ذات صلة

الأكثر مشاهدة

صنعاء تنتقل من الصبر إلى انتزاع الحقوق.. قرار السيد الحوثي يفتح مرحلة كسر الحصار وإنهاء معادلة اللا سلم واللا حرب

تدخل صنعاء مرحلة سياسية وعسكرية جديدة عنوانها كسر الحصار، وانتزاع الحقوق، وإنهاء الاحتلال، واستعادة الثروات اليمنية المنهوبة، بعد الدعوة التي أطلقها قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي بمناسبة العام الهجري الجديد 1448هـ، والتي مثّلت تحولاً واضحاً في مسار التعاطي مع استمرار الحصار والحرب الاقتصادية والمماطلة السعودية في تنفيذ استحقاقات السلام.

ولم تكن دعوة السيد القائد مجرد موقف تعبوي أو خطاب سياسي عابر، بل جاءت كإعلان انتقال من مرحلة الصبر الطويل وإدارة التهدئة الهشة إلى مرحلة الفعل المنظم والخيارات المفتوحة، في ظل استمرار تحالف العدوان في إبقاء الملف الإنساني والاقتصادي رهينة للابتزاز، ومنع الشعب اليمني من حقوقه الطبيعية في المرتبات، وفتح المطار، ورفع القيود عن الموانئ والواردات، والاستفادة من ثرواته النفطية والغازية.

وقد تفاعلت مؤسسات الدولة في صنعاء مع هذه الدعوة بصورة مباشرة، حيث أعلن مجلس النواب تأييده ومساندته لموجهات قائد الثورة، باعتبارها خارطة طريق وطنية لانتزاع السيادة وكسر الحصار، مؤكداً أن المرحلة تتطلب اصطفافاً رسمياً وشعبياً واسعاً، وأن استمرار الحصار ونهب الثروات وعرقلة السلام لم يعد مقبولاً بعد سنوات من المعاناة التي طالت كل بيت يمني.

وفي السياق ذاته، أعلنت حكومة التغيير والبناء تأييدها الكامل واستجابتها لدعوة السيد القائد، وفوّضت القيادة لاتخاذ كل الخيارات اللازمة التي تفرضها المرحلة، مؤكدة استعدادها لتسخير إمكاناتها لخدمة القوات المسلحة وقوات التعبئة العامة، والعمل على إنهاء العدوان، ورفع الحصار، وطرد قوى الاحتلال، بما يعكس انتقال الموقف الرسمي في صنعاء من حدود المطالبة السياسية إلى مستوى الإسناد الكامل لأي مسار عملي قادم.

وجاء بيان قوات التعبئة العامة ليضيف بعداً عسكرياً وشعبياً أكثر وضوحاً، إذ أعلنت القوات جهوزيتها الكاملة والفورية لإسناد ورفد الجيش بالمقاتلين، مؤكدة أن القوة المدربة والمسلحة والمشكّلة في إطار التعبئة بلغت مئات الآلاف ومئات الألوية العسكرية التعبوية الشعبية، وأن التدريب والتشكيل مستمران بتنسيق مباشر مع القوات المسلحة اليمنية على مختلف المستويات.

هذا البيان حمل دلالة استراتيجية مهمة، فهو لم يكن مجرد إعلان استعداد، بل رسالة إلى تحالف العدوان بأن صنعاء باتت تمتلك قاعدة شعبية وعسكرية منظمة، قادرة على تحويل القرار السياسي إلى فعل ميداني واسع، وأن ملف الحصار والحقوق الاقتصادية لم يعد ملفاً تفاوضياً مفتوحاً بلا نهاية، بل بات عنواناً لمعركة سيادية قادمة إذا استمرت السعودية في المماطلة.

وعلى المستوى الشعبي والقبلي، شهدت المحافظات والمناطق الحرة استنفاراً واسعاً في ذمار وصنعاء والحديدة وتعز وحجة وإب وريمة وصعدة وعمران والجوف ومأرب والضالع ولحج والمحويت والبيضاء، حيث خرجت الفعاليات القبلية والمسلحة معلنة النفير العام والجهوزية القصوى، والاستعداد لرفد الجبهات بالرجال والمال، والانتظار لإشارة القيادة للانتقال إلى مرحلة التحرير الشامل.

وفي مديرية جهران بذمار، خرجت القبائل في وقفة مسلحة رافعة بنادقها، مؤكدة استعدادها لمواجهة العدوان ورفع الحصار، بينما شهدت الحديدة مسيراً عسكرياً وشعبياً مهيباً أعلن المشاركون فيه الاستجابة الفورية لموجهات القيادة، واعتبروا الدعوة خارطة طريق للتحرر الشامل. كما أعلنت محافظات حجة وإب وتعز توسيع دورات التعبئة العسكرية، وفي مقدمتها دورات “طوفان الأقصى”، ورفع مستوى الجهوزية لمواجهة أي تصعيد قادم.

وتكشف هذه التحركات أن صنعاء لم تعد تتحرك عبر مؤسسة واحدة أو مسار منفرد، بل عبر اصطفاف شامل يجمع القيادة الثورية، والبرلمان، والحكومة، والقوات المسلحة، وقوات التعبئة، والقبائل، والمجتمع الشعبي، بما يجعل المرحلة المقبلة مختلفة عن كل مراحل التهدئة السابقة. فالمعادلة لم تعد قائمة على انتظار الوعود، بل على فرض الحقوق إذا تعذر الحصول عليها عبر المسار السياسي.

