الرئيسية بلوق الصفحة 100

معركة وحدة الساحات.. قصف الضاحية يفجّر المعادلة ويضع تل أبيب وواشنطن أمام مأزق إقليمي

لم يكن العدوان الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت مجرد ضربة عسكرية محدودة، بل كان اختباراً مباشراً لمعادلة وحدة الساحات، ومحاولة صهيونية لقياس مدى جدية إيران ومحور المقاومة في ربط وقف العدوان على لبنان بأي تهدئة إقليمية أو مسار تفاوضي مع واشنطن.

لكن الرد جاء سريعاً وحاسماً. فبعد نحو سبع ساعات فقط من استهداف الضاحية وسقوط ضحايا مدنيين، تحركت الصواريخ الإيرانية نحو شمال وعمق الأراضي الفلسطينية المحتلة، لتؤكد طهران عملياً أن أي عدوان على بيروت أو الضاحية لن يبقى شأناً لبنانياً معزولاً، بل سيُفتح على مواجهة إقليمية أوسع.

كانت إيران قد أعلنت بوضوح أنها ستقصف كيان العدو رداً على أي اعتداء يستهدف بيروت أو الضاحية الجنوبية، ثم ترجمت هذا التهديد ميدانياً بلا تردد. وبذلك، سقطت محاولة العدو الإسرائيلي في اختبار الخطوط الحمراء، وثبت أن معادلة الردع التي تربط لبنان بإيران واليمن وغزة لم تعد خطاباً سياسياً، بل أصبحت قاعدة اشتباك عملية.

بالنسبة لكيان العدو، مثّل الرد الإيراني صفعة استراتيجية واضحة. فتل أبيب كانت تحاول منذ أشهر خلق هامش مناورة يفصل الساحة اللبنانية عن أي اتفاق أمريكي ـ إيراني، وتقديم عملياتها في جنوب لبنان ومفاوضاتها مع السلطة اللبنانية كنجاح في تثبيت ما تسميه “حرية العمل”. لكن الضربة الإيرانية نسفت هذه الصورة بالكامل، وأثبتت أن العدو لا يمتلك حرية حركة مفتوحة، وأن استهداف لبنان بات قضية إقليمية قد تشعل المنطقة كلها.

لقد أظهرت الضربات الإيرانية أن إسرائيل لم تنجح في فصل الساحات، بل وجدت نفسها أمام حقيقة معاكسة: أي تصعيد ضد لبنان يمكن أن يستدعي رداً من خارج لبنان، وأي محاولة لفرض قواعد جديدة في الضاحية أو الجنوب ستقابلها معادلة مضادة تمتد إلى عمق فلسطين المحتلة.

هذا التحول أقر به خبراء ومحللون صهاينة بوضوح. فقد اعتبر المسؤول السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية داني سيترينوفيتش أن الرد الإيراني على استهداف الضاحية يجسد فشلاً استراتيجياً ذريعاً للحملة الأخيرة ضد إيران، لأن تل أبيب باتت أمام خيارين كلاهما صعب: إما الرد والمخاطرة بصدام مباشر مع واشنطن، أو الامتناع والسماح لطهران بفرض معادلة جديدة تقيد حرية إسرائيل ضد حزب الله.

أما الكاتب الإسرائيلي أميخاي أتالي فرأى أن المعادلة التي تحاول إيران رسمها تمثل تراجعاً جذرياً عن قواعد ما قبل الحرب، ومفادها أن أي مساس بمركز العصب القريب لإيران، أي حزب الله والضاحية، سيقابله صواريخ باليستية من مسافة آلاف الكيلومترات. وهذه، بحسب توصيفه، واحدة من أخطر الاختبارات الاستراتيجية أمام نتنياهو.

ولم ينكر جيش الاحتلال خطورة المعادلة، إذ تحدث صراحة عن محاولة طهران خلق قاعدة جديدة تقوم على إطلاق النار مباشرة على إسرائيل رداً على هجمات الجيش الإسرائيلي في الضاحية. غير أن العدو، رغم تهديداته بمواصلة العمليات في لبنان، بدا متردداً في الذهاب إلى ضربات مباشرة واسعة ضد إيران دون ضوء أخضر أمريكي.

وهنا يتضح مأزق واشنطن. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب حاول احتواء التصعيد، وأعلن أنه سيطلب من نتنياهو عدم مهاجمة إيران، زاعماً أن واشنطن وطهران قريبتان من اتفاق. غير أن هذا المسار يصطدم بحقيقة أن الدعم الأمريكي للعدوان الإسرائيلي هو أصل الانفجار، وأن أي محاولة أمريكية للتهدئة ستبقى هشة ما دامت واشنطن تمنح تل أبيب الغطاء السياسي والعسكري.

لقد كشفت جولة الاشتباك الأخيرة أن الولايات المتحدة لا تريد حرباً إقليمية مفتوحة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد كبح الكيان الإسرائيلي بجدية. وهذا التناقض جعل واشنطن شريكة في المأزق، لا وسيطاً قادراً على ضبطه. فإيران فرضت كلفة عالية لأي تصعيد، والكيان بات عاجزاً عن التحرك منفرداً دون حساب موقف واشنطن، وترامب بات أسيراً بين رغبته في اتفاق مع طهران وحرصه على إرضاء تل أبيب.

ومع تبادل الضربات المحدودة بين إيران والكيان، بدا أن ترامب نجح مؤقتاً في احتواء الانفجار، خصوصاً مع توقف العمليات وانخفاض أسعار النفط لاحقاً. لكن الحقيقة الاستراتيجية الأهم أن الأمور لم تعد كما كانت. فالمعادلة التي ثبتها الرد الإيراني لا تزال قائمة: لا تصعيد إسرائيلياً ضد لبنان بلا كلفة إقليمية.

