قالت مجلة فورين بوليسي إن الحرب الأمريكية على إيران كشفت حدود النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، وأعادت فتح النقاش داخل واشنطن حول جدوى استمرار الولايات المتحدة في لعب دور ضامن الأمن في المنطقة، بعد عقود من الحضور العسكري والسياسي المباشر.
وفي مقال للباحث البارز في مجلس العلاقات الخارجية ستيفن كوك، اعتبرت المجلة أن العملية العسكرية التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إيران تحت اسم “الغضب الملحمي” لم تحقق مكسباً استراتيجياً حقيقياً، رغم محاولة واشنطن تصوير نتائجها على أنها انتصار.
وأشار كوك إلى أن بنود مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران تكشف واقعاً معاكساً للسردية الأمريكية، إذ تعيد الطرفين إلى طاولة التفاوض بشأن البرنامج النووي الإيراني، وتسمح لطهران بتصدير النفط لمدة 60 يوماً، بينما يبقى مستقبل الملاحة في مضيق هرمز خاضعاً لترتيبات لم تُحسم بالكامل.
ورأى الكاتب أن الفشل في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب قد يدفع واشنطن إلى نتيجة مختلفة تماماً عما أراده ترامب، تتمثل في تسريع الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط، وتقليص الوجود العسكري إلى مستوى محدود، بما يعني عملياً تراجع مبدأ كارتر الذي حكم السياسة الأمريكية في الخليج منذ عقود.
ويقوم مبدأ كارتر على اعتبار أمن الخليج، ولا سيما تدفق النفط، مصلحة حيوية أمريكية تستدعي التدخل العسكري عند الضرورة. غير أن نتائج الحرب الأخيرة، وفق قراءة فورين بوليسي، أظهرت أن كلفة هذا الالتزام باتت أعلى من قدرته على إنتاج نفوذ حقيقي أو حماية فعالة لحلفاء واشنطن.
وتأتي هذه القراءة في ظل أزمات داخلية متصاعدة تضغط على إدارة ترامب، بينها تداعيات ملف إبستين التي تحدثت تقارير أمريكية عن أنها فجّرت انقسامات حادة داخل الإدارة، وحوّلت جزءاً من غرفة العمليات السياسية إلى مقر لإدارة أزمة داخلية متفاقمة.
وبحسب المقال، فإن ما جرى في الحرب مع إيران لا يعكس فقط إخفاقاً عسكرياً أو تفاوضياً، بل يكشف أيضاً عن مأزق أوسع في الاستراتيجية الأمريكية، حيث لم تعد واشنطن قادرة على فرض شروطها في المنطقة كما فعلت في مراحل سابقة، ولم تعد قادرة على ضمان أمن حلفائها دون دفع أثمان استراتيجية كبيرة.
وتشير المجلة إلى أن تراجع الوجود العسكري الأمريكي، إن حدث، لن يكون مجرد خطوة تقنية، بل تحولاً تاريخياً في علاقة واشنطن بالشرق الأوسط، خصوصاً أن المنطقة ارتبطت لعقود بمفهوم الحماية الأمريكية والقواعد العسكرية والردع المباشر.
