الرئيسية بلوق الصفحة 101

حزب الله يشيد بردّ طهران وصنعاء: معادلة الإسناد تثبت أن لبنان ليس وحيداً في مواجهة العدوان

"حزب الله" يدين اعتداءات "العدو الإسرائيلي" على الأراضي السورية

أشاد حزب الله بالرد الصاروخي الإيراني واليمني على الكيان الصهيوني، مؤكداً أن هذا الرد مثّل رسالة التزام أخلاقي وسياسي وميداني من الجمهورية الإسلامية في إيران وصنعاء تجاه لبنان وحقوقه المشروعة، بعد تمادي العدو الإسرائيلي، بغطاء أمريكي كامل، في ارتكاب جرائمه ضد لبنان واستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت ضمن خروقاته المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار.

وقال الحزب، في بيان، إن الرد الإيراني، المتزامن مع الدعم اليمني المشكور من حركة أنصار الله، يأتي في إطار العمل المشترك لردع الكيان الصهيوني، وإفهام الإدارة الأمريكية أن دعمها المفتوح للعدوان الإسرائيلي على لبنان سيطيح بكل الاتفاقات التي تسعى إليها، خصوصاً في ظل إصرار الجمهورية الإسلامية على أن يتضمن أي اتفاق معها وقفاً شاملاً لإطلاق النار في كل الجبهات، وفي مقدمتها الجبهة اللبنانية.

وأكد حزب الله أن هذا المسار يشكل مقدمة لفرض انسحاب العدو من الأراضي اللبنانية، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار، وإطلاق الأسرى، مشدداً على أن الردود الإيرانية واليمنية لا تنفصل عن معركة تثبيت حقوق لبنان الوطنية، بل تأتي كجزء من معادلة إسناد إقليمية تمنع العدو من التفرد بأي ساحة من ساحات المقاومة.

وأوضح الحزب أن الدعم الإيراني لحقوق لبنان المشروعة، وتحمل طهران كلفته المادية والسياسية، يؤكد مرة جديدة أن إيران هي من تساند لبنان وليس العكس، انطلاقاً من مبادئها وقيمها الإنسانية، ومن عمق العلاقة التاريخية بين الشعبين اللبناني والإيراني.

ولفت البيان إلى أن إيران كانت على الدوام تريد الخير للبنان، وأسهمت في دعم مقاومته لتحرير أرضه، وفي إعادة إعمار ما دمره العدوان الصهيوني، معتبراً أن موقفها المشرف إلى جانب لبنان يستحق من السلطة اللبنانية الشكر لا التنكر والإساءات المتعمدة استجابة لإملاءات خارجية.

وأشار حزب الله إلى أن الأصوات المدفوعة بتلك الإملاءات لن تؤثر على صدقية الموقف الإيراني الشجاع، ولا على قيمة هذا الوفاء النادر في زمن تغليب المصالح على المبادئ، مؤكداً أن الاتهامات الباطلة التي صدرت عن بعض جهات السلطة ضد الدور الإيراني المساند للبنان مرفوضة بالكامل، لأنها تجافي الحقيقة وتتناقض مع مصلحة لبنان الوطنية.

واعتبر الحزب أن التهجم على إيران، بما في ذلك البيان المشترك مع العدو والإدارة الأمريكية ضدها، يمثل خروجاً عن قواعد العلاقات الدبلوماسية، واصطفافاً مداناً لم يخدم سوى الكيان الصهيوني، في وقت كان لبنان أحوج ما يكون إلى كل عناصر القوة والدعم السياسي والميداني في مواجهة العدوان.

ودعا حزب الله السلطة اللبنانية إلى اغتنام الفرصة المتاحة وتصحيح علاقتها الرسمية مع الجمهورية الإسلامية، بما يخدم مصالح البلدين، والاستفادة من الدعم الإيراني لتحقيق أهداف لبنان الوطنية، خصوصاً في ضوء تشكل المظلة الإقليمية الجديدة المنبثقة من مفاوضات إسلام آباد.

وأكد الحزب أن الدولة اللبنانية تستطيع، من خلال مفاوضات غير مباشرة مع العدو، وبالاستناد إلى هذه المظلة الإقليمية وعوامل القوة التي تشكلها المقاومة وصلابة الموقف الشعبي والتفاهمات الداخلية، تحقيق مطالب الشعب اللبناني في تحرير الأرض وعودة النازحين وإعادة الإعمار وصون السيادة الوطنية.

وختم حزب الله بيانه بتوجيه التحية إلى الجمهورية الإسلامية في إيران، قيادةً وشعباً ومؤسسات، قائلاً إنه باسم شعب لبنان وعائلات الشهداء والصامدين والنازحين وكل حر وشريف، يقدر عالياً هذا الوفاء الإيراني، ويحيي شجاعة الموقف النبيل للولي الفقيه، ورئيس الجمهورية، والحكومة، والبرلمان، والجيش، والحرس الثوري، وأبناء الشعب الإيراني، على وقفتهم المشهودة إلى جانب حقوق لبنان المشروعة وقضيته الوطنية.

وشدد الحزب على أن هذه الحقوق سيواصل الدفاع عنها من خلال مقاومته البطولية حتى تحقيقها، مهما غلت التضحيات، ليبقى الشعب اللبناني على أرضه يعيش بعزة وكرامة وحرية.

عدن وحضرموت تحت الغليان.. ضحايا برصاص المرتزقة وانهيار الكهرباء يدفع الشارع إلى الانفجار

تتواصل، لليوم الثالث على التوالي، الاحتجاجات الشعبية الغاضبة في عدن وحضرموت، تنديداً بتردي خدمات الكهرباء والمياه، واتساع رقعة الانهيار المعيشي والخدمي في المحافظات الواقعة تحت سيطرة التحالف ومرتزقته.

وتحوّلت الاحتجاجات الشعبية في عدد من المناطق إلى صدامات مع قوات عسكرية وأمنية تابعة للمرتزقة، بعد خروج المواطنين للتعبير عن غضبهم من الانقطاعات الطويلة للكهرباء، وتفاقم أزمة المياه، وغياب أي معالجات حقيقية تنهي معاناة السكان في ظل موجة الحر الخانقة.

وكانت مدينة سيئون في حضرموت من أكثر المناطق توتراً، حيث قُتل الشاب مناف باسبعين برصاص قوات عسكرية قمعت الاحتجاجات، فيما أُصيب آخرون جرى نقلهم إلى المستشفى، في مشهد يعكس انتقال سلطة المرتزقة من الفشل الخدمي إلى القمع المباشر للمواطنين المطالبين بحقوقهم الأساسية.

وفي مدينة عدن، أُصيب الشاب نسيم عبدالله إصابة خطيرة، جراء إطلاق النار لتفريق المحتجين في منطقة جولة السفينة، قبل أن يتم نقله إلى المستشفى، وسط حالة غضب شعبي متصاعدة من استخدام الرصاص في مواجهة مطالب خدمية ومعيشية مشروعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه عدن واحدة من أقسى أزماتها الخدمية، حيث دفعت الانقطاعات الطويلة للكهرباء وارتفاع درجات الحرارة المواطنين إلى الخروج للشوارع، بعد أن تحولت المنازل إلى أماكن خانقة لا تصلح للنوم أو الحياة الطبيعية، خصوصاً بالنسبة للأطفال وكبار السن والمرضى.

وفي مديرية خور مكسر، توفي المواطن يوسف مهدي أفندي، أحد الكوادر العاملة في مستشفى الجمهورية، إثر عارض صحي مفاجئ، وسط تداول واسع لأنباء تربط الوفاة بضغوط موجة الحر الشديد والانقطاعات الطويلة للتيار الكهربائي، في ظل انهيار منظومة الخدمات الأساسية داخل المدينة.

وتشهد عدن موجة حر صيفية خانقة تضاعف معاناة المواطنين، لا سيما الفئات الضعيفة من الأطفال وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، في وقت تعجز فيه حكومة عدن الموالية للتحالف عن توفير الحد الأدنى من الخدمات، رغم سيطرتها على موارد وموانئ ومنافذ يفترض أن تنعكس على حياة السكان.

وتتسع حالة الاحتقان والغليان الشعبي في مختلف مديريات عدن وحضرموت، مع تزايد المطالب بالتدخل العاجل لإنهاء أزمة الكهرباء والمياه وتحسين الأوضاع المعيشية، التي بلغت مستويات غير مسبوقة من التردي والانهيار.