وفي هذا السياق، جاء التدخل اليمني ليمنح معادلة وحدة الساحات زخماً مضاعفاً. فقد أعلنت القوات المسلحة اليمنية إطلاق دفعة صاروخية على أهداف حساسة في يافا المحتلة، بالتزامن مع إعلان الحظر البحري الكامل على الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر، في خطوة نقلت المواجهة من حدود الرد الصاروخي إلى مستوى الضغط الجيوسياسي على الممرات البحرية.

كان التحرك اليمني سريعاً ولافتاً، وعكس مستوى عالياً من التنسيق داخل محور المقاومة. فبينما كانت تل أبيب تتحدث عن خلافات محتملة بين نتنياهو وترامب، أظهر المحور التحاماً واضحاً واستعداداً مسبقاً لامتلاك زمام المبادرة. إيران ردت من جبهة الصواريخ الباليستية، واليمن دخل من جبهة الصواريخ والملاحة، وحزب الله ثبت معادلة الصمود في لبنان، وغزة بقيت قلب المعركة الأخلاقي والسياسي.

إعلان صنعاء إعادة حظر الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر أعاد باب المندب إلى قلب الاشتباك. وهذه الورقة تأتي هذه المرة في لحظة أكثر حساسية، مع توتر قائم في مضيق هرمز، ما يضع أسواق الطاقة والشحن أمام معادلة غير مسبوقة: ضغط من الشرق عبر هرمز، وضغط من الجنوب عبر باب المندب والبحر الأحمر.

وتكمن خطورة الدور اليمني في أنه لا يقتصر على الإسناد الناري، بل يضرب العدو في شريانه الاقتصادي والبحري. فتل أبيب التي تحاول التهرب من كلفة الحرب في لبنان وغزة، وجدت نفسها أمام جبهة يمنية قادرة على تهديد عمقها بالصواريخ، وتعطيل ملاحتها في البحر الأحمر، وفرض كلفة على الشركات والسفن المرتبطة بها.

وقد انعكس ذلك بوضوح في الإعلام العبري، حيث تحدث محللون صهاينة عن تآكل الردع الإسرائيلي وتراجع قدرة تل أبيب على فرض المعادلات. وأقر المحلل العسكري في القناة 13 ألون بن ديفيد بأن إيران هي التي فرضت المعادلة، وأن كل قرار إسرائيلي مستقبلي سيحتاج إلى حساب احتمال تلقي صواريخ من جبهات متعددة. أما محلل صحيفة معاريف بن كاسبيت فاعتبر أن تفرد إسرائيل بصياغة المعادلات الإقليمية قد انتهى.

وعلى المستوى الداخلي، عاش الكيان حالة استنزاف واضحة. عادت صفارات الإنذار والملاجئ، وتعطلت الرحلات الجوية، وتراجعت ثقة المستوطنين، وظهر الجيش الإسرائيلي كقوة مشدودة إلى الحد الأقصى بعد سنوات من القتال على أكثر من جبهة. ومع استمرار الخسائر في لبنان وغزة والتوتر مع إيران واليمن، باتت المؤسسة العسكرية الصهيونية أمام حرب بلا أفق حسم.

سياسياً، انفجرت الخلافات داخل الكيان. فقد هاجم زعيم المعارضة يائير لبيد حكومة نتنياهو، متهماً إياها بالفشل والرضوخ وإرسال المستوطنين إلى الملاجئ دون هدف استراتيجي واضح. كما تحدث محللون صهاينة عن تهور نتنياهو وحاجته إلى حالة طوارئ دائمة للهروب من أزماته الداخلية وتأجيل استحقاقاته السياسية.

أما أمريكياً، فقد ظهر الانقسام بوضوح بين تيار يريد الخروج من المأزق وتجنب حرب واسعة، وتيار آخر يضغط لمواصلة دعم الكيان بلا قيود. لكن ما أثبته الاشتباك الأخير هو أن إيران ومحور المقاومة نجحوا في فرض ردع إقليمي حقيقي يجعل أي تصعيد ضدهم عالي الكلفة، ليس على إسرائيل وحدها، بل على الولايات المتحدة والمنظومة الغربية كلها.

إن قصف الضاحية الجنوبية كان الشرارة التي كشفت عمق التحول. فقد أراد العدو اختبار المعادلة، فإذا به يفتح الباب أمام رد إيراني مباشر، وتدخل يمني صاروخي وبحري، واعترافات صهيونية بتآكل الردع، وارتباك أمريكي بين التهدئة والدعم المطلق لتل أبيب.

وبذلك، انتقلت وحدة الساحات من مفردة خطابية إلى حقيقة عسكرية ثابتة. لم تعد الساحات منفصلة، ولم تعد الجبهة اللبنانية وحيدة، ولم تعد غزة معزولة، ولم تعد إيران خارج المواجهة المباشرة، ولم يعد اليمن يكتفي بالإسناد الرمزي. كل ساحة باتت تضيف كلفة جديدة على العدو، وكل عدوان يفتح احتمال اشتعال جبهة أخرى.

اعتراف إسرائيلي ثقيل من جبهة لبنان.. 30 قتيلاً وأكثر من 1300 جريح في صفوف الاحتلال

حدث أمني

أقرّ جيش الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الثلاثاء، بمقتل 30 ضابطاً وجندياً وإصابة 1339 عسكرياً منذ استئناف العدوان على لبنان مطلع مارس الماضي، في اعتراف جديد بحجم الاستنزاف الذي يتعرض له العدو على الجبهة اللبنانية بفعل ضربات المقاومة.