سياسياً، أكدت صنعاء أن استمرار حالة “اللا سلم واللا حرب” لن يدوم إلى ما لا نهاية، وأن الوقت قد حان لتحقيق سلام فعلي من خلال جلوس السعودية إلى طاولة التفاوض لتنفيذ خارطة الطريق المتفق عليها. وقد حملت رسائل نائب وزير الخارجية عبد الواحد أبو راس للوفد الأممي هذا المعنى بوضوح، حين شدد على ضرورة إنهاء التصعيد في الملف الإنساني، ورفع القيود المفروضة على الواردات، وإنهاء إغلاق مطار صنعاء الدولي.

وفي المقابل، كشفت التحركات السعودية عبر الأمم المتحدة وبريطانيا حجم القلق من جدية صنعاء في الانتقال إلى خيارات أكثر حسماً. فقد جاء وصول المستشار العسكري للمبعوث الأممي إلى صنعاء، بالتزامن مع تحرك بريطاني في الرياض عبر لقاء السفيرة البريطانية بالمبعوث الأممي، كمحاولة لاحتواء التصعيد المحتمل ومنع انهيار الهدنة الهشة. غير أن صنعاء تقرأ هذه التحركات باعتبارها دليلاً على وصول رسائلها، لا بديلاً عن تنفيذ الاستحقاقات.

وتدرك الرياض أن تجاهل مطالب صنعاء لم يعد بلا كلفة، خصوصاً بعد أن راكمت القوات المسلحة اليمنية قدرات ردع نوعية خلال سنوات الحرب، وبعد أن أصبح الموقف الشعبي أكثر التفافاً حول قضية المرتبات، ورفع الحصار، وفتح المطار، واستعادة الثروات، وإنهاء الاحتلال. كما أن المتغيرات الإقليمية الأخيرة، وفي مقدمتها تراجع رهانات العدوان على كسر محور المقاومة، منحت صنعاء هامشاً أوسع للتحرك من موقع قوة.

وفي هذا السياق، شددت القيادات السياسية والتعبوية في صنعاء على أن السعودية، بسياساتها ومماطلتها، وضعت الشعب اليمني أمام خيارين: الموت جوعاً أو القتال دفاعاً عن حقوقه ولقمة عيشه، وأن الرهان على الحرب الاقتصادية والتجويع لإحداث انفجار داخلي هو رهان فاشل سيرتد على من صنعه. فالمعاناة الاقتصادية، كما تؤكد صنعاء، تطال اليمنيين من صعدة إلى المهرة، ومن سقطرى إلى عدن، ولا يمكن أن تبقى أداة ضغط مفتوحة بيد تحالف العدوان.

وتحمل دعوة السيد القائد بعداً سيادياً يتجاوز الملف الإنساني بمعناه الضيق. فالمطلوب، وفق الخطاب الصادر من صنعاء، ليس مجرد تخفيف قيود أو تقديم تسهيلات مؤقتة، بل إنهاء منظومة الحصار والوصاية والاحتلال، بما يشمل استعادة القرار الوطني، ووقف نهب الثروات النفطية والغازية، وصرف المرتبات من عائدات تلك الثروات، وفتح المنافذ أمام حركة اليمنيين، وإنهاء استخدام الاقتصاد كسلاح حرب.

كما أن ربط صنعاء لمعركتها الداخلية بمعادلة وحدة الساحات يعكس رؤية أوسع للمرحلة. فاليمن، الذي واصل إسناد فلسطين ولبنان ومحور المقاومة، يرى أن معركته ضد الحصار ليست منفصلة عن المعركة الكبرى ضد المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة، وأن كسر القيود المفروضة على اليمن جزء من إعادة رسم توازنات الردع في الإقليم.

وبذلك، فإن قرار السيد القائد للعمل على فك وإنهاء الحصار لم يعد مجرد توجيه سياسي، بل تحول إلى مسار وطني شامل: البرلمان يمنح الغطاء السياسي، حكومة التغيير والبناء توفر الإسناد الرسمي، قوات التعبئة تعلن الجاهزية، القبائل ترفع النفير، والقوات المسلحة تبقى حاضرة كقوة ردع قادرة على فرض المعادلة متى ما صدر القرار.

وتبدو الرسالة النهائية لصنعاء واضحة: السلام الحقيقي يبدأ من رفع الحصار وتنفيذ خارطة الطريق ودفع الحقوق، أما استمرار المماطلة فلن يعني إلا فتح الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد. فالتهدئة لا يمكن أن تتحول إلى سجن اقتصادي للشعب اليمني، والهدنة لا يمكن أن تكون غطاء لاستمرار الاحتلال ونهب الثروات، والوساطات لن تكون ذات قيمة ما لم تُترجم إلى خطوات عملية وملموسة.

وفي المحصلة، يقف تحالف العدوان اليوم أمام لحظة اختبار حاسمة: إما أن يستجيب لمطالب صنعاء العادلة ويذهب إلى سلام فعلي ينهي الحصار ويعالج الملف الاقتصادي والإنساني، أو يواجه مرحلة يمنية مختلفة، أكثر تنظيماً وجاهزية، تستند إلى التفاف شعبي وقبلي ورسمي واسع، وإلى قرار قيادي واضح بأن زمن المماطلة انتهى، ومرحلة انتزاع الحقوق بدأت.

spot_imgspot_img