تكشف التطورات المتسارعة في مطرح الريان بمحافظة الجوف أن حمد فدغم لم يعد سوى واجهة محترقة جرى التخلص منها بعد انتهاء دورها، فيما مضى حزب الإصلاح سريعاً إلى وضع يده على التركة المالية والتنظيمية والسياسية التي خلّفها الرجل، في خطوة تؤكد أن المعركة داخل المطرح لم تعد على الشعار أو العنوان، بل على النفوذ والأموال ومفاتيح التفاوض.
وفي هذا السياق، فرض حزب الإصلاح، جناح الإخوان المسلمين في اليمن، وصايته الكاملة على المطرح، عبر تعيين الشيخ عبدالرحمن الأعذل المرادي مسؤولاً مالياً وإدارياً له، وهو أحد قيادات الحزب في مأرب ويشغل حالياً منصب رئيس فرع حزب الرشاد المحسوب عليه. وهذا التعيين لا يمكن قراءته كإجراء إداري عابر، بل كخطوة محسوبة هدفها الاستحواذ المباشر على الملف المالي للمطرح، والتحكم بتدفق الأموال والهبات التي ضختها السعودية وأطراف أخرى خلال الفترة الماضية، والتي تُقدّر بملايين الدولارات.
ولم يكتفِ الإصلاح بإحكام قبضته على المال، بل استكمل السيطرة على القرار الميداني والتنظيمي عبر تعيين مرضي المرزوقي قائداً جديداً للمطرح، في إزاحة واضحة لفدغم وتحويله من صاحب مطرح ومتصدر للمشهد إلى عنصر فائض عن الحاجة داخل مشروع استُخدم فيه ثم أُبعد عنه. وبذلك، بات المطرح خاضعاً بالكامل لإدارة الإصلاح، مالياً وتنظيمياً وميدانياً، فيما بقي فدغم خارج المعادلة إلا من حيث الاسم والعبء المتبقي.
واللافت أن مرضي المرزوقي، في أول ظهور وتصريح له بعد تعيينه، أبدى استعداداً للحديث عن الحوار مع صنعاء وقلل من قيمة خيار المواجهة، في تحول يكشف أن الحزب الذي سيطر على المطرح لا يفكر فقط في إدارة التصعيد، بل في توظيفه كورقة تفاوض وصفقة. ورغم أن المرزوقي لم يفصح عن طبيعة هذه المفاوضات، فإن مؤشرات سابقة توحي بأن الإصلاح يسعى إلى إعادة توجيه وظيفة المطرح من منصة صدام إلى منصة مساومة، خصوصاً في ما يتصل بملف الأسرى وعدد من قياداته ومصالحه الخاصة.
وقد تعزز هذا الانطباع مع تحركات الحزب السابقة حين دفع ضفائر نسائية لدى وصول فدغم إلى الأشراف في مأرب للمطالبة بالإفراج عن الأسرى، بما يوحي أن الإصلاح لم يكن ينظر إلى مطرح الريان كقضية قبلية أو مواجهة عقائدية، بل كأداة ضغط قابلة لإعادة التدوير في أي لحظة ضمن صفقة مع صنعاء تحفظ له بعض المكاسب أو تطلق له بعض العناصر.
وفي قلب هذا الصراع، برزت محاولة اغتيال غامضة استهدفت فدغم داخل مطرحه، في حادثة زادت المشهد تعقيداً وكشفت حجم التفكك والانفلات داخل المعسكر نفسه. فقد تحدث ناشطون عن وضع ثعبان شديد السمية داخل مخدع فدغم في الريان، قبل أن يدخل نجله لينام مكانه فيتعرض للدغة استدعت نقله إلى مستشفى في مأرب. ورغم غرابة الواقعة، فإن توقيتها، في ذروة الصراع بين فدغم والإصلاح، فتح باب الشكوك على مصراعيه، خصوصاً مع تصاعد الخلافات حول قيادة المطرح وتعيين بديل عنه من وراء ظهره.
وما إن عاد فدغم من المستشفى حتى فوجئ، وفق ما نُقل عنه، بكشوفات تغييره وإحلال قيادة جديدة مكانه، في تأكيد إضافي على أن الرجل لم يعد يملك من أمر المطرح شيئاً، وأن قرار عزله كان قد اتُّخذ مسبقاً، وربما كانت محاولة التخلص منه جزءاً من عملية ترتيب داخلية خشنة لإخراجه من المشهد نهائياً.
ولم يزد المشهد إلا قسوة مع تداول أول صور لفدغم بعد طرده من الريان، حيث ظهر في حالة إحباط ووحدة وانكسار، وقد خيّم في منطقة صحراوية من الجوف بعد أن كان يُقدَّم كصاحب مطرح ومفجر معادلات. وهذه الصورة ليست مجرد تفصيل بصري، بل تختصر مصير الرجل بعد أن لفظه المشروع الذي احتضنه: أداة استُخدمت ثم جرى التخلص منها، بينما استولت القوى الأقوى على المال والمطرح والقرار.