وبحسب بيان جيش الاحتلال، فقد سُجلت 48 إصابة جديدة في صفوف قواته خلال المواجهات مع حزب الله في جنوب لبنان خلال الأيام الخمسة الماضية، ما يؤكد استمرار فاعلية الجبهة اللبنانية في إرباك جيش العدو ورفع كلفة عدوانه.

وأشار البيان إلى أن بين المصابين 75 عسكرياً في حالة خطيرة و 146 آخرين في حالة متوسطة، في ظل استمرار التوتر والمعارك على طول الحدود اللبنانية ـ الفلسطينية المحتلة، وفشل العدو في فرض معادلة أمنية تمنحه التفوق أو حرية الحركة.

ويرى مراقبون أن الأرقام التي يعلنها جيش الاحتلال لا تمثل سوى جزء من الخسائر الفعلية، في ظل سياسة التعتيم الصارمة التي يعتمدها الكيان لإخفاء حجم الضربات التي يتلقاها، ومنع تصاعد الغضب داخل الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

وتؤكد هذه الاعترافات أن جبهة لبنان تحولت إلى ساحة استنزاف حقيقية لجيش الاحتلال، وأن عمليات حزب الله لم تعد مجرد ردود محدودة، بل باتت جزءاً من معادلة ردع متصاعدة تفرض على العدو دفع ثمن عسكري وبشري متواصل.

أباتشي أمريكية تتحطم فوق هرمز بمسيّرة إيرانية.. ضربة تربك واشنطن وتضع المفاوضات على حافة التصعيد

أقرّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسقوط مروحية أمريكية من طراز “أباتشي” فوق مضيق هرمز، مؤكداً أن طاقمها المكوّن من طيارين تم إنقاذه، ومتوعداً بالرد، في حادثة عسكرية حساسة تكشف حجم المخاطر التي باتت تواجهها التحركات الأمريكية قرب الممرات البحرية الاستراتيجية.

وبينما حاولت واشنطن في البداية تمرير الحادثة بصيغة غامضة، كشفت تسريبات أمريكية لاحقة أن التحقيق الأولي خلص إلى أن مسيّرة إيرانية اصطدمت بالمروحية الأمريكية وتسببت في تحطمها، من دون حسم ما إذا كان الاصطدام متعمدًا أم لا.

ونقلت تقارير أمريكية أن المسيّرة الإيرانية كانت من طراز “شاهد”، فيما استمرت عملية البحث عن طاقم الأباتشي لساعات قبل العثور عليه، في مؤشر على حجم الارتباك الميداني الذي رافق الحادثة داخل القيادة الأمريكية.

وتأتي الواقعة عقب تصعيد إقليمي واسع شهد ضربات إيرانية مركزة على أهداف داخل الكيان الإسرائيلي، وأخرى يمنية بصواريخ باليستية، رداً على العدوان الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية في بيروت، ضمن معادلة وحدة الساحات التي باتت تربط جبهات المواجهة من فلسطين ولبنان إلى اليمن وإيران.

ورغم محاولة الرواية الأمريكية تخفيف وقع الحادثة بوصفها “اصطداماً” لا إسقاطاً مباشراً، فإن النتيجة العسكرية تبقى واضحة: مروحية أباتشي أمريكية تحطمت فوق هرمز بفعل مسيّرة إيرانية، في ضربة معنوية لهيبة واشنطن وسلاحها الجوي في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.

وتحمل الحادثة دلالة استراتيجية تتجاوز خسارة مروحية، إذ تؤكد أن مضيق هرمز لم يعد ساحة تحليق آمن للقوات الأمريكية، خصوصاً في ظل استخدام واشنطن لمروحيات أباتشي وطائرات مسيّرة وطائرات هجومية ضمن تحركات مرتبطة بحماية المصالح الأمريكية والإسرائيلية في الخليج.

كما زادت الحادثة من غموض مسار التفاوض مع طهران، إذ نقلت تقارير أمريكية أن استئناف المفاوضات مع إيران بات غير واضح بعد تعهد ترامب بالرد، ما يعني أن الحادثة تحولت من واقعة ميدانية إلى عامل ضغط سياسي وعسكري على الإدارة الأمريكية.

ويرى مراقبون أن إيران، سواء كان الاصطدام متعمداً أو نتيجة اقتراب عملياتي خطر، نجحت في تثبيت رسالة ردع واضحة: أي وجود عسكري أمريكي فوق هرمز أو في محيطه لن يكون خارج دائرة الخطر، خصوصاً إذا جاء في سياق حماية الكيان الإسرائيلي أو تهديد محور المقاومة.

تطبيع ديني بواجهة “التسامح”.. وفد صهيوني في أبوظبي لتعميق الشراكة مع كيان الاحتلال

كشفت وسائل إعلام عبرية عن زيارة وفد ديني إسرائيلي إلى الإمارات، ضم أكثر من 30 شخصية من القادة الدينيين وممثلي المنظمات الصهيونية الناشطة في ما يسمى “الحوار بين الأديان”، للمشاركة في مؤتمر استضافته أبوظبي تحت عنوان “الحوار بين الحضارات والتسامح”، في خطوة جديدة تؤكد مضي الإمارات في توسيع مسار التطبيع مع كيان الاحتلال من بوابة الدين والثقافة.

وبحسب ما أورده موقع عبري، فإن الزيارة ركزت على تعزيز التعاون الديني والثقافي بين الجانبين، وشهدت تقديم بيان مشترك ولقاءات مع مسؤولين إماراتيين وشخصيات دينية، إضافة إلى مؤسس ما يسمى متحف الهولوكوست في دبي، في مشهد يعكس محاولة توظيف عناوين التسامح والتعايش لتلميع العلاقة مع كيان يمارس القتل والتهجير بحق شعوب المنطقة.