ويرى مراقبون أن ما يجري في عدن وحضرموت يكشف فشل مشروع التحالف وأدواته في إدارة المحافظات الجنوبية، حيث تحولت الخدمات الأساسية إلى أوراق ابتزاز وصراع نفوذ، بينما يُترك المواطنون في مواجهة الحر والعطش والظلام والقمع.

وبينما يطالب المواطنون بأبسط حقوقهم في الكهرباء والمياه، ترد قوات المرتزقة بالرصاص والقمع، في مشهد يختصر طبيعة السلطة القائمة في مناطق الاحتلال: فشل في الإدارة، وعجز في الخدمات، وقمع عند أول صرخة شعبية ضد الانهيار.

زلزال مدمر يضرب جنوب الفلبين.. 32 قتيلاً وأكثر من 100 مصاب وتحذيرات من تسونامي

لقي ما لا يقل عن 32 شخصاً مصرعهم، وأُصيب أكثر من 100 آخرين، إثر زلزال قوي بلغت شدته 7.8 درجات ضرب قبالة سواحل جنوب الفلبين، صباح الاثنين، متسبباً بأضرار واسعة في المباني والبنى التحتية، ومطلقاً تحذيرات من موجات تسونامي في عدد من المناطق.

ووقع الزلزال قبالة سواحل جزيرة مينداناو عند الساعة 7:37 صباحاً بالتوقيت المحلي، وفقاً لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، وشعر به السكان بقوة في مناطق واسعة من الجزيرة، وصولاً إلى جزيرة سولاويسي الإندونيسية الواقعة على بعد نحو 420 كيلومتراً.

وجاء الزلزال مع عودة الطلاب إلى المدارس بعد عطلة طويلة، ما ضاعف حالة الذعر بين الأهالي والطلاب والمعلمين. وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على منصات التواصل الاجتماعي أطفالاً يصرخون داخل الفصول الدراسية بينما كانت المباني تهتز بقوة، في حين حاول المعلمون تهدئتهم وإجلاءهم إلى أماكن أكثر أماناً.

وعقب الزلزال، أمر الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس بتعليق الدراسة في المناطق المتضررة، مؤكداً أن السلطات تعمل على تجهيز مراكز الإيواء وإمدادات الإغاثة للمتضررين، في ظل استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار.

وقالت السلطات الفلبينية إن الزلزال أعقبته أكثر من 200 هزة ارتدادية، شعر السكان بعدد منها في أنحاء مينداناو، بينها 9 هزات قوية على الأقل، بلغت أعنفها 6.7 درجات، ما زاد من مخاوف السكان وعرقل جهود الإنقاذ في بعض المناطق.

وتُعد مدينة جنرال سانتوس، الواقعة بالقرب من مركز الزلزال، من بين أكثر المناطق تضرراً، حيث أظهرت مقاطع مصورة نشرتها جهات حكومية انهيار عدد من المباني، بينها فرع لسلسلة مطاعم الوجبات السريعة “جوليبي”.

وأفادت الشرطة بأن ما لا يقل عن 37 مبنى تضرر جراء الزلزال، معظمها منشآت تجارية، وسط توقعات بارتفاع حصيلة الأضرار مع استمرار فرق الطوارئ في حصر الخسائر والبحث عن عالقين محتملين تحت الأنقاض.

وتواصل السلطات الفلبينية أعمال الإنقاذ والإغاثة، في وقت لا تزال فيه الهزات الارتدادية تشكل خطراً على السكان، خصوصاً في المناطق الساحلية والمباني المتضررة، وسط دعوات رسمية للمواطنين بالالتزام بتعليمات السلامة وتجنب العودة إلى المنشآت المتصدعة.

باب المندب يدخل قلب المواجهة.. إعلام العدو: صنعاء تنفّذ ما كانت تخشاه تل أبيب

باب المندب يدخل قلب المواجهة.. إعلام العدو: صنعاء تنفّذ ما كانت تخشاه تل أبيب

كشفت وسائل إعلام عبرية عن حالة قلق متصاعدة داخل كيان العدو الإسرائيلي، عقب إعلان القوات المسلحة اليمنية بدء حظر الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر، بالتزامن مع تنفيذ عملية صاروخية استهدفت أهدافاً حساسة في عمق فلسطين المحتلة، في تطور يعكس انتقال المواجهة إلى مستوى استراتيجي جديد يربط بين الجبهة الصاروخية وورقة الممرات البحرية.

وأكدت تقارير عبرية أن إعلان صنعاء إغلاق مضيق باب المندب أمام الملاحة المرتبطة بالعدو الإسرائيلي يمثل واحداً من أخطر التحولات في مسار المواجهة الإقليمية، باعتبار المضيق ممراً حيوياً يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ويمثل شرياناً رئيسياً للسفن المتجهة من وإلى قناة السويس.

ونقلت وسائل إعلام العدو عن المتحدث العسكري باسم القوات المسلحة اليمنية العميد يحيى سريع تأكيده أن صنعاء أعلنت “حظراً كاملاً على ملاحة العدو الإسرائيلي في البحر الأحمر”، وأن “أي تحرك إسرائيلي أصبح هدفاً عسكرياً مشروعاً” للقوات المسلحة اليمنية.

ويأتي هذا الإعلان في ذروة التصعيد الإقليمي بين محور المقاومة والعدو الإسرائيلي، وبعد العدوان الإسرائيلي على لبنان وإيران وغزة، ما يمنح القرار اليمني بعداً عسكرياً يتجاوز البحر الأحمر، ويربطه مباشرة بمعادلة وحدة الساحات التي تؤكد أن الاعتداء على أي ساحة من ساحات المقاومة لن يبقى دون رد من الساحات الأخرى.

وبحسب الإعلام العبري، فقد تزامن إعلان صنعاء مع دوي صفارات الإنذار في مناطق واسعة من وسط فلسطين المحتلة، شملت تل أبيب الكبرى والسهل الساحلي ولاخيش، عقب إطلاق صاروخ من اليمن باتجاه أراضي العدو، قبل أن تتبعها موجات إنذار إضافية مع استمرار الهجمات الصاروخية في المنطقة.

وأقرت تقارير عبرية بأن انخراط صنعاء في هذه المرحلة يضيف تحدياً جديداً أمام المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، التي تجد نفسها أمام جبهات متعددة مفتوحة في وقت واحد، من إيران ولبنان وغزة، وصولاً إلى اليمن والبحر الأحمر.

وفي دلالة لافتة، اعتبرت وسائل إعلام عبرية أن اليمنيين “دخلوا بعمق في المواجهة”، وأن إعلان حظر الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر هو تحديداً “ما كانت إسرائيل تخشاه”، في اعتراف واضح بأن صنعاء لم تعد طرفاً هامشياً في المعادلة، بل أصبحت لاعباً استراتيجياً قادراً على الضغط في واحدة من أكثر النقاط حساسية بالنسبة للكيان وحلفائه.

وتكمن خطورة القرار اليمني في أنه لا يقتصر على استهداف عسكري مباشر داخل فلسطين المحتلة، بل ينقل المواجهة إلى المجال البحري والاقتصادي، حيث يصبح البحر الأحمر وباب المندب ساحة ضغط متقدمة ضد العدو الإسرائيلي، ويصبح أي تحرك ملاحي مرتبط به معرضاً للاستهداف وفق قواعد الاشتباك التي أعلنتها صنعاء.

ويرى مراقبون أن هذا التطور يضع الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي أمام مأزق مركب؛ فمن جهة تسعى واشنطن إلى منع اتساع الحرب الإقليمية، ومن جهة أخرى تواصل منح الغطاء السياسي والعسكري للعدوان الإسرائيلي على غزة ولبنان وإيران، بما يدفع محور المقاومة إلى توسيع أدوات الرد وفتح ساحات ضغط جديدة.

وتشير التغطيات العبرية إلى أن واشنطن تحاول الظهور بمظهر الساعي إلى الاحتواء والدبلوماسية، إلا أن الوقائع الميدانية تؤكد أن استمرار الدعم الأمريكي للعدو الإسرائيلي هو العامل الأساسي في توسع المواجهة، خصوصاً مع تصاعد الضربات الإيرانية واليمنية وتنامي الضغط على الجبهة الداخلية للكيان.

