كشفت شبكة “سي إن إن” الأميركية، نقلاً عن ثلاثة مصادر مطلعة، أن قادة عسكريين أمريكيين كباراً تجاهلوا تحذيرات واضحة بشأن تقادم المعلومات الاستخبارية المرتبطة بأهداف داخل إيران، وأجازوا تنفيذ ضربات في اليوم الأول من الحرب، بينها ضربة أصابت مدرسة إيرانية وأدت إلى مقتل أكثر من 180 شخصاً، معظمهم من الأطفال، في واحدة من أكثر الجرائم دموية التي ارتكبتها الولايات المتحدة خلال هذه الحرب.
وبحسب ما نقلته الشبكة، فإن التحذيرات كانت موجودة داخل قواعد بيانات حيوية ونظام مخصص لتحديد الأهداف، وكانت تشير بوضوح إلى أن المعلومات المتوافرة قديمة وتحتاج إلى إعادة تحقق وتحديث قبل اعتمادها، إلا أن هذه التحذيرات جرى تجاوزها لدواعي ما وصفته المصادر بـ “السرعة والملاءمة العملياتية”، من أجل توفير أهداف جاهزة في بداية الحرب. والنتيجة كانت ما وصفته المصادر نفسها بـ “الضربة الخاطئة” التي استهدفت المدرسة بدل الاكتفاء بالهدف العسكري المفترض في محيطها.
وتشير المعلومات إلى أن المسؤولين العسكريين الأمريكيين علموا بعد أيام فقط من الغارة كيف وقع الخطأ، وأن البيانات المستخدمة لم تكن محدثة، ما دفع الجيش الأمريكي إلى فتح تحقيق داخلي. إلا أن هذا التطور لا يخفف من فداحة الجريمة، بل يكشف أن القرار العسكري الأمريكي لم يكن مجرد خطأ تقني عابر، بل نتيجة مباشرة لتجاهل متعمد للتحذيرات، والتعامل مع بنك الأهداف بعقلية السرعة لا الدقة، حتى ولو كان الثمن أرواح عشرات الأطفال.
وفي المقابل، حاول البيت الأبيض احتواء تداعيات الفضيحة، إذ نقلت “سي إن إن” عن مسؤول فيه قوله إن التحقيق بشأن الضربة لا يزال جارياً، وإن “الولايات المتحدة لا تستهدف المدنيين”. لكن هذا النفي يتهاوى أمام المعطيات التي أوردتها الشبكة نفسها، والتي تؤكد أن التحذيرات كانت موجودة، وأن تجاهلها تم على مستوى قيادي رفيع، بما يجعل المجزرة نتيجة قرار عملياتي مسؤول عنه قادة كبار، لا حادثاً غامضاً أو عرضياً يمكن التنصل منه بعبارة سياسية عامة.
ووفق وسائل إعلام إيرانية رسمية، فإن الغارة التي استهدفت مدرسة “شجرة طيبة” للبنات في مدينة ميناب جنوبي إيران يوم 28 فبراير/شباط أسفرت عن استشهاد 168 طفلاً و14 معلماً، وهي حصيلة تضع الجريمة في مصاف أسوأ المجازر بحق المدنيين في العمليات العسكرية الأمريكية خلال السنوات الأخيرة. وقد ذكرت “سي إن إن” أن القوات الأمريكية كانت تقول إنها تستهدف منشأة مجاورة للحرس الثوري الإيراني، إلا أن نتائج التحقيق الأولية أوضحت أن المدرسة كانت ضمن منطقة اعتُمدت بناء على معلومات قديمة وغير دقيقة.
وتظهر صور الأقمار الصناعية التي استعرضتها الشبكة أن المدرسة والقاعدة المجاورة كانتا في الأصل جزءاً من مجمع واحد عام 2013، لكن صوراً التُقطت عام 2016 أظهرت وجود سياج فاصل ومدخل مستقل للمدرسة، ما يعني أن الفصل بين المنشأتين كان معروفاً وممكناً رصده، لو جرى تحديث المعلومات والتدقيق فيها كما تقتضي الإجراءات العسكرية الأساسية. كما أن صور ديسمبر/كانون الأول 2025 أظهرت وجود عشرات الأشخاص في ساحة المدرسة، ما يعزز الشكوك بأن التحذيرات لم تكن فقط متاحة، بل كانت كافية لمنع وقوع هذه الكارثة لو لم تُهمل عمداً أو يُستهَن بها.
وفي المحصلة، فإن ما كشفته “سي إن إن” لا يضع الجيش الأمريكي أمام خطأ استخباري فحسب، بل أمام اتهام أخطر: أن السعي إلى تسريع الضربات وتوفير الأهداف غلب على الاعتبارات الإنسانية والقانونية، وأن حياة الأطفال الإيرانيين جرى التعامل معها كخسارة جانبية يمكن احتمالها في بداية الحرب. وبذلك، تتحول مجزرة مدرسة “شجرة طيبة” من حادثة عسكرية إلى دليل دامغ على الاستهتار الأمريكي بأرواح المدنيين، وعلى أن الخطاب الأمريكي عن “الدقة” و”عدم استهداف المدنيين” يتهاوى كلما ظهرت الوقائع الفعلية من قلب الميدان.