ونقل الموقع عن مسؤولين إماراتيين تأكيدهم أن “اتفاقيات إبراهيم” لا تقتصر على البعد السياسي، بل تمثل مشروعاً اجتماعياً وثقافياً طويل الأمد، يهدف إلى تعزيز التقارب بين الشعوب ونشر قيم التسامح والتعايش، وهي عبارات تُستخدم عملياً لتغطية مسار اندماج متدرج مع كيان الاحتلال، لا لوقف عدوانه أو مساءلته عن جرائمه.

كما شدد مشاركون إماراتيون على أهمية التعليم في بناء مستقبل المنطقة، معتبرين أن الشراكة مع كيان الاحتلال تسهم في ترسيخ المصالحة والتفاهم المتبادل بين الأجيال القادمة، في محاولة واضحة لنقل التطبيع من مستوى الاتفاقيات الرسمية إلى مستوى الوعي المجتمعي والتربوي والثقافي.

وتأتي هذه الزيارة في وقت يواصل فيه العدو الإسرائيلي عدوانه على شعوب المنطقة، وفي مقدمتها فلسطين ولبنان، وسط جرائم قتل وتهجير وحصار واستهداف للمدنيين والبنى التحتية، ما يجعل الحديث عن “التسامح” و“الحوار” غطاءً سياسياً وأخلاقياً لتبييض صورة الاحتلال وإدخاله إلى المجتمعات العربية من أبواب ناعمة.

ويرى مراقبون أن خطورة هذا النوع من التطبيع تكمن في أنه لا يكتفي بإقامة علاقات سياسية واقتصادية، بل يسعى إلى إعادة هندسة الوعي العربي والإسلامي عبر تقديم الاحتلال كشريك ثقافي وديني، بينما يتم تجاهل حقيقة أنه كيان قائم على الاغتصاب والعدوان والاستيطان والإبادة.

وتضاف هذه الزيارة إلى سلسلة طويلة من الأنشطة الإماراتية المشتركة مع كيان الاحتلال، والتي تتواصل رغم تصاعد جرائمه في المنطقة، بما يكشف أن أبوظبي لم تعد تتعامل مع التطبيع كخطوة عابرة، بل كمشروع استراتيجي يستهدف تثبيت حضور العدو داخل المنطقة تحت عناوين الاقتصاد والدين والتعليم والثقافة.

اعتراف عبري جديد بفعالية الضربة الإيرانية.. صور تكشف إصابة مباشرة داخل قاعدة رامات ديفيد

كشفت صحيفة عبرية، اليوم الثلاثاء، عن صور أقمار اصطناعية تظهر إصابة مباشرة داخل قاعدة رامات ديفيد الجوية، جراء صاروخ إيراني أُطلق خلال جولة التصعيد الأخيرة، في اعتراف جديد بحجم الاختراق الذي أحدثته الضربات الإيرانية داخل واحدة من أبرز القواعد العسكرية التابعة للعدو الإسرائيلي.

وبحسب ما نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت”، فإن الصور أظهرت إصابة دقيقة لحظيرة طائرات داخل القاعدة الجوية، ما يؤكد أن الصواريخ الإيرانية تمكنت من تجاوز منظومات الدفاع الجوي والوصول إلى أهداف عسكرية حساسة في عمق الكيان.

ويُعد هذا الكشف تطوراً مهماً في مسار الاعترافات العبرية بنتائج الهجوم الإيراني، خصوصاً أن الاحتلال اعتاد التعتيم على خسائره العسكرية ومحاولة تقليل أثر الضربات التي تطاله، قبل أن تجبره الصور والتحليلات اللاحقة على الإقرار بوقوع إصابات مباشرة داخل منشآته الحساسة.

وتأتي هذه المعطيات بعد إقرارات صدرت عن مسؤولين ومحللين عسكريين إسرائيليين بفعالية الهجمات الإيرانية، إذ وصف عميد احتياط في جيش العدو القدرات الصاروخية الإيرانية بأنها “مثيرة للإعجاب”، في اعتراف لافت بتطور دقة الصواريخ الإيرانية وقدرتها على تهديد العمق العسكري للكيان.

كما اعتبر المحلل العسكري الإسرائيلي يوسي يهوشع أن جولة التصعيد الأخيرة ألحقت ضرراً بقوة الردع الإسرائيلية، في مؤشر إلى أن الضربات الإيرانية لم تكن مجرد رد رمزي، بل حملت أثراً عسكرياً ونفسياً داخل المؤسسة الأمنية للعدو.

وكان الحرس الثوري الإيراني قد استهدف، الأحد الماضي، قاعدة رامات ديفيد بصواريخ باليستية، ضمن هجوم صاروخي واسع على الكيان، رداً على التصعيد الإسرائيلي في لبنان وقصف العاصمة بيروت والضاحية الجنوبية.

وأكد الحرس الثوري أن العملية لا تمثل سوى “مجرد إنذار”، في رسالة واضحة للعدو بأن طهران تمتلك القدرة على توسيع بنك الأهداف ورفع مستوى الضربات إذا واصل الكيان عدوانه على لبنان وغزة ومحور المقاومة.

ويؤكد ظهور هذه الصور أن معادلة الردع دخلت مرحلة جديدة، عنوانها أن القواعد الجوية الإسرائيلية لم تعد خارج دائرة الاستهداف، وأن الضربات الإيرانية باتت قادرة على إرباك حسابات العدو داخل عمقه العسكري، لا على أطراف الجبهة فقط.