ويكشف إعلان صنعاء أن القوات المسلحة اليمنية لم تعد تتحرك ضمن مستوى الإسناد الرمزي، بل انتقلت إلى مرحلة فرض المعادلات؛ فالصواريخ تضرب عمق العدو، والبحر الأحمر يتحول إلى مجال حظر على الملاحة الإسرائيلية، وباب المندب يدخل كأداة ردع استراتيجية في قلب المواجهة.

كما يؤكد القرار اليمني أن صنعاء تتعامل مع العدوان الإسرائيلي على غزة ولبنان وإيران باعتباره عدواناً على محور كامل، لا على ساحة منفصلة، ولذلك جاءت العملية الصاروخية وإعلان الحظر البحري كترجمة عملية لمبدأ “التصعيد بالتصعيد”.

صيف عدن.. الحَـر والجوع والخوف

صيف مدينة عدن يونيو 2026م امتحانٌ صامِتٌ يُوقدُ في قلوب أبنائِها الكرامِ جمرَ الصَّبر، ويَرسمُ على أجسادهم نُقوشَ المُقاومة.. وقادة الفنادق المكيَّفة في الخارج برواتبَ بالعُملاتِ الصَّعبة لا يبالون!

بعثَ لي أحدُ الأصدقاءِ الكرامِ – وهوَ السَّاكنُ في ضاحيةِ كريترَ / عَدَن، صديقٌ عزيزٌ وَزميلُ عُمرٍ ودراسةٍ وحياةٍ، بعثَ بهذهِ الصَّورةِ المُرفقةِ بمقالتي هَذِهِ، والمُلتقطةِ ليلةَ سبتِ 6 / يونيو / 2026 م.

فالصُّورةُ تُظهرُ للمُشاهدِ الكريمِ أعدادًا منْ جُموعِ الـمُواطنينَ اليمنيينَ يُقَدَّرُ عددُها المُشاهدُ بالمئاتِ، ورُبَّما بالآلاف، وهمْ منَ سُكَّانِ أحياءِ عَدَن منْ مدينةِ كريتر العدنيَّةِ ذاتِ التَّاريخِ الحضاريِّ والإنسانيِّ الطَّويلِ المُوغلِ في عُمقِ الحضاراتِ اليمنيَّةِ المُتعاقبةِ.

ولأوَّلِ مرَّةٍ في حياتي أشاهدُ صُورةً تُجسِّد هَذِهِ الأعدادَ الهائلةَ منَ المُواطنينَ ذكُورًا، وإناثًا منْ مُختلفِ الأعمارِ، وهُم يفترشُونَ الأرض، نعمْ أرضَ الشَّارعِ الاسفلتيّ في شارعٍ حيويٍّ، ومُهمٍّ في مدينةٍ عصريَّةٍ هيَ عَدَن، ذلكَ الشَّارعُ الطَّويلُ العريضُ التاريخيُّ المُسمَّى شارعَ الملكةِ / أروى بنتِ أحمد الصُّليحيّ / كريتر.

أذهلتْني الصُّورةُ السِّرياليَّةُ الرَّمزيَّةُ لهؤلاءِ المُواطنينَ البُسطاءِ الشُّرفاءِ المُنتمينَ إلى مُختلفِ المُستوياتِ الثقافيَّةِ، والعِلميَّةِ، والفِكريَّةِ، وَالمعيشيَّةِ، والإنسانيَّةِ، كيفَ لا تدهشُني صُورةُ اللحظةِ الصَّادِمةِ!!! لمُواطني مدينةٍ، وأحياءٍ عصريَّةٍ، حضاريَّةٍ كـ كريتر التي احتضنتْ ذاتَ يومٍ وما زالتْ مكتبةَ المُفكِّرِ / عبدالله باديب الثقافيَّةَ العامَّةَ (1980م)، ومكتبةَ الفيلسُوفِ / مِسواط للأطفال والجيلِ الجديدِ (1919م)، ودارَ العلَّامةِ / مُحمَّد بنِ سالم البيحانيّ (1957م)، وصهاريجَ عَدَن التَّاريخيَّةَ، وقلعةَ صيرةَ “حاميةَ حِمى” مدينةِ كريتر، ومسجدَ الحبيبِ العلَّامة/ العيدُروسِ (شُيِّدَ في عامِ 890 هـ/ 1485 م،)، ومدرسةَ رجلِ الخيرِ والتقوى / بازرعةَ الخيريَّةَ (1912 – 1917 م)، ومعهدَ جميل غانم للفنُونِ الجميلةِ، وقصرَ الشُّكرِ للسُّلطانِ / العبدليّ (1012 – 1918م)، ومنارةَ عدن الحضاريَّةَ، ومصرفَ اليمنِ، والبنكَ الأهليَّ اليمنيَّ، وكنيسةَ / سانتْ ماري جاريسنْ (1867 م)، وَكنيسةَ القديسةِ ماريا (1871م) التي تحوَّلتْ عامَ 1947م إلى ما سُمِّيَ المجلسَ التشريعيَّ لعدن.

وهُنا تذكَّرتُ مبنى كليَّةِ الاقتصاد والإدارة / جامعةِ عدنَ (1973م) / كريتر التي انتسبنا إليها طُلابًا في مُقتبلِ شبابِنا، وتقعُ الكليَّةُ، والسَّكنُ الطلابيُّ لطلابِ جامعةِ عَدَن في هذا الشَّارعِ التاريخيّ، شارعِ الملكةِ أروى – بطولِهِ وعرضِهِ، وبشحمِهِ ولحمِهِ – كما يقولُها السَّاكنونَ في هذا الشَّارعِ، وهُنا أمضينا بها أربع سنواتٍ جميلةٍ لطيفةٍ عزيزةٍ.

فكيفَ يتحوَّلُ الشَّارعُ الإسفلتيُّ الحارقُ منْ ممرٍ واسِعٍ لعبُورِ السَّياراتِ، والنَّاقلاتِ، وجميعِ أشكالِ وسائلِ النَّقلِ السَّائرةِ جيئةً وذهابًا بصخبِها، وضوضائِها، وحركتِها الدَّائبةِ ليلَ نهارَ؟؟؟، كيفَ تتحوَّلُ إلى ساحةِ استراحةٍ، واسترخاءِ ونومٍ عميقٍ بعدَ جُهدِ يومٍ مُحملٍَّ بالهمِّ والغمِّ والانكسار، ونكدِ الدُّنيا.

وأجزمُ ومعي الكثيرونَ منَ الناسِ مَنْ يعرفُ مدينةَ كريتر عنْ قُربٍ، أَو عاشَ فيها، بأنَّ هذا الشَّارعَ الحيويَّ والرَّئيسيَّ مُنْذُ أنْ تَمَّ تعبيدُهُ في زمنٍ غابرٍ طريقًا للدَّوابِّ، والخُيولِ، والجمالِ والحميرِ والبغالِ وُصُـولًا إلى وسائلِ النقلِ الحديثةِ..

هذا الشَّارعُ تحديدًا لَمْ يُغلقْ، ولَمْ يتحوَّلْ يومًا إلى فضاءٍ واسِعٍ لطلبِ الاسترخاءِ، والنَّومِ العميقِ في جميعِ فصُولِ السَّنةِ، ومُنذُ أنْ حطَّ الإنسانُ اليمنيُّ الأول عليها، واستقرَّ على رمالِ شواطئِها، منذُ زمنِ الحضاراتِ اليمنيَّةِ القديمةِ؛ كالسَّبئيَّةِ، والحِميَريَّةِ، والأوسانيَّةِ، والقتبانيَّةِ، مُرورًا بجميعِ الدُّولِ والدُّويلاتِ اليمنيَّةِ التي جعلتْ منْ مدينةِ عدن عاصمةً لها، وُصُـولًا إلى زمنِ حُكمِ السَّيِّدةِ الحُرَّةِ / أروى بنتِ أحمد الصُّليحيّ – رحمةُ اللهِ عليها – والتي رفضتِ الارتباطَ بابنِ عمِّها، والزَّواجَ بهِ إلا بشرطٍ واحدٍ، وهوَ أنْ يكونَ مهرُها للزَّواجِ بأنْ تستحوذَ، وتمتلكَ جميعَ خَرَاجِ عَدَن، وقدْ ذُكِرَ في أضابيرِ تاريخِ الدَّولةِ اليمنيَّةِ الصُّليحيَّةِ بأنَّ نقلَ تلكَ الأموال الثمينةِ، والغاليةِ منْ مدينةِ عَدَن إلى مدينةِ “مُذَيْخِرَة” بالتالي:

حينَما يتمُّ نقلُ البضائعِ الثمينةِ منْ ميناءِ عَدَن إلى مدينةِ “مُذَيْخِرَة” بالقُربِ منْ مدينةِ إب، تكونُ آخر القافلةِ في ميناءِ المُعلا، وأوَّلُها في عقبةِ منطقةِ الرَّاهدةِ / تعز.

