ذات صلة

الأكثر مشاهدة

من غزة إلى جنين.. تصعيد إسرائيلي واسع يحصد الشهداء ويمنع الإسعاف من الوصول إلى المصابين

وسّع الاحتلال الإسرائيلي، الجمعة، نطاق اعتداءاته على الفلسطينيين في...

الضفة على حافة الضم الشامل.. الاحتلال ينقلب على الاتفاقات ويُحكم خنق الفلسطيني من جنين إلى الخليل

تدخل الضفة الغربية المحتلة مرحلة شديدة الخطورة، بعدما تجاوز الاحتلال الإسرائيلي سياسة التوسع الاستيطاني التقليدي والاقتحامات العسكرية المتقطعة، لينتقل إلى مسار منظم لإعادة هندسة السيطرة الكاملة على الأرض الفلسطينية، في انقلاب صريح على كل ما تبقى من الاتفاقات السياسية والإدارية التي طالما استخدمها غطاءً مؤقتاً إلى حين استكمال مشروعه الاستعماري.

فما يجري اليوم لم يعد مجرد إجراءات أمنية أو وقائع ميدانية متفرقة، بل مشروع ضم فعلي تتكامل فيه أدوار الجيش والمستوطنين والحكومة والإدارة المدنية لابتلاع الضفة الغربية، وتفكيك المجال الفلسطيني، وتحويل المدن والبلدات إلى جزر معزولة ومحاصرة داخل شبكة من السيطرة العسكرية والاستيطانية. وبهذا المعنى، فإن الاحتلال لا يدير الصراع، بل يحسمه على الأرض بالقوة، ويعمل بصورة متسارعة على إسقاط أي معنى لوجود فلسطيني ذي سيادة أو حتى إدارة محلية مستقلة.

وفي هذا السياق، كشفت صحيفة “إسرائيل هيوم” عن خطة أعدتها حركات استيطانية للتمركز في نحو 100 نقطة استراتيجية داخل أراضي السلطة الفلسطينية، تحت عنوان “يوم الأمر” أو “يوم التنفيذ”. وتكمن الخطورة هنا في أن الخطة لا تكتفي باستهداف المنطقة “ج” التي كانت طوال السنوات الماضية ساحة التهام استيطاني متدرج، بل تتقدم إلى عمق المنطقة “أ” التي يفترض، وفق اتفاق أوسلو، أنها خاضعة للسيطرة الفلسطينية الكاملة. وهذا يكشف بوضوح أن الاحتلال لم يعد يعترف حتى شكلياً بالترتيبات التي وقع عليها، وأنه يتعامل مع الاتفاقات بوصفها أداة خداع مرحلية لا أكثر.

هذا التحول يعكس انتقال الاحتلال من “الضم الصامت” إلى “الضم التنفيذي”، أي فرض السيادة الإسرائيلية الفعلية من دون إعلان رسمي، عبر الجرافات والسلاح والقرارات الإدارية والتموضع الاستيطاني. فالخطة لا تستهدف فقط توسيع مستوطنات أو شرعنة بؤر، بل تهدف إلى اختراق البنية الجغرافية والسياسية للسلطة الفلسطينية نفسها، وتجريدها من مضمونها العملي، وتحويل ما تبقى من المدن الفلسطينية إلى كانتونات مطوقة فاقدة للاتصال والسيادة.

ووفق المعطيات العبرية، فإن المواقع المستهدفة جرى اختيارها بعد عمليات مسح وخرائط استمرت أشهراً، ما يؤكد أن المشروع ليس اندفاعاً عقائدياً عشوائياً، بل خطة ذات طابع عسكري وجغرافي مدروس، تستهدف المرتفعات والمداخل والطرق والمواقع المشرفة التي تمنح الاحتلال أفضلية ميدانية دائمة، وتضع حياة الفلسطينيين وتنقلهم ووجودهم اليومي تحت السيطرة المباشرة.

وتزداد دلالة هذا المسار مع عرض الخطة على وزراء في حكومة الاحتلال وشخصيات مقربة من بنيامين نتنياهو، ما يؤكد أنها لم تعد مجرد أفكار لدى جماعات استيطانية هامشية، بل أصبحت جزءاً من سياسة دولة. ويبرز في هذا السياق دور وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش، الذي يلخص طبيعة المرحلة بقوله: “نطبق سيادة فعلية عبر الاستيطان”، في اعتراف واضح بأن الاستيطان لم يعد مشروع إسكان فقط، بل أداة ضم وإخضاع وإلغاء للوجود الفلسطيني.

وفي جنين، يواصل جيش الاحتلال تجريف أرض زراعية في حي الجابريات بمساحة 7 دونمات لإقامة نقطة عسكرية تطل على مخيم جنين وأحياء واسعة من المدينة. ولا تكمن خطورة هذه الخطوة في بعدها العسكري فقط، بل في كونها تقع داخل منطقة “أ”، بما يعني أن الاحتلال ينتقل من الاقتحام المؤقت إلى تثبيت وجود عسكري دائم داخل المجال الفلسطيني، في نسف عملي ومباشر لكل الادعاءات السابقة بشأن مناطق السيطرة الفلسطينية.