حين تصطدم أوهامُ البشر بصخور المشيئة الربانية

إن الكون كله -بحركته وسكونه، برزقه وعطائه- يسيرُ وفق هندسة إلهية بالغة الدقة، لا مجال فيها للمصادفة أَو العبث.

ومن أعظم الحقائق التي يرسّخها القرآن الكريم في نفوس المؤمنين هي حقيقة السيادة المطلقة لله عز وجل في توزيع فضله وكرمه؛ فالخلق خلقه، والأمر أمره، والعطاء عطاؤه، ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه.

حتمية الفضل الإلهي وسعة العطاء

عندما يريد الله سبحانه وتعالى أن يمُنَّ على عبدٍ من عباده بنعمة —سواءٌ أكانت عِلمًا، أَو تمكينًا، أَو رزقًا، أَو رفعة— فإن هذا العطاءَ لا يخضعُ لمقاييس البشر المادية، حتمًا يتدفق من خزائن رحمة الله التي لا تنفد.

قال تعالى: “مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ” (فاطر: 2).

إن جملة “ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ” تضع حدًّا حاسمًا لكل تساؤلات البشر القاصرة.

لماذا أوتي فلان ولم يؤتَ علان؟

الجوابُ هو الحكمةُ الإلهية، وهي المبدأ الذي يورث في قلب المؤمن الرضا والسلام الداخلي، لعلمه أن “اللَّهَ عَلَىٰ كُـلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”.

في مقابل هذا الفضل، تظهر فئة من البشر ضاقت قلوبُهم بنور اليقين، وامتلأت بحسدٍ أسودَ وضغينة قاهرة.

هؤلاء هم الذين يحاولون بأوهامهم وحِيَلِهم الماكرة أن يضعوا عوائقَ أمام قطار القدر، فيسعَون إلى قطع أرزاق العباد، أَو سلب النِّعم التي أنعم الله بها على غيرهم.

إن هؤلاء لا يدركون أنهم بحسدهم ومكرهم لا يحاربون الشخصَ المُنْعَم عليه فحسب.

هم في الحقيقة يعترضون على حكم الله: وكأنهم يخطئون اختيار الخالق في توزيعه، ويتحدون المشيئة الإلهية بمحاولتهم إغلاقَ بابٍ رزق فتحه الله.

العبدُ الحقُّ يسلّم للأمر ويرضى بالقسمة، أما الطاغيةُ الباغي فيرى في فضل الله على غيره تهديدًا لكيانه ومستكبره، تمامًا كما فعل إبليس حين حسد آدم، وكما فعل فرعون حين رأى في موسى زوال ملكه.

لقد توعد الله هؤلاء الماكرين بأن كيدَهم سيرتد إلى نحورهم، وأن محاولتهم الحجب والمنع هي محض سراب:

“أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ…” (النساء: 54).

ومن كان الله خصمَه وعدوه؛ بسَببِ بغيه على عباده الصالحين، فإن عاقبته الهلاك والخُسران المبين؛ فالله يمهل ولا يهمل، ويمد للمعتدي في طغيانه حتى إذَا أخذه لم يفلته.

إذن.. الرسالة التي يجب أن يستوعبها كُـلُّ صاحب حق، وكل مصلح يسعى لخدمة مجتمعه ودينه، هي أن قوةَ الماكرين هشة، وحيل المخادعين باطلة ما دام العبد متحصنًا بالقوي المتين.

فإذا مَنّ الله عليك بفضل، واستعملك في طاعته وخدمة خلقه، فلا تلتفت لمَن يحاولون إطفاء نور الله بأفواههم.

والحمد لله على فضله وكرمه، وهو على كُـلّ شيء قدير.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد المجيد جمعان

هرمز وباب المندب.. معادلة ردعٍ أقوى من الترسانات النووية

طالمَا سادَ الاعتقاد في أدبيات الاستراتيجية العسكرية والسياسية الدولية أن السلاح النووي هو ذروة أدوات الردع التي يمكن لبلدٍ ما أن يمتلكها لحماية سيادته وفرض شروطه على القوى العظمى؛ كونَه السلاح الوحيد القادر على إيقاف اندفاع الإمبراطوريات الطاغية.

إلا أن أحداث الساعات والأيّام الماضية كشفت للعالم عن سلاحٍ من نوع آخر؛

سلاحٌ صامت، لا يفجر المدن ولا يحرق البشر، لكنه قادر على شلّ عواصم القرار العالمي، وإجبار القوى الاقتصادية الكبرى على الركوع خلف طاولات التفاوض في غضون أَيَّـام.

إنه سلاح “الجغرافيا السياسية المحاربة” وتفعيل ما يُشبه “فكَّيْ الكماشة” على أهم مضائق الكوكب الاستراتيجية التي تتحكم بشرايين التجارة الدولية.

ومع اشتعال الجبهة اليمنية المباركة وإعلان القوات المسلحة في صنعاء رسميًّا فرضَ حظر ملاحي شامل وصارم على حركة الملاحة الإسرائيلية والمرتبطة بها في البحر الأحمر وباب المندب,

بالتزامن مع الإغلاق الشامل لمضيق هرمز ردًّا على الاعتداءات الأمريكية والضربات المتبادلة بين طهران وكيان الاحتلال، وجد العالم نفسه فجأة أمام واقع جيوسياسي واقتصادي جديد غير مسبوق.

وتحول الأمر إلى إطباق كامل على عنق حركة التجارة الدولية، تمثل أولًا في مضيق هرمز (الشريان الطاقي للعالم)، حَيثُ تراجعت حركة الملاحة فيه إلى نحو 5 % فقط من معدلها الطبيعي منذ اندلاع المواجهة المباشرة.