وحتّى معَ وصُولِ الْغَازِي المحتلّ البريطانيّ الكابتنِ / ستافورد بيتسوورث هينز، لمدينةِ عَدَن في 19 يناير عامَ 1839م، واتِّخاذهِ ضاحيةَ كريتر موقِعًا، ومدينةً، وسكنًا لجُنودِ الاحتلال البريطانيّ لَمْ يشهدْ هذا الشَّارعُ، ولا المُواطنونَ السَّاكنونَ فيهِ مِثلَ ذلكَ الجَورِ، والعَسْفِ، والظُّلمِ الذي شاهدناهُ قبلَ يومينِ اثنينِ.

ومرَّتْ على هذا الشَّارعِ دُولٌ، وحُكوماتٌ، ورؤساءٌ ومُحافظونَ، منهُمْ قوميُّونَ واشتراكيُّونَ، ومُؤتمريُّونَ، وَإخوانجيُّونَ، ولَمْ يتجرأْ أحد منهمْ بأنْ يحوِّلَ هذا الشَّارعَ إلى غُرفِ فندقةٍ، أَو لنقلْ لوكنداتٍ لاستقبال مُواطني مدينةِ عَدَن الحضاريَّةِ العصريَّةِ إلا في هذا الزَّمنِ الرَّديءِ وَالبائسِ، وهوَ زمنُ الاحتلال الوقحِ والسَّافرِ مِنَ المملكةِ السعوديّةِ / ومشيخةِ أبوظبي الإماراتيَّةِ لعددٍ منْ مُحافظاتِنا اليمنيَّةِ العظيمةِ المكلومةِ.

هُنا أودُّ تذكيرَ القارئِ اللبيبِ بأنَّنا قدْ نبَّهنا – مُنذُ اللحظاتِ الأولى – لخُطورةِ العُدوانِ الخليجيّ السعوديّ، والإماراتيّ، والقطريّ، والكويتيّ، والبحرانيّ، ومعهُمْ 12 دولةً عربيَّةً، وإسلاميَّةً، خُطورتِها على الجُمهُوريَّةِ اليمنيَّةِ، حينَما شنَّتْ عُدوانَها الوحشيَّ صبيحةَ 26 مارس 2015م بقذفِ صواريخِها، وقنابلِها، ومدافعِها على المُدنِ اليمنيَّةِ “صنعاءَ، صعدةَ، عَدَن، لحج، ذمار، تعز، أبين، شبوةَ، البيضاء، إب، حجّـة، المحويت، الضَّالع، عَمْرانَ، مأرب، وحضرمُوتَ، وَ…!.

قلناها كتابةً، وخِطابًا، وتصريحًا وتلميحًا، قلناها جَهارًا نهارًا في السَّاحاتِ، والميادينِ المفتوحةِ، والجوامعِ والمساجدِ، وقاعاتِ الجامعاتِ، والمعاهدِ والمدارسِ، قلناها مكتوبةً في الصُّحفِ، والمجلَّاتِ، والكُتبِ، والمواقعِ الإلكترونيَّةِ اليمنيَّةِ، والعربيَّةِ، والأجنبيَّةِ، قُلناها شفاهةً في القنواتِ المُتلفزةِ اليمنيَّةِ، والعربيَّةِ، والأجنبيَّةِ، قُلناها، وللتذكيرِ ومُنذُ يومِ العُدوانِ الأول بأنَّ هذا العُدوانَ سيجلبُ لليمنيينَ، والمُدنِ اليمنيَّةِ الأهوالَ، والدَّمارَ، والخرابَ، والجُوعَ والضَّنكَ، والتَّشريدَ الجماعيَّ للمُواطنينِ، لكنْ لَمْ نكُنْ نتوقَّعُ مُطلقًا، أَو نتصورْ قطّ أنَّنا سنشاهدُ أهلَنا في مدينةِ عدن يفترشونَ الشَّوارعَ (بالصَّوتِ والصُّورةِ)؛ كيْ يستجيرُوا منْ لظى حرارةِ أشهر الصَّيفِ القاتلةِ في أشهر يونيو، ويوليو وأغسطُس، واللهِ أنَّنا لَمْ نكُنْ نتوقعُ كُـلّ ذلكَ الألمِ والوجعِ وقهرِ الأيّام.

لكنْ حينَما كُنَّا نُحذِّرُ بشكلٍ علنيٍّ، ونعلنُ خوفَنا، ووجلَنا بشكلٍ صارخٍ منْ واقعِ الاحتلال ومراراتِهِ، انبرى لنا نفرٌ وعددٌ ليسَ بالقليلِ منَ الإعلاميينَ، والسِّياسيينَ، والمُطبِّلينَ والمُهرِّجينَ، وحتى الأكاديميينَ منَ اليمنيينَ ليقولُوا رأيَهمْ منْ على العديدِ منَ المنابرِ الإعلاميَّةِ في الدَّاخلِ والخارجِ؛ ليُروِّجُوا لأكذوبةٍ ممجُوجةٍ مأفُونةٍ ساذجةٍ، هيَ أنَّ هَذِهِ المُحافظاتِ أصبحتْ حُرَّةً، ومُحرّرةً، وأنَّ وصُولَ القوَّاتِ المُسلَّحةِ منَ المملكةِ السعوديّة، ومجلسِ التعاونِ الخليجيّ إلى مُحافظاتِ عدن، ولحج، وأبين، والضَّالع، وشبوةَ، وحضرموتَ، والمهرةِ، وسُقطرى إنَّها بمثابةِ وصُولِ يدِ الخيرِ، والرَّخاءِ، وبحبُوحةِ العيشِ الرَّغدِ إلى جميعِ أحياءِ المُدُنِ (المُحرّرةِ)، وعبرَ أبواق وطبولِ دواشنِ مَنْ يسمُّونَ أنفسهمْ (حُكومةَ شرعيَّةِ) الفنادقِ، والمراقِصِ، والمُنتجعاتِ التّابعةِ لمكتبِ السَّفيرِ السعوديّ باليمنِ المسترِ / مُحمَّد الجابرِ، وكذلكَ أفرادٌ، وجماعاتٌ مِمَّنْ يُسمُّونَ أنفسهمُ “المجلسَ الانتقاليَّ” التّابعَ لمشيخةِ “أبو ظبي الإماراتيَّةِ”، والمُحزنُ المعيبُ، والمُخزي أنَّهمْ يردّدونَ تلكَ المُفرداتِ: مثلَ المناطقِ والمُحافظاتِ المُحرّرةِ ببلاهةٍ، وسذاجةٍ مُفرطةٍ تبعثُ على الغثيانِ ويخجلُ منها حَتَّى المستمعُ منْ شريحةِ وطبقةِ العوامِ منْ عمُومِ الشَّعبِ اليمنيّ.

السُّؤالُ الجادُّ هُنا؟، كيفَ تسمحُونَ لذواتِكُمْ، وأسرِكُمْ وعائلاتِكُمْ بأنْ تعيشُوا في رغدٍ وسلامٍ، وأمان في العواصمِ العربيَّةِ والإسلاميَّةِ “الرَّياض، القاهرة، أبوظبي، الدَّوحة

وإسطنبول”، تعيشُوا في فنادقِ الخمسةِ نجُومٍ، والسَّبعةِ نجُومٍ وتستلمُونَ رواتبَكُمْ بالعُملاتِ الصَّعبةِ، هوَ ما يُسجَّلُ على الشَّعبِ اليمنيِّ

ديونًا، وقرُوضًا قصيرةً، وَطويلةَ الأجلِ منْ سيِّدِكُمُ المحتلّ السعوديّ والقطريّ، والإماراتيّ؟.

