أقرت وسائل إعلام عبرية بأن سياسات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو تحولت إلى عبء استراتيجي على الكيان، بعدما عمّقت عزلته الدولية، وأضعفت موقعه الإقليمي، وفتحت في المقابل الطريق أمام إيران لتعزيز حضورها وتوسيع قدراتها الاستراتيجية.
وقالت صحيفة “معاريف” العبرية، في مقال للكاتب والمحلل الإسرائيلي بن كسبيت، إن نتنياهو يتحمل المسؤولية المباشرة عن سلسلة من الإخفاقات السياسية والعسكرية التي راكمها الكيان خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها الضغط على الإدارة الأمريكية للانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران عام 2018.
وبحسب كسبيت، فإن تلك الخطوة التي سوّقها نتنياهو باعتبارها ضربة لطهران، تحولت عملياً إلى هدية استراتيجية لإيران، إذ منحتها مساحة أوسع للتحرر من القيود السابقة، وتسريع تطوير برنامجها النووي، وتعزيز أوراق قوتها في مواجهة الاحتلال والولايات المتحدة.
وتكشف هذه القراءة العبرية أن نتنياهو لم ينجح في كبح إيران، بل ساهم، بسياساته وحساباته الخاطئة، في دفعها نحو موقع أقوى. فالمواجهة الأخيرة لم تؤد إلى إضعاف طهران أو إسقاط نظامها أو فرض وقائع جديدة عليها، بل خرجت إيران أكثر ثباتاً، فيما وجد الاحتلال نفسه أمام فشل استراتيجي مكلف.
وأكدت الصحيفة أن نتائج المواجهة مع إيران لم تصب في مصلحة الكيان، إذ حافظت طهران على تماسكها السياسي، وواصلت تطوير قدراتها النووية والعسكرية، بينما عجز الاحتلال عن تحقيق الأهداف التي أعلنها، ما جعل حصيلة المعركة أقرب إلى انتكاسة بعيدة المدى لا إلى إنجاز يمكن تسويقه داخلياً أو خارجياً.
ولم تقف تداعيات سياسات نتنياهو عند حدود الملف الإيراني، بل امتدت إلى علاقات الكيان مع حلفائه وشركائه الدوليين والإقليميين. فقد أدت مغامراته المتكررة إلى تراجع الدعم السياسي للاحتلال، وزيادة تردد الحلفاء في الانخراط في مواجهة جديدة ضد إيران، خشية اتساع رقعة الحرب وارتفاع كلفتها الأمنية والاقتصادية.
وتبدو خطورة الاعتراف العبري في أنه ينسف الرواية التي حاول نتنياهو ترسيخها لسنوات، ومفادها أنه الأكثر قدرة على حماية الكيان من إيران. فالمحصلة، وفق ما تظهره التحليلات الإسرائيلية نفسها، أن سياساته عمّقت عزلة الاحتلال، وقلّصت هامش حركته، وأضعفت قدرته على حشد التأييد الدولي لمواقفه.
وفي السياق ذاته، حذر رئيس حزب “يسرائيل بيتنا” المعارض، أفيغدور ليبرمان، من استمرار النهج الذي تتبعه حكومة نتنياهو، معتبراً أنها تدفع الكيان نحو مزيد من الانقسام الداخلي، وتفاقم الأزمات السياسية والاجتماعية، في لحظة يواجه فيها تحديات أمنية واستراتيجية متزايدة.
وأكد ليبرمان أن حكومة الاحتلال الحالية تضع بقاءها السياسي فوق الاعتبارات العامة، محذراً من أن استمرار هذا المسار سيؤدي إلى تعميق الانقسامات وإضعاف الجبهة الداخلية، بما يجعل الكيان أكثر هشاشة أمام الضغوط الخارجية والتهديدات الإقليمية.
وبذلك، يتحول النقاش داخل الإعلام العبري من سؤال “كيف نوقف إيران؟” إلى سؤال أكثر قسوة على نتنياهو: كيف تحولت سياساته إلى عامل قوة لطهران وعامل استنزاف للكيان؟ فالنتيجة التي تفرض نفسها اليوم أن الاحتلال لم يخرج من المواجهة أكثر أمناً، بل أكثر عزلة وانقساماً، بينما خرجت إيران أكثر حضوراً في معادلات المنطقة.
وفي الخلاصة، فإن اعتراف “معاريف” يعكس حجم الانقلاب في ميزان التقدير داخل الكيان: نتنياهو الذي وعد بكسر إيران انتهى إلى تعزيز موقعها، والذي روّج لنفسه باعتباره رجل الأمن الأول، قاد الاحتلال إلى عزلة أعمق وأزمة داخلية أخطر. إنها ليست مجرد إخفاقات سياسية متفرقة، بل سقوط لرؤية كاملة راهنت على الضغط والحرب، فإذا بها ترتد على أصحابها وتمنح إيران فرصة استراتيجية جديدة.