وتسبب إغلاق هذا الشريان الذي كان يحمل يوميًّا 20 % من إمدَادات النفط والغاز المسال العالمية في احتجاز أكثر من 1550 سفينة تجارية وعزل ما يقارب 22،500 بحار داخل مياه الخليج، مما أصاب أسواق الطاقة بـ “سكتة دماغية” مؤقتة.

وبالتوازي مع جبهة الخليج، جاء الحظر الملاحي الشامل في البحر الأحمر وباب المندب ليقطع الرابط الاستراتيجي والتاريخي بين الشرق والغرب عبر قناة السويس؛ ما يعني حرمان الاقتصاد الدولي من أسرع طريق تجاري يربط آسيا بأُورُوبا، ومصادرة “عنصر الوقت” الذي تبنى عليه المصانع والشركات الكبرى سلاسل إمدَادها.

إن عبقرية وخطورة هذا السلاح تكمن في كونه يتجاوز فكرة الضرر الموضعي أَو استهداف أمريكا وكيان الاحتلال بمفردهما.

فالتحكم في هذه المضائق هو أدَاة ضغط شاملة تضرب استقرار الاقتصاد العالمي ككل، وتحول “العولمة” التي تباهى بها الغرب عقودًا طويلة إلى نقطة ضعفه القاتلة، حَيثُ رفعت وكالات التصنيف العالمية توقعاتها لأسعار خام برنت بشكل حاد نتيجة هذا الإغلاق المُستمرّ، وقفزت الأسعار بنحو 31 % منذ بدء هذه الأزمة، وسط تحذيرات مرعبة من نقص إمدَادات قد يصل إلى 12 مليون برميل يوميًّا إذَا استمر الإغلاق، مما يهدّد بموجة تضخم عالمية لم يشهدها العالم منذ سبعينيات القرن الماضي، يضاف إلى ذلك حرب الاستنزاف اللوجستي المتمثلة في إجبار سفن الشحن الدولية على الدوران حول طريق رأس الرجاء الصالح، وهو ما يعني زيادة مسافة السفر بآلاف الأميال البحرية، وأكثر من ذلك يعني تضاعف تكاليف الشحن والتأمين البحري بأرقام فلكية، وتأخر وصول البضائع والمواد الخام لأسابيع، مما يهدّد بإغلاق مصانع ضخمة في أُورُوبا وأمريكا نتيجة غياب المدخلات الإنتاجية.

هذا التلاحم الميداني واللوجستي النوعي يثبت عمليًّا جدوى وعمق عقيدة “وحدة الساحات وعقيدة المواجهة”،

المعركة أكثر من مُجَـرّد جبهات متفرقة يمكن للقوى الغربية الاستفراد بها أَو الاستفراد بأي بلد عربي على حدة، فقد تحولت إلى “قوس نار ممتد” يعمل بتناغم غاية في الدقة.

والمفارقة الحالية هي أن السيطرة على هذه المضائق لم تعد تقتصر على البُعد العسكري المحض، فقد تحولت إلى أدَاة تحكم سياسي واقتصادي.

إذن.. يُفرض واقع جديد تدار فيه حركة المرور الدولية وفقًا لبُوصلة الموقف من قضايا الأُمَّــة المظلومة، وباتت خطوط الملاحة أوراق تفاوض سياسية كبرى تُستخدم لكسر الحصار عن الشعوب وإجبار الدول الكبرى على مراجعة حساباتها وتحالفاتها بشكل كامل.

لقد أعادت هذه المواجهة الكبرى تعريفَ مفهوم القوة وأدوات الردع في العصر الحديث، فبينما يكلِّف السلاح النووي مليارات الدولارات ويظل استخدامه مستحيلًا ومدمّـرًا لمن يملكه قبل غيره، أثبتت “الهيمنة على الممرات المائية” والقدرة على خنق الجغرافيا الاقتصاديّة أنها سلاح ردع شرعي، فعال، وفتاك، قادر على صياغة التوازنات الإقليمية والدولية من جديد، لتعلن للعالم أجمع أن زمن الغطرسة الأمريكية والتحكم المنفرد بمصير الشعوب قد انتهى، وأن من يمتلك جغرافية الأرض ويمتلك الشجاعة والإيمان لإدارتها عسكريًّا وسياسيًّا، هو من يمتلك -في نهاية المطاف- القول الفصل في صياغة ملامح النظام الدولي الجديد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مبارك حزام العسالي

أشباح تحت الأرض: كيف يقاتلُ حزب الله بدون جبهة؟!

منذ عام 2006 والعالم يتساءل، بما فيهم كاتب هذه السطور، فتعتري الجميع حالةٌ من الفضول لمعرفة كيف يمكن لقوة صغيرة، بلا دبابات ولا طائرات ولا تكنولوجيا متطورة، أن تصمد أمام جيش يملك كُـلّ شيء؟

حتى أصبحت الأرض التي تقف عليها أقدام مقاتلي حزب الله اللبناني معادلة حسابية دقيقة؛ فكل متر يتقدمه العدوّ يدفع ثمنه «دمًا ووقتًا وهيبةً»؛ لأن القيادة المركزية للحزب تعاملت مع تضاريس المعركة وجغرافيا المواجهة بوصفها سلاحًا للقتل المفاجئ، من خلال استخدام استراتيجية «الضربة والاختفاء»، ففقد العدوّ ميزة التفوق التكنولوجي، وفشل في تمييز الخطوط الواضحة لساحة المعركة، فلا يجد أمامه هدفًا واضحًا لتدميره.