ألمْ تشاهدُوا صُورَ مُواطنينا البُسطاءِ الفُقراءِ يتضوَّرونَ جُوعًا في عددٍ منْ أحياءِ عَدَن، وتعز، وحضرمُوتَ،

وأبناؤُكُمْ يدرسُونَ، ويعيشُونَ، ويلهونَ في فروعِ المدارسِ، والجامعاتِ الأجنبيَّةِ التُّركيَّةِ والأمريكيَّةِ والأُورُوبيَّةِ؟

كيفَ تصورتُمْ – وأنتمُ القادةُ السِّياسيُّونَ، والعسكريُّونَ الكِبارُ المُتواجُدونَ في مكاتبَ وثيرةٍ، وأجواء رُومانسيَّةٍ هادئةٍ في خارجِ اليمنِ – كيفَ تصورتُمْ ذلكَ المشهدَ السِّرياليَّ التِّراجيديَّ، وآلافُ المُواطنينَ يفترشُونَ شوارعَ اليمنِ؛ طلبًا للحظةِ هواءٍ طبيعيٍّ عليلٍ بعدَ أنْ حرمتُمُوهُمْ منْ جميعِ خدماتِ توفيرِ الكهرباءِ، ومياهِ الشُّربِ، والأمنِ، واستعار سعرِ العُملاتِ الأجنبيَّةِ التي يتلاعبُ بها سماسرتُكُمُ الخُبثاءُ اللِّئامُ.

واللعبِ بأسعار الموادِّ الأَسَاسيَّةِ، وخلافِهِ.

هذهِ الأسئلة يطرحُها المُواطنُ البسيطُ في الشَّارعِ اليمنيّ، ويقولُ ألمْ تُتخمُوا بعدُ منَ الأكلِ الجائرِ الذي يُعطِبُ نشاطَ الدَّورةِ الدَّمويَّةِ، والهضمِ المعويِّ وخلافِهِ.

ألمْ تتوقعُوا بأنَّ السِّجلَّ التَّاريخيَّ الأسودَ للأفرادِ والجماعاتِ يُسجِّلُ دقائقَ أمُورِ الخيانةِ، والارتزاق للعدوِّ الخارجيِّ السعوديّ / الإماراتيّ والخليجيّ الأعرابيّ، تأكّـدوا منْ حقيقةٍ واحدةٍ بأنَّ

أسماءَكُمُ الرُّباعيَّةَ لنْ يمحُوَها الزَّمنُ، ولنْ تنساها الأجيال، وستكونُ عبارةً عنْ وثيقةٍ موصُومةٍ بعارٍ أسودَ أبديٍّ لخيانتِكُمْ، وارتزاقكُمْ ولأبنائِكُمْ، ولأحفادكُمْ جيلًا بعدَ جيلٍ، واللهُ على ما أقولُ شهيدٌ.

​”وَفَوْقَ كُـلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيْمٌ”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أ.د.عبدالعزيز بن حبتور

مقاطعة بضائع الخارج.. قاعدة أَسَاسية للإنتاج المحلي!!

إن مقاطعة البضائع الخارجية -أيًّا كان مصدرها- هي القاعدة الأَسَاسية والركيزة الأولى لنهوض الإنتاج المحلي، ناهيك عن أن مقاطعة بضائع الصهاينة والأمريكيين تُعد بابًا عظيمًا من أبواب الجهاد والعمل في سبيل الله.

إنها مسؤولية إيمانية وجهادية لا عذر فيها لأحد أمام الله سبحانه وتعالى؛ فكفّ اليد عن استيراد منتجات أعداء الأُمَّــة يوجه ضربة قاصمة لاقتصادهم، لا سِـيَّـما وأن السياسة الصهيونية ربطت خطوط الإنتاج والشركات والبنوك وجعلتها في قبضة يدها، لتعود أي عائدات -ولو كانت رمزية- من وراء أية علامة تجارية لصالح ترسانة أعدائنا.

لذا، فإن المقاطعة هي أَسَاس الاكتفاء الذاتي، في زمن لا يزال فيه قرار نهوض الأُمَّــة مقيدًا بأغلال الماسونية العالمية التي رمت بالخطط الزراعية والصناعية لبلداننا العربية أرضًا تحت أقدام ثلاثي الشر: أمريكا، وبريطانيا، وكيان الاحتلال الصهيوني.

هؤلاء قيَّدوا تنميةَ الشعوب بمعاهدات دولية جائرة، والمخزي أن قادة العرب والمسلمين لا يزالون يقدسون هذه الاتّفاقيات ويهتمون بها من زراعتهم إلى صناعتهم وتسليحهم العسكري، ويبدون حرصًا عليها أكثر من حرصهم على العمل بكتاب الله القرآن الكريم.

ثمار الحرية.. “الجوف” تعيد لليمن هُوية البلدة الطيبة

بفضل الله وتوفيقه، خرج اليمنُ اليومَ من دائرة الهيمنة الأمريكية، وأضحى شمالُه حُرًّا مستقلًّا لا وجود فيه للقرار أَو الإملاءات الأمريكية.

ونحن نرى اليوم ثمارَ هذا التحَرّك الحر في المجال الزراعي؛ نلمس النقلة النوعية الإعجازية في زراعة وبناء إنتاج الحبوب في محافظة الجوف، وهو إنجاز عظيم نابع من استقلال القرار، والتحَرّك والعمل الجاد والمخلص لقائد الثورة، وتقديم التسهيلات المُستمرّة من القيادة السياسية واللجنة الزراعية والسمكية العليا؛ فسلمت أياديكم الطاهرة ونفع الله بكم اليمن والإسلام، ونحن نتابع بفخر واعتزاز إنجازاتكم الميدانية.

لقد أعدتم بجهودكم المخلِصة التجسيد الفعلي لما قاله الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه عن اليمن بوصفها: ((بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ)) [سبأ: 15]، بعد أن حاول الخونة والعملاء طوال عقود رسم صورة مشوهة لليمن في قوالب “الأرض الفقيرة” تزلّفًا وتودُّدًا للماسونية العالمية، وعلى رأسها نظام آل سعود، ومن ورائهم حرباء أُورُوبا العجوز “بريطانيا”، التي تمثل غرفة العمليات المركزية، والتخطيط الخبيث، والمنطلق لجهاز الاستخبارات الماسوني في لندن، بؤرة ومستنقع كيان الاحتلال الصهيوني.

ومن المثير للسخرية والأسف معًا، أن نرى طريقة تعامل النظام السعوديّ مع منتجات اليمن؛ كالثمار والمحاصيل اليمنية الفاخرة مثل “المانجو”، حَيثُ يتم شراؤه من مزارعينا بأسعار زهيدة ليُعاد تصنيعه هناك كمعلبات وعصائر، ثم يُصدّر بأسعار باهظة تفوق فاتورة الشراء بأضعاف! إنهم يتعاملون مع اليمن بذات العقلية والسياسة اليهودية التي ظاهرها الاستيراد وباطنها العذاب الاقتصادي والمحاصرة.

الاستعمار العسكريُّ المباد.. وجرف حثالات العمالة

إنها لبلاهة منقطعة النظير أن تظُنُّ أن الأنظمةَ المرتهنة قادرة على إعلان مقاطعة حقيقية وهي تعيش حالة من الاختراق الكامل والمهين في قرارها وجيشها.

لقد وصل الجهل والغباء بحكام العرب وقادة جيوشهم إلى حَــدِّ السماح لأجهزة المخابرات العالمية بالإشراف المباشر على تدريب وتفتيش مخ المعسكرات والمخازن بأكملها؛ بل وتلبية المطالب الأمريكية باستقطاب أفراد من تلك الجيوش لتدريبهم على مهام أمنية تخدم الاستخبارات الغربية والصهيونية مقابل رواتب تدفعها واشنطن، ليتحول ملوك وحكام العرب في هذا المشهد إلى مُجَـرّد طلاب مستمعين في الفصول الابتدائية أمام المدرس الأمريكي والبريطاني!