أما في الخليل، فقد مضى الاحتلال خطوة أبعد عبر سلب صلاحيات بلدية الخليل في التخطيط والبناء، في ضربة مباشرة لبروتوكول الخليل الموقع عام 1997. وبعد ذلك، جرى الدفع بمشروع بناء مدرسة دينية يهودية قرب مستوطنة “بيت رومانو” من دون الرجوع إلى البلدية الفلسطينية، في إجراء يكشف أن الاحتلال لا يكتفي بفرض الأمر الواقع بالقوة، بل يعمل على نقل القرار الإداري والعمراني داخل المدينة إلى سلطاته هو. واستهداف الخليل هنا ليس عارضاً، بل يأتي لكونها واحدة من أكثر المدن حساسية على المستويين الديني والوطني، ولأن السيطرة عليها تعني تكريس مشروع التهويد في قلب النسيج الفلسطيني.

وفي السياق نفسه، أقرت اللجنة العليا للتخطيط في الإدارة المدنية بناء 576 وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية، بينها 456 وحدة في “متسبيه يريحو” قرب أريحا و120 وحدة في “كارني شومرون” شمالي الضفة، إلى جانب المشروع الديني في الخليل. ويؤكد ذلك أن الاستيطان بات الأداة الرسمية الأوضح لفرض السيادة الإسرائيلية، وللقضاء على أي إمكانية جغرافية أو سياسية لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

وبالتوازي مع هذا التصعيد الرسمي، تتصاعد اعتداءات المستوطنين بوصفها الوجه الميداني المباشر للمشروع الاستعماري. ففي قرية جلجليا شمال رام الله، أحرق مستوطنون مصلى النساء في المسجد الكبير وكتبوا شعارات عنصرية، في جريمة لا يمكن فصلها عن مناخ التحريض الرسمي والحماية السياسية التي توفرها حكومة الاحتلال. كما هدمت قوات الاحتلال منزلاً مأهولاً في شرق يطا جنوب الخليل بذريعة البناء دون ترخيص، في سياسة متكررة تستخدم فيها سلطات الاحتلال ما تسميه “القانون” كأداة للتهجير، فتمنع الفلسطيني من البناء على أرضه، ثم تهدم منزله، بينما تمنح المستوطن كل وسائل التوسع والشرعنة والحماية.

ومنذ 21 يناير 2025، يواصل الاحتلال عدوانه الواسع على شمال الضفة الغربية، بدءاً من مخيم جنين وامتداداً إلى طولكرم ونور شمس، متسبباً في استشهاد عشرات الفلسطينيين، وتدمير مئات المنازل، وتهجير عشرات الآلاف. وهذا العدوان يؤكد أن الاحتلال يتعامل مع المخيمات بوصفها أهدافاً يجب إنهاكها وكسرها وتفكيك دورها المقاوم والاجتماعي، ضمن رؤية أوسع تسعى إلى إعادة تشكيل الضفة بالقوة المجردة.

سياسياً، تكشف هذه التطورات أن اتفاق أوسلو لم يعد قائماً إلا كجثة سياسية بلا مضمون. فالمنطقة “أ” تُخترق عسكرياً، والمنطقة “ج” تُبتلع استيطانياً، والخليل تُسحب من مؤسساتها البلدية، والمخيمات تُستنزف بحملات عسكرية متواصلة. وبذلك، يتضح أن الاحتلال لم يكن شريكاً في أي مسار سياسي، بل كان يوظف الاتفاقات لتأجيل المواجهة إلى حين اكتمال شروط الانقضاض على الأرض والهوية والقرار الفلسطيني.

إن ما يجري من جنين إلى الخليل لا يعكس سعياً إلى الأمن كما يدّعي الاحتلال، بل يكشف جوهر مشروعه الحقيقي: توسيع المستوطن، وخنق الفلسطيني، ونكث الاتفاقات، وتحويل السيطرة العسكرية المؤقتة إلى سيادة استعمارية دائمة. ومن هنا، فإن المعركة لم تعد معركة حدود أو ترتيبات أمنية، بل معركة على الوجود الفلسطيني ذاته، وعلى ما إذا كانت الضفة ستبقى أرضاً لشعبها أم تتحول إلى مساحة محكومة بالكامل بالإرادة الاستيطانية الصهيونية.

لكن، وبرغم هذا التصعيد، تبقى الحقيقة الثابتة أن الشعب الفلسطيني ما يزال متجذراً في أرضه، وأن كل جريمة هدم أو حرق أو تجريف أو اقتحام تقدم دليلاً إضافياً على أن المشكلة ليست في “الأمن” كما يزعم الاحتلال، بل في مشروع استعماري إحلالي لا يعترف بحق، ولا يلتزم بعهد، ولا يرى في الاتفاقات إلا سلماً مؤقتاً للصعود نحو الضم الكامل.

spot_imgspot_img