▪️ملامح العقيدة العسكرية لحزب الله اللبناني:

يختلف الجناح العسكري لحزب الله عن كُـلّ الجيوش التقليدية في العالم، فقد بنى لنفسه عقيدة عسكرية متميزة ومختلفة، ومن أهم ملامحها:

الدفاع المرن:

وتعني استراتيجية الاعتراف بالواقع؛ بمعنى آخر، تعرف القيادة المركزية لحزب الله أنهم الأضعف تسليحًا، لكنهم الأذكى تكتيكًا.

وتستند هذه الاستراتيجية إلى التخلي الطوعي عن السيطرة المكانية بصورة مؤقتة، مقابل فرض كلفة بشرية وزمنية باهظة على العدوّ، فكل متر يتقدمه الصهاينة يدفعون ثمنه دماءً كثيرة، فيضطرون إلى التراجع رغمًا عنهم، ليعود مقاتلو حزب الله إلى السيطرة على المكان نفسه من جديد.

الضربة والاختفاء:

هذه الاستراتيجية هي ما جعل العدوّ يفقد ميزة التفوق التكنولوجي، فماذا تفعل الدبابات والطائرات أمام «المقاتل الشبح» الذي يخرج من مخابئ تحت الأرض ويهاجم قوة متقدمة من الخلف، فيجعلها عاجزة عن تحديد الوضعية المناسبة: دفاعية أم هجومية؟

التقسيم إلى وحدات مستقلة:

حوّل حزب الله القرار العسكري من غرفة عمليات واحدة إلى شبكة قيادات ميدانية موزعة جغرافيًّا في ساحة المعركة، ولكل وحدة حرية اتِّخاذ القرار المناسب دون الرجوع إلى القيادة المركزية، ضمن قيود معينة متفق عليها بين الوحدة والقيادة المركزية، بما يحمي البنية القيادية للحزب.

الردع طويل الأمد:

اعتمدت قيادة حزب الله اللبناني هذه الاستراتيجية؛ لأنها تدرك تمامًا أن كُـلّ يوم يمر في الميدان دون حسم صهيوني يعني انتصارا سياسيًّا لحزب الله، لأن مرونة المواجهة من جانب الحزب حولت ضعف التسليح إلى قوة في حرب الخنادق والأنفاق، وكلفت الجانب الإسرائيلي الدم والوقت والهيبة، وأضعفته سياسيًّا وعسكريًّا.

▪️أدوات العقيدة العسكرية لحزب الله اللبناني:

الخنادق والتحصينات.

الصواريخ الدقيقة وغير الدقيقة، والطائرات المسيّرة.

المعرفة بجغرافيا المواجهة وتضاريس الجبهة.

تماسك البيئة الحاضنة لحزب الله اللبناني.

إذن..بنى حزب الله اللبناني عقيدته العسكرية على الدفاع المرن الذي يقوم على شبكة من الوحدات المدرَّبة تدريبًا دقيقًا والقادرة على الضرب والمناورة والاختفاء، وليس على خطوط ثابتة؛ لذلك هم قادرون على الصمود والثبات والتفوق.

فهم فتية آمنوا بربهم فزادهم هدى، لم ينتظروا الزمان ولا تصفيق الناس، فقد وقفوا حين جثا الجميع، وقالوا كلمة الحق حين ابتلع الخوف كُـلّ الألسن.

وفي زمن تُقاس فيه الرجولة بالعدة والعدد، علموا العالم أجمع أن الثبات رجل واحد، شرط أن يصدق مع الله.

وهكذا تبقى قصة حزب الله «أشباح الأرض» منارةً لكل الأحرار في العالم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غيث العبيدي

من سلك طريق الجهاد.. اعتز بالله!!

إن من سلك طريقَ الجهاد ومواجهة أعداء الله من اليهود والنصارى اعتز بالله، واحتمى بالناصر المعين الذي لن يتركه وحيدًا ما دام ملتزمًا بتوجيهاته؛ قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِئة يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ)) [الأنفال: 65].

لقد دعا الله سبحانه وتعالى نبي الرحمة إلى تحريض المؤمنين على الجهاد، ووضع سِر الأمان والغلبة للمؤمنين بجعل التمكين لهم ضعفين أَو عشرة أضعاف من حَيثُ العدد والعدة في مواجهة جند الكفر؛ وكان هذا التمكين مشهودًا في المعارك الأولى يوم كان السلاح السيف والرمح.

وَإذَا ما تساءلنا اليوم عن تجليات هذا التمكين الإلهي في زمننا هذا -حيث اختلفت طبيعة المعارك، وتطور العتاد، وتغيرت تكتيكات الجيوش- فإننا نجده شاخصًا في الصمود الأُسطوري لمحور المقاومة في مواجهة قوى الشر والاستكبار العالمية.

إن التمكين الإلهي لأبطال المقاومة في غزة اليوم يفوق بكثير الحسابات المادية المُجَـرّدة؛ فلا مقارنة تُذكر بين عتاد فصائل المقاومة الفلسطينية كـ “حماس” وبين الترسانة الهائلة لأمريكا وبريطانيا وكيان الاحتلال.

ومع ذلك، فشل هذا التحالف الشرير أمام بأس المجاهدين؛ فلئن كانت قوى الاستكبار تفرض سيطرتها ونفوذها الدولي ومخطّطاتها في الميمنة والميسرة وفي كُـلّ الاتّجاهات برًّا وبحرًا وجوًّا، إلا أن الله سبحانه وتعالى حاضرٌ بمدده في كُـلّ ميدان مواجهة يثبت فيه المؤمنون صونًا لدينهم ومقدساتهم.

فاتورة الخنوع.. وحكام الخليج الذينَ يشترون ذلَّهم بأغلى الأثمان!

