قالت صحيفة ذا كريدل الأمريكية في تقرير مطوّل إنّ ما يجري في اليمن اليوم ليس سوى فصل جديد من حرب الهيمنة الخليجية التي تتخفّى وراء شعارات التحالف، بينما تدور في جوهرها معركة صامتة بين الرياض وأبوظبي للسيطرة على الثروات والموقع الجيو-استراتيجي لليمن.
وأوضحت الصحيفة أنّ التحالف الذي بدأ عام 2015 كجبهة موحّدة ضد ما وصف بـ”التمرد الحوثي”، تحوّل تدريجياً إلى صراع نفوذ بين وليي العهد محمد بن سلمان ومحمد بن زايد، مشيرة إلى أنّ “التحالف الشخصي الذي جمعهما ذات يوم بات اليوم أقرب إلى خصومة مكتومة تتفجر ميدانياً في شرق اليمن”.
ووفق التقرير، فإنّ الإمارات تعتبر الشرق اليمني جائزة استراتيجية تسعى من خلالها للسيطرة على الموانئ وخطوط الملاحة وحقول النفط في حضرموت والمهرة، فيما تنظر السعودية إلى المنطقة بوصفها عمقها الأمني وخط دفاعها الاستراتيجي. وأشارت الصحيفة إلى أنّ أبوظبي رفضت الانسحاب من مناطق داخل نطاق النفوذ السعودي، ما فاقم التوتر وأدى إلى تباعد متزايد بين الطرفين رغم المظاهر الدبلوماسية الهادئة.
وأضاف التقرير أنّ التقارب السعودي–القطري الأخير جاء في محاولة لموازنة النفوذ الإماراتي، لكنه لا يزال هشّاً في ظل تباين المصالح و”لعبة الكراسي” التي اعتادتها دول الخليج في إدارة تحالفاتها.
ولفتت الصحيفة إلى أنّ المنافسة لم تعد محصورة في اليمن، بل امتدت إلى السودان، حيث تدعم الإمارات قوات الدعم السريع بينما تميل السعودية نحو الجيش النظامي، مشيرة إلى أنّ هذا التباين الإقليمي أظهر حدود النفوذ الأمريكي وقدرة واشنطن على ضبط حلفائها الخليجيين.
وتابعت أن أبوظبي ردّت على التحركات السعودية في السودان بتوسيع حضورها في اليمن، عبر دعم المجلس الانتقالي الجنوبي وتثبيت وجودها في عدن وشبوة وحضرموت، وهو ما اعتبرته الرياض تجاوزاً صريحاً للخطوط الحمراء.
وأكدت الصحيفة أن اليمن تحوّل إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين القوتين الخليجيتين: فالسعودية تعتمد سياسة “الإدارة من الخلف” عبر حكومات ضعيفة ووساطات سياسية، بينما تستخدم الإمارات الميليشيات المحلية كأدوات نفوذ مباشر تسيطر من خلالها على الموانئ والثروات.
وذكّرت ذا كريدل بتسريبات ويكيليكس التي كشفت أنّ الإمارات تعتبر السعودية أكبر تهديد أمني بعد إيران، وأنّ وثائق سرّية إماراتية وصفت في 2019 سياسة ابن سلمان بـ”المتهوّرة والفاشلة”، ولا سيما في إدارة الحرب باليمن. كما كشفت الوثائق عن مخاوف ابن زايد من الوهابية وتأثيرها على استقرار الإمارات الداخلي.
وختمت الصحيفة تقريرها بالتأكيد على أنّ التحالف الخليجي الذي قاد الحرب على اليمن يتآكل من الداخل، وأنّ صراع الرياض وأبوظبي على ثروات وممرات اليمن قد يفتح فصلاً جديداً من الفوضى الإقليمية، في وقت تفقد فيه واشنطن القدرة على ضبط حلفائها أو إعادة ترميم النظام الإقليمي الذي صممته لعقود.
وبذلك، يظهر اليمن مجدداً كساحة لتصفية حسابات أمراء النفط، ومركز اختبار لموازين القوة بين الحلفاء المتنازعين، في ظل غياب مشروع حقيقي للاستقرار أو احترام سيادة هذا البلد المنهك بالحرب.
