبقى من أوراقه. ولم يكن عابراً أن يتحدث العبيدي عن استمرار المطرح حتى إطلاق كافة الأسرى، متجاهلاً تماماً قضية المدعية “ميرا صدام حسين” التي كان فدغم قد جعلها عنواناً رئيسياً لتصعيده الأخير، في اعتراف ضمني بأن تلك القضية لم تكن سوى غطاء تضليلياً لمشروع أكبر سقط قبل أن يكتمل.
وتكشف هذه النقلة أن الإصلاح لم يتعامل مع فدغم بوصفه حليفاً، بل بوصفه أداة مرحلية جرى استخدامها ثم انتزاع الملف منها فور انتهاء الحاجة إليها. فالحزب، الذي دفع لاحقاً بعشرات الضفائر لنساء في مأرب للمطالبة بإطلاق أبنائهن، بدا وكأنه يحاول إعادة صياغة المشهد وصرف الأنظار عن حقيقة انهيار الرهان على مطرح الريان، وتحويل القضية من ملف تصعيد فاشل إلى ورقة إنسانية وإعلامية جديدة قابلة للاستثمار.
وتزامنت هذه الترتيبات مع نقل فدغم من مطرحه في الريان إلى منطقة الأشراف في مدينة مأرب، بعد فراره من الجوف عقب مقتل قيادي إصلاحي في المطرح، في تطور عكس بوضوح أن الرجل خرج من الجوف لا بصفته قائداً لمشروع متماسك، بل بصفته عنصراً مأزوماً يجري إنقاذه سياسياً وأمنياً قبل أن يتحول إلى عبء كامل على الجهة التي رعته ودفعت به.
وفي موازاة ذلك، كشفت التطورات التي أعقبت وصوله إلى مأرب حجم القلق داخل معسكر الفصائل الموالية لتحالف العدوان. فقد عقد صغير بن عزيز، قائد العمليات المشتركة في دفاع حكومة المرتزقة، اجتماعاً طارئاً بقادة الفصائل في مأرب، أبلغهم خلاله بأن بقاء فدغم في المدينة قد يفتح الباب أمام هجوم كاسح من صنعاء، في إقرار صريح بأن ملف الرجل لم يعد شأناً قبلياً أو إعلامياً، بل تحول إلى خطر أمني وعسكري مباشر على آخر معاقل الإصلاح شمالي اليمن.
ويحمل هذا الموقف دلالة شديدة الوضوح: فالقوى التي احتضنت فدغم وروّجت له ودفعت به إلى الواجهة، باتت اليوم تنظر إليه كعبء قابل لإشعال المدينة لا كرصيد يمكن البناء عليه. ولهذا، فإن الحديث عن طرده من مأرب لم يعد مجرد تكهن، بل بات جزءاً من نقاشات فعلية داخل معسكر فصائل المرتزقة، خصوصاً بعد انهيار الجبهة المتقدمة في الجوف وسقوط مطرح الريان بطريقة عرّت هشاشة المشروع برمته.