إن من سلك طريقَ الجهاد اعتز بالله، ومن سلك درب الخنوع والاستسلام وأوهام “السلام” مع أعداء الله أذلَّه الله، وجعله يسدد فاتورة مُستمرّة للاستسلام لا تتوقف عند حدود زمنية؛ إذ يظهر الأعداء بين الحين والآخر بفواتير جديدة يجب على الأنظمة المنبطحة دفعها صاغرة.

وهذا هو العقاب الإلهي العادل؛ لقد أضحت عواصمُ الخيانة تتسابق على شراء ذلها وذل شعوبها، وأصبح للذل سوق وبورصة يشتري منها حكام الخليج الصفقات الفاشلة بأغلى الأثمان، وتجد “أصحاب السمو” على أتم الجهوزية لتوقيع عقود الإذعان للمعتوه “ترامب” الذي يبيعهم الوهم؛ ابتداءً من مزاعم الاستثمار إلى وعود توفير الحماية.

لقد خسر حكام الخليج أموالهم وثروات شعوبهم، وعجزت أمريكا حتى عن حماية قواعدها العسكرية الرابضة فوق أراضيهم، لتتحول دول الخليج إلى نقطة محك متقدمة ما بين محور المقاومة وواشنطن.

والمبكي المضحك في حالة التخبط الخليجي، أن تلك الأنظمة باتت تدافع عن القواعد الأمريكية بالسلاح الذي اشترته بأموال شعوبها، ليتحول هذا السلاح إلى خط دفاع أول لحماية جنود البنتاغون بحجّـة “حماية السيادة”!

ابتُليت تلك الدول بالتواجد العسكري الأمريكي، وانطبق على القوات الأمريكية في بلادهم المثال اليمني الشعبي الساخر:

“حامي حُميد بن منصور.. يشتي من الحي حامي”!

فلم ينصح يهودي يومًا لمسلم، ولن يوفر نصراني مستعمر حماية للعرب، لكن هؤلاء الحكام “المهافيف” يعانون من داء الاستحمار المستحكم؛ ولو أمطرت سماء الخليج حرية وإباءً، لرأيت “أصحاب السمو والجلالة” يرفعون المظلات استظلالًا وخوفًا منها!

تقلبات “ترامب” المِزاجية وصناعة فجر الصادقين

وعلى الضفة الأُخرى من ميزان القوة، سلك أبطال محور المقاومة طريق الجهاد رغم قلة الإمْكَانات المالية والعسكرية، ورغم غلظة الحصار والقيود التي تحيط بجبهات القتال، فكانت النتيجة أن أعزهم الله بعزته، وتجلى التمكين الإلهي في كسر عصا أمريكا الغليظة في غزة، وفي اليمن، وفي لبنان، وفي إيران.

ولعل أكبر دليل على هذا الانكسار التاريخي للاستكبار هو تصريحات الرئيس الأمريكي المعتوه “ترامب”، الذي يعيش مع العجز والفشل تقلبات مزاجية غريبة؛ فتراه يصرح بين الحين والآخر مهدّدا ثم يتراجع، ويتوعد ثم يخلف الوعد، كأن عقله يمر بتقلبات الطقس وتغير المناخ، ويصرح وفقًا للفصول الأربعة!

هكذا تتهاوى هيبة “الدولة العظمى” أمام عزم وتضحيات الصادقين الذين وصفهم جل وعلا بقوله:

((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأموالهِمْ وَأنفسهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)) [الحجرات: 15]..

صدق الله العظيم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يحيى صالح الحَمامي

تلاحم محور الجهاد والمقاومة.. معادلة الردع الجديدة

تحمل الضرباتُ العسكريةُ التي وجّهتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية في عُمق كيان الاحتلال الصهيوني -ردًّا على الاعتداء الغاشم الذي استهدف الضاحية الجنوبية في لبنان- أبعادًا عسكرية واستراتيجية بالغ الأهميّة في مسار إدارة الصراع؛ إذ حقّقت هذه الضربات عُنصر المفاجأة الذي يعد أحد أهم ركائز الانتصار في الحروب، فضلًا عن دورها الحاسم في توسيع دائرة الاشتباك.

إن هذا التغير الاستراتيجي في قواعد الاشتباك مع العدوّ الصهيوني يحمل دلالة واضحة على مستوى القوة والاقتدار الذي وصلت إليه الجمهورية الإسلامية، ويؤكّـد استعدادها التام للتعامل مع مختلف المتغيرات الميدانية.

بات واضحًا أن كيان الاحتلال الصهيوني يقف اليوم أمام هزيمة حتمية لا مفر منها، وأن مؤشرات زواله باتت أقرب من أي وقت مضى.

اليمن وتكريس معادلة “وَحدة الساحات”

في السياق ذاته، جاء الدخول الفاعل والقوي للقوات المسلحة اليمنية في خط المواجهة ليُظهر تلاحمًا ميدانيًّا منقطع النظير؛ فإعلان اليمن إغلاق الملاحة البحرية في البحر الأحمر أمام سفن كيان الاحتلال الصهيوني، واستهداف مواقع حيوية في عمق أراضيه المحتلّة، شكّل مبادرة استراتيجية أربكت حسابات العدوّ وخلطت أوراقه.

إذن.. الرسالة الأَسَاسية للمحور تقول:

لم يعد مسموحًا للاحتلال بالاستفراد بأي جبهة من جبهات المقاومة، وأي عدوان يستهدف مجاهديها سيُقابل برد جماعي وموحد.

لقد أثبتت المعطيات الراهنة أن العدوّ لا يفهم إلا لُغة القوة، وأن زمن الاستفراد بالجبهات قد ولَّى بلا رجعة، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها “وحدة الساحات” وتكامل البنادق من طهران إلى بيروت وصنعاء وغزة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

طاهر حسن جحاف