بأي منطق وبأية وقاحة يُسمح لدول استعمارية خارجية أن تفتح معسكرات ومبانيَ خَاصَّة داخل الجيوش العربية لتجند أفرادًا يعملون لصالح أهدافها؟ لقد بلغ الانبطاح ذروته، وكان اليمن قبل الثورة المباركة -في عهد الخائن العميل عفاش وأسرته- نموذجًا لهذا الارتهان؛ إذ فتحوا معسكرات الحرس الجمهوري والأمن المركزي لإنشاء مبانٍ وقواعد تابعة مباشرة للأمريكيين.

لكن مسيرة الوعي القرآنية جرفت بفضل الله تلك الحثالات وطردتهم صاغرين خارج تربة الوطن المعطاء، ولولا إسقاط ذلك العهد العميل لما تحَرّكت عجلة الزراعة، ولما أكل اليمنيون من ثمار أرضهم بكرامة وحرية؛ فسلام ربي على مشروع المسيرة القرآنية، وسلام على قيادتها الحكيمة ما تعاقب الليل والنهار، وما سطعت شمس الحرية والسيادة على نواصي الأحرار.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يحيى صالح الحَمامي

إيران تُغيّر قواعد الاشتباك

في ليلة حبست فيها المنطقةُ والعالم الأنفاس تحولت التهديداتُ الإيرانية التي طالما اعتبرها البعض جزءًا من الحرب النفسية إلى واقع مشهود تحت اسم وعد صادق 5 نفّذت طهران هجومًا واسعًا ومباشرًا ضد أهداف حيوية في عمق كيان الاحتلال لترسخ معادلة جديدة في صراع القوى الإقليمي وتثبت أنها عندما تتوعد فإنها تفي بالوعد.

ليلة الصواريخ والمسيّرات: السيناريو بدقة

الهجوم جاء كعملية عسكرية مدروسة بدقة شملت إطلاق موجات متتالية من الطائرات المسيرة الانتحارية نوع شاهد والصواريخ البالستية الجوفضائية استهدفت الضربة منشآت عسكرية وقواعد جوية إسرائيلية محدّدة في محاولة واضحة لكسر هيبة “الردع” الإسرائيلي واختبار كفاءة المنظومات الدفاعية (كالقبة الحديدية ومقلاع داوود) بمواجهة هجوم كثيف ومتزامن.

مراقبون عسكريون أشاروا إلى أن اختيار اسم “وعد صادق 5” يحملُ دلالات سياسية وعسكرية عميقة فهو يبعث برسالة حاسمة ومباشرة ومفادها أن الخطوط الحمراء الإيرانية لم تعد قابلة للمساومة، وأن أي استهداف للمصالح الإيرانية سيواجه برد مباشر من داخل الأراضي الإيرانية، وليس عبر الحلفاء فقط.

توازن الرعب وقواعد الاشتباك الجديدة

عاشت المدن الإسرائيلية ليلة من الاستنفار غير المسبوق، حَيثُ دوت صافرات الإنذار في مختلف المناطق وأُغلق المجال الجوي تمامًا ورغم الإعلانات الإسرائيلية والأمريكية عن اعتراض جزء كبير من الهجوم إلا أن وصول الصواريخ الإيرانية إلى أهدافها وإجبار الملايين على النزول للملاجئ يمثل بحسب خبراء استراتيجيين، تحولًا جذريًّا في “توازن الرعب”.

إيران من خلال هذه العملية، فرضت واقعًا جديدًا يتجاوز فكرة “حرب الظل” إلى المواجهة العلنية المباشرة واضعةً المجتمع الدولي أمام مسؤولياته لتهدئة الأوضاع ومرسلة إشارات قوية إلى واشنطن وحلفائها بأن التصعيد المُستمرّ سيقابل بردود غير متوقعة.

 انتقال من التهديد إلى التنفيذ:

أثبتت إيران جديتها في تنفيذ وعودها العسكرية متجاوزة مرحلة الصبر الاستراتيجي إلى الرد المباشر والقاسي.

 حصل تغيير قواعد اللعبة وانتهى زمن “حرب الظل” الهجوم جاء من الأراضي الإيرانية مباشرة إلى العمق الإسرائيلي مما يؤسس لمعادلة ردع جديدة.

الهجوم الكثيف والمشترك (مسيرات وصواريخ) شكّل ضغطًا هائلًا على الدفاعات الجوية الإسرائيلية وحلفائها وأظهر حدود قدرتها التدميرية بمواجهة الإغراق الصاروخي.

 ووصلت الرسالة السياسية بأن العملية تفرض على كيان الاحتلال والولايات المتحدة إعادة حساباتهما، حَيثُ بات أي استهداف مستقبلي لإيران يعني اشتعال مواجهة إقليمية شاملة لا يمكن التنبؤ بنهايتها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يحيى حسن الوالبي

من انبطاح الأنظمة إلى وعي الشعوب

تطل علينا ذكرى النكسة في عامها التاسع والخمسين، لتضعَ الأُمَّــة الإسلامية أمام استحقاق تاريخي يفرض عليها مراجعة مسارها وتجاوز التفسيرات التقليدية والقشور السطحية التي استهلكت العقود الماضية وحصرت الهزائم دائمًا في نقص السلاح أَو ضعف التدريب العسكري.

إن حقيقة التاريخ والواقع أثبتت عكس ذلك تمامًا؛ إذ لم تكن الأُمَّــة يومها تعاني من ضعف في عتادها، ولا قلة في قوتها البشرية والمادية حتى تُهزم هذا الانكسار المروع، فقد كانت الجيوش مدججة والشعوب مستعدة للتضحية بأرواحها، إلا أن الأزمة الحقيقية كانت أزمة منهج بالدرجة الأولى.

لقد خاضت الأنظمة المعركة تحت رايات وشعارات أيديولوجية غريبة عن هُوية الأُمَّــة، ولم تجاهد على منهج رباني خالص يستوجب النصر والتمكين الإلهي، وعندما يغيب المنهج الذي يربط الأرض بالسماء، وتتحَرّك الجيوش بلا عقيدة إيمانية صلبة، تصبح القوة المادية مُجَـرّد هيكل أجوف ينهار أمام أول صدمة حقيقية في الميدان.

ولم تكن هزيمة النكسة في عمقها سوى انعكاس طبيعي لخلل بنيوي عميق كان ينخر، ولا يزال، في جسد الأنظمة السياسية التي تصدرت قيادة الأُمَّــة، وهو خلل لا يعود تاريخه إلى العقود الأخيرة فحسب، وإنما يمتد بجذوره التاريخية إلى اللحظات الأولى التي شهدت التنكر للوصية النبوية ومخالفة التوجّـهات الإلهية السديدة في قيادة الأُمَّــة وحمايتها.

هذا الانحراف المبكر أسس لخلل تراكمي في شرعية القيادة وبنيتها العقائدية، لتصبح الأنظمة المتعاقبة مبنية على الاستبداد، وإقصاء الأُمَّــة، وتغييب وعيها الحقيقي، مما جعلها غير مؤهلة بنيويًّا لحمل مشروع تحرّر حقيقي أَو الصمود في وجه التحديات الوجودية.

ومع مرور العقود، لم تعمد هذه الأنظمة إلى مراجعة أخطائها التاريخية أَو تصحيح مسارها المنحرف، فقد تطور الخلل البنيوي لديها بشكل دراماتيكي خطير؛ فانتقلت من مربع العجز عن المواجهة العسكرية والدبلوماسية، إلى دائرة أشد مرارة وهي دائرة الاحتراف في التآمر والعمالة، والارتماء العلني في أحضان العدوّ، ليتحول من كان يُفترض به حراسة الثغور وحماية مقدسات الأُمَّــة إلى شريك مباشر للمحتلّ في قمع تطلعاتها وتصفية قضاياها العادلة.

ويقودنا هذا التحول إلى إدراك حقيقة أن الأخطر مما جرى في ميدان المعركة ليس تحطم الآلة العسكرية أَو خسارة المساحات الجغرافية، وإنما هو الهزيمة النفسية والسياسية التي أُصيبت بها النخب الحاكمة وانبطاحها الكامل أمام جلادها.

فالجيوش المهزومة عسكريًّا يمكنها دائمًا أن تعيد بناء صفوفها وتستأنف القتال لتنتصر في جولات لاحقة إذَا توفرت الإرادَة السياسية والإيمانية، أما إذَا هزمت النخبة الحاكمة نفسيًّا، وقبلت بالدونية والاستسلام، فإنها تحول الهزيمة الميدانية المؤقتة إلى حالة استسلام دائم وثقافة عامة تحاول فرضها على وعي الأُمَّــة وجيلها الصاعد لتبرير عجزها وخيانتها.

