“خاص”
في التقييمات الأولية، بدا أن الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران تهدف إلى فرض صدمة استراتيجية سريعة تُفضي إلى شلّ البنية العسكرية الإيرانية وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية خلال فترة زمنية قصيرة. غير أن التطورات الميدانية والسياسية اللاحقة كشفت أن هذه الفرضية لم تصمد طويلًا أمام واقع أكثر تعقيدًا.
فبدلًا من الانهيار المتوقع، أظهرت إيران قدرة ملحوظة على امتصاص الضربة الأولى وإعادة تماسك منظومتها القيادية والعسكرية، ما حوّل مسار المواجهة من محاولة حسم سريع إلى صراع مفتوح محكوم بعوامل الزمن والكلفة والتدرج في التصعيد.
من التفوق الناري إلى معادلة الصمود
تعكس المؤشرات الميدانية أن التفوق الجوي والتقني الذي تمتلكه الولايات المتحدة و”إسرائيل” لم يترجم إلى نتيجة استراتيجية حاسمة. فعلى الرغم من كثافة الضربات، بقيت القدرات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية فاعلة، واستمرت طهران في تنفيذ ردود محسوبة على أهداف عسكرية ومصالح مرتبطة بالخصوم.
هذا التباين بين التفوق العسكري التكتيكي والنتيجة الاستراتيجية يسلّط الضوء على واحدة من أبرز سمات الحروب الحديثة:
أن القدرة على التدمير لا تعني بالضرورة القدرة على الحسم.
في هذا السياق، يبدو أن طهران نجحت في فرض معادلة بديلة تقوم على إدارة الصراع بدل حسمه، عبر توزيع قدراتها، وتجنب الانجرار إلى مواجهة شاملة في توقيت غير مناسب، مع الاحتفاظ بهوامش تصعيد مدروسة.
البعد الاقتصادي كأداة ردع موازية
أحد أهم التحولات التي أبرزتها المواجهة يتمثل في انتقال الصراع إلى المجال الاقتصادي، حيث برز مضيق هرمز كعامل حاسم في حسابات جميع الأطراف.
فإيران، رغم عدم إغلاق المضيق، نجحت في ترسيخ حقيقة استراتيجية مفادها أن:
أي تهديد وجودي لها يمكن أن يقابله اضطراب واسع في تدفقات الطاقة العالمية.
هذا التوازن غير المباشر خلق حالة من الردع الاقتصادي المتبادل، حيث باتت الأسواق العالمية، وأسعار النفط، وسلاسل الإمداد جزءًا من معادلة الصراع، وليس مجرد انعكاس جانبي له.
كما أن استمرار التوتر في هذا الممر الحيوي يرفع من احتمالات حدوث أزمة طاقة عالمية، مع تأثيرات متسلسلة تمتد إلى الأمن الغذائي والنمو الاقتصادي في مناطق متعددة من العالم.
اتساع رقعة الصراع خارج الجغرافيا الإيرانية
لم تبقِ المواجهة ضمن حدود إيران، بل سرعان ما اتخذت طابعًا إقليميًا مع دخول فاعلين غير دولتيين على خط الأحداث.
في لبنان، أعادت المواجهات فرض معادلات ردع جديدة، بينما برزت الجبهات الأخرى بوصفها أدوات ضغط إضافية تُعقّد حسابات التصعيد لدى “إسرائيل” وحلفائها.
هذا التمدد الجغرافي يعكس تحولًا مهمًا:
أن أي مواجهة مع إيران لم تعد ثنائية، بل باتت شبكية متعددة المستويات، تتداخل فيها الجبهات العسكرية مع الاعتبارات السياسية والاقتصادية.
تردد أوروبي ومراقبة آسيوية حذرة
على المستوى الدولي، لا يبدو أن هناك إجماعًا غربيًا كاملًا على إدارة الحرب. فبينما تمضي واشنطن في التصعيد، تظهر عواصم أوروبية حذرًا واضحًا تجاه الانخراط في مواجهة مفتوحة، خاصة في ظل غياب مخرج سياسي واضح.
في المقابل، تراقب الصين وروسيا تطورات الصراع من زاوية المصالح الاستراتيجية، خصوصًا ما يتعلق بأمن الطاقة واستقرار الأسواق، ما يضفي على الأزمة بعدًا دوليًا يتجاوز حدود الشرق الأوسط.
كما أن دول الخليج، التي تقع في قلب هذه التفاعلات، تواجه معضلة مزدوجة:
الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة من جهة، والتعرض المباشر لتداعيات التصعيد من جهة أخرى.
حرب لم تُحسم ومسار مفتوح على احتمالات متعددة
في المحصلة، تشير مجمل المؤشرات إلى أن الحرب دخلت مرحلة الاستعصاء الاستراتيجي، حيث لم يعد أي طرف قادرًا على تحقيق نصر حاسم دون تكاليف باهظة وغير مضمونة النتائج.
الولايات المتحدة و”إسرائيل” تواجهان تحدي تحويل القوة العسكرية إلى مكسب سياسي مستدام، بينما تراهن إيران على الصمود طويل الأمد وتوسيع كلفة الصراع بما يكفي لإعادة ضبط شروط المواجهة.
وبين هذين المسارين، يتشكل واقع جديد: صراع لا تحكمه الضربات الأولى، بل القدرة على الاستمرار وإدارة المخاطر وفرض الإيقاع.