واليوم، بعد مرور هذه السنوات الطويلة على النكسة، يتضح الدرس الأبرز بوضوح لا لبس فيه، وهو أن الرهان لم يكن يومًا، ولن يكون، على هذه الأنظمة الفاسدة والعميلة والمأزومة، وإنما كان الرهان دائمًا وسيظل على وعي شعوب الأُمَّــة الإسلامية والتفافها حول القيادة الربانية الحكيمة الممثلة بقائد الثورة السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله.

هذه الشعوب التي لم تنسَ قضيتها ومقدساتها رغم كُـلّ محاولات الكي والتشويه، ولم تلوث فطرتها بمشاريع الاستسلام، هي المخزون الاستراتيجي الحقيقي لحركة التاريخ.

إن وعي الشعوب بحقيقة الصراع، وعودتها الصادقة والواعية إلى تمسكها بهُويتها ومنهجها الأصيل، هو الصخرة الصلبة التي تتحطم عليها اليوم كُـلّ مؤامرات التصفية، والضمانة الوحيدة لإنتاج فجر جديد يتجاوز النكسة وآثارها الممتدة منذ قرون.

إن الشعوب الإسلامية لم تكن ضعيفة يومًا، وإنما كانت وما زالت بحاجة ماسة إلى قيادة عظيمة ومخلصة من آل البيت عليهم السلام، تجسد المنهج الرباني وتتحَرّك بروحية القرآن، كما هو اليوم حال الشعب اليمني العزيز وتلاحمه الكبير والتفافه حول قائد الثورة السيد القائد عبدالملك بن بدر الدين الحوثي حفظه الله.

فمن خلال هذا الالتفاف الواعي، استطاع الشعب اليمني الصمود والوقوف بقوة وعنفوان في مواجهة كُـلّ أشكال العدوان والتحالفات الأمريكية والإسرائيلية والسعوديّة والإماراتية ومرتزِقتهم، فلم تنكسر إرادته ولم تلن عزيمته سائلين المولى أن يسطر ملاحم متجددة من الصمود والكرامة.

هكذا يجب أن تكون الشعوب الإسلامية اليوم؛ متسلحة بالوعي والبصيرة، متمسكة بهُويتها الإيمانية، وملتفة حول قيادتها الحرة والمستقلة، لتصنع بإرادتها الحرة فجر الحرية والانتصار، وتضع حدًا لزمن الانبطاح والهزائم والتبعية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شاهر أحمد عمير

عدن تنام على الأرصفة.. الكهرباء تتحول إلى ورقة ضغط سعودية لتغيير المحافظ

تعيش مدينة عدن واحدة من أقسى مراحل الانهيار الخدمي والإنساني، بعد أن تحولت شوارعها إلى ملاذ اضطراري للسكان الهاربين من جحيم الحر وانقطاع الكهرباء، في مشهد يكشف حجم الفشل الذي أنتجته سنوات الوصاية السعودية الإماراتية وما يسمى بحكومة المرتزقة الموالية لتحالف العدوان.

وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً مؤلمة من عدد من مديريات عدن، ظهر فيها مواطنون، بينهم نساء وأطفال، وهم يفترشون الأرصفة والشوارع ليلاً، بعد أن أصبحت المنازل غير صالحة للنوم بسبب ارتفاع درجات الحرارة وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة.

وأظهرت صور أخرى آثار تقرحات وتسلخات جلدية بين عشرات الأطفال، نتيجة اشتداد الحرارة في المدينة الساحلية، وسط غياب شبه كامل لأي حلول حكومية، وتفاقم المعاناة اليومية التي باتت تطارد السكان في أبسط احتياجاتهم المعيشية.

وتأتي هذه المشاهد الكارثية في وقت تتجه فيه حكومة المرتزقة الموالية للتحالف إلى التخلي عن ملف الكهرباء، ضمن ما يوصف بصفقة مع صندوق النقد الدولي، في خطوة تعكس انتقال الأزمة من مستوى العجز الإداري إلى مستوى التفريط الممنهج بالخدمات الأساسية التي تمس حياة المواطنين مباشرة.

وبحسب مصادر مطلعة في عدن، فإن هذه الخطوة تتم بضوء سعودي، وتأتي بالتزامن مع ضغوط تمارسها الرياض للإطاحة بمحافظ عدن المعين من قبلها عبد الرحمن شيخ اليافعي، على خلفية تصريحات لكبير مشايخ يافع هاجم فيها الدور السعودي مؤخراً.

وتشير المصادر إلى أن الحاكم السعودي في عدن، الذي غادر المدينة في وقت سابق، يدفع باتجاه تعيين القيادي في الانتقالي أحمد باراس خلفاً لليافعي، في إطار ترتيبات سياسية جديدة تسعى من خلالها الرياض إلى إعادة ضبط المشهد المحلي بما يخدم أجندتها داخل المدينة.

ويُعد باراس واحداً من عدة قيادات جنوبية سمحت السعودية بعودتها إلى عدن، بعد أن كانت محتجزة ضمن وفد المجلس الانتقالي، ما يعكس طبيعة التحكم الخارجي في القرار المحلي داخل المحافظات الواقعة تحت سيطرة التحالف وأدواته.

ويرى مراقبون أن أزمة الكهرباء في عدن لم تعد مجرد أزمة خدمية، بل تحولت إلى ورقة عقاب جماعي وضغط سياسي تتناوب السعودية والإمارات على استخدامها لفرض التوازنات التي تريدانها، وإخضاع القوى المحلية، وإعادة تشكيل مراكز النفوذ داخل المدينة.

وتكشف معاناة سكان عدن، وهم ينامون في الشوارع تحت وطأة الحر وانعدام الكهرباء، حقيقة ما آلت إليه المحافظات الخاضعة للتحالف، حيث تُدار الخدمات كأدوات ابتزاز، وتُترك حياة المواطنين رهينة للصراعات بين الرياض وأبوظبي وأدواتهما المحلية.

وبينما تواصل صنعاء تثبيت معادلة الصمود وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار الخدمي رغم الحصار والعدوان، تغرق عدن، المدينة التي وعدها التحالف بالنموذج والازدهار، في ظلام متواصل وانهيار معيشي مفتوح، لتتحول إلى شاهد حي على فشل مشروع الاحتلال والوصاية.

إن مشاهد الأسر العدنية وهي تفترش الأرصفة ليست مجرد نتيجة لانقطاع الكهرباء، بل شهادة دامغة على أن التحالف لم يأتِ بالخدمات ولا بالدولة، بل جاء بمنظومة وصاية تستخدم معاناة الناس لإدارة الصراع وفرض التعيينات وتصفية الحسابات السياسية.

الهيدرا الإيرانية في وجه الضربة الأمريكية ـ الإسرائيلية.. كيف حوّلت مؤسسة القيادة الاغتيال إلى اختبار صمود استراتيجي؟

لم تكن الضربة الأمريكية ـ الإسرائيلية التي استهدفت رأس القيادة الإيرانية مجرد عملية اغتيال سياسي أو ضربة عسكرية تقليدية، بل كانت محاولة استراتيجية لكسر العمود الفقري للجمهورية الإسلامية، وإعادة إنتاج المعادلة القديمة التي راهن عليها خصوم إيران مراراً: “اقطع الرأس يسقط الجسد”.

غير أن ما جرى بعد الضربة كشف أن إيران لم تعد دولة تُدار بمنطق الفرد الواحد، ولا نظاماً يقوم على رأس يمكن إسقاطه بضربة خاطفة، بل تحوّلت خلال العقود الماضية إلى منظومة مؤسسية متعددة الرؤوس، شبيهة بما تصفه الأساطير بـ “الهيدرا”؛ كلما ظن العدو أنه قطع رأساً، ظهرت رؤوس أخرى أكثر تماسكاً وقدرة على الامتصاص والرد وإعادة الانتظام.

ففي اللحظة التي ظن فيها العدو الأمريكي والإسرائيلي أن اغتيال المرشد الأعلى السيد علي خامنئي، ومعه طبقة من القيادات العليا، سيقود إلى فراغ قاتل داخل النظام، أثبتت طهران أن مؤسسة القيادة صُممت أصلاً لمثل هذه اللحظات. وبعد أيام قليلة فقط، جرى انتقال السلطة إلى السيد مجتبى خامنئي بسلاسة لافتة، في مشهد عكس أن الجمهورية الإسلامية لا تتصرف بردة فعل مرتبكة، بل وفق بنية دولة عميقة أُعدّت على مدى عقود لمواجهة الحصار والاغتيالات والحروب المفتوحة.

والأهم في هذا المشهد ليس اسم المرشد الجديد وحده، بل السؤال الاستراتيجي الأعمق: ما الذي جعل إيران قادرة على امتصاص ضربة بهذا الحجم دون انهيار؟ وما الذي جعل مؤسسة القيادة قادرة على إعادة إنتاج القرار، وتثبيت تماسك الدولة، والحفاظ على خط المواجهة مع العدو الأمريكي والإسرائيلي ومحور الهيمنة؟

الجواب يكمن في بنية بيت القائد، أو “بيت رهبري”، الذي لم يعد مجرد مكتب ديني أو إطار إداري حول المرشد، بل صار خلال عهد خامنئي الأب عقل الدولة المركزي، ومركز التوازن بين الحوزة والحرس، وبين السياسي والعسكري، وبين الثورة والدولة، وبين الاقتصاد المقاوم والقرار الأمني، وبين الداخل الإيراني وساحات محور المقاومة.

لقد أدركت الجمهورية الإسلامية، منذ سنواتها الأولى، أن العدو لا يواجهها كدولة عادية، بل كمشروع استقلال حضاري وسياسي وعسكري خارج عن الهيمنة الغربية. ولذلك لم يكن ممكناً أن تبني نظامها على مؤسسات هشة قابلة للاختراق أو إسقاط القيادة. فالتجربة الإيرانية وُلدت وسط الحروب والانقلابات ومحاولات الاغتيال والفتن الداخلية، من أزمة السفارة الأمريكية، إلى محاولة انقلاب نوجه، إلى اغتيالات رموز الصف الأول، وصولاً إلى الحرب العراقية المدعومة غربياً وعربياً.

من هذه التجارب القاسية خرج الدرس الأول: الدولة التي تريد البقاء أمام أمريكا وإسرائيل لا يكفيها جيش تقليدي ولا جهاز رسمي واحد، بل تحتاج إلى شبكة عقائدية ـ أمنية ـ شعبية ـ اقتصادية تستطيع العمل حتى عند تدمير مركز القيادة.

ومن هنا برز الحرس الثوري لا بوصفه قوة عسكرية فقط، بل باعتباره درع الثورة ومخزونها الاستراتيجي. وبعد أن أثبتت التجربة أن الجيش التقليدي وحده لا يكفي لحماية النظام من المؤامرات والانقلابات، جرى توسيع دور الحرس ليكون أداة الدفاع عن الثورة في الداخل والخارج، ورافعة لحماية القرار السيادي الإيراني من الاختراق الأمريكي والإسرائيلي.

لكن عبقرية النموذج الإيراني لم تقف عند عسكرة الدولة كما يروّج خصومها، بل قامت على دمج العسكري بالسياسي والاقتصادي والعقائدي ضمن منظومة واحدة، بحيث لا يبتلع طرف بقية الأطراف، ولا تنفرد مؤسسة واحدة بالحكم، بل تتوزع القوة داخل شبكة يتحكم بها بيت القائد بوصفه مركز التوازن الأعلى.

وفي هذا السياق، تحوّل بيت القائد من مكتب مرجعي تقليدي إلى مؤسسة دولة فوق سياسية. ففي عهد الإمام الخميني كان بيت المرجعية أقرب إلى مكتب ديني يدير الفتاوى والأموال الشرعية وشؤون المقلدين، أما في عهد خامنئي فقد أعيد بناؤه ليصبح جهاز حكم واسع النفوذ، يربط الحوزة بالدولة، ومجلس الخبراء بمجلس صيانة الدستور، ومجمع تشخيص مصلحة النظام بمجلس الأمن القومي، والعتبات والمؤسسات الاقتصادية بالحرس الثوري والاقتصاد المقاوم.

هذا التحول هو الذي جعل إيران قادرة على النجاة من الضربات الكبرى. فالعدو قد يستهدف شخصية أو مقراً أو قائداً أو جهازاً، لكنه يصطدم بمنظومة موزعة، تعرف كيف تمتص الخسارة، وكيف تعيد تشكيل القيادة، وكيف تواصل إدارة الملفات الكبرى دون أن تنتظر تعليمات مركزية في كل تفصيل.

وهنا تظهر أهمية العلاقة بين بيت القائد والحوزة العلمية في قم. فقد واجهت إيران منذ البداية إشكالية حساسة: كيف يمكن الجمع بين الدولة الحديثة وولاية الفقيه؟ وكيف يمكن منع الحوزة من التحول إلى مركز معارضة دينية، وفي الوقت نفسه منع الدولة من ابتلاع المرجعية؟ فجاءت الصيغة الإيرانية عبر مؤسسات مثل جمعية مدرسي حوزة قم، ومجلس صيانة الدستور، ومجمع تشخيص مصلحة النظام، لتمنح المؤسسة الدينية موقعاً مركزياً داخل الدولة، لكن ضمن هندسة يضبطها بيت القائد.

بهذا المعنى، لم تكن ولاية الفقيه في النموذج الإيراني مجرد شعار عقائدي، بل صارت بنية حكم مركبة، تستوعب الخلافات بين التيارات، وتمنع انفجارها، وتعيد توزيع النفوذ بما يحفظ وحدة النظام. وهذا ما يفسر قدرة إيران على احتواء التنافس بين المحافظين والإصلاحيين والأصوليين، دون السماح لأي تيار بأن ينقلب على بنية الدولة أو يفتح الباب أمام الاختراق الخارجي.

فالقراءة السطحية للسياسة الإيرانية تختزل المشهد في ثنائية إصلاحيين ومحافظين، لكنها لا ترى حقيقة التركيب الأعمق. داخل إيران توجد ثلاثة اتجاهات رئيسية: تيار قومي ـ براغماتي ينظر إلى إيران كدولة ذات مصالح استراتيجية، وتيار اجتماعي ـ إصلاحي يعمل كصمام أمان للداخل، وتيار عقائدي ـ مقاوم يرى الجمهورية الإسلامية مشروعاً ثورياً في مواجهة الاستكبار الأمريكي والصهيوني.

ومن فوق هذه التيارات يقف بيت القائد كحَكَم أعلى، لا يلغي التنافس، بل يديره. يسمح بالاختلاف داخل سقف النظام، لكنه يمنع تحوله إلى صراع يكسر الدولة. وهذه واحدة من أهم نقاط القوة الإيرانية؛ فبينما تراهن واشنطن وتل أبيب على الانقسام الداخلي، تقوم بنية النظام على تدوير الخلاف داخل المؤسسات لا تفجيره في الشارع أو تحويله إلى حرب أهلية سياسية.

أما البعد الأخطر في التجربة الإيرانية، فهو الاقتصاد المقاوم. فقد فهمت القيادة الإيرانية مبكراً أن الحصار ليس عقوبة مؤقتة، بل حرب طويلة تستهدف قدرة الدولة على إنتاج السلاح والغذاء والتكنولوجيا والقرار المستقل. ومن هنا نشأت فلسفة “صُنع في إيران”، لا كشعار اقتصادي، بل كعقيدة صمود في مواجهة منظومة العقوبات الغربية.

قام الاقتصاد المقاوم على قاعدة واضحة: من لا يصنع غذاءه وسلاحه ودواءه وتكنولوجيته، لا يملك قراره السياسي ولا سيادته العسكرية. ولذلك طورت إيران صناعاتها الثقيلة، ووسعت قطاع البتروكيماويات والفولاذ والإسمنت والألمنيوم، ودخلت في الصناعات التحويلية والتقنية، وراكمت خبرات كبرى في الصواريخ والمسيّرات والفضاء والاتصالات والهندسة العكسية والدواء واللقاحات.

ولم يكن هذا المسار اقتصادياً فقط، بل كان جزءاً من الاستعداد للحرب الكبرى. فعندما تواجه إيران العدو الأمريكي والإسرائيلي اليوم، فهي لا تراهن فقط على دقة الصواريخ، بل على قدرتها على إنتاج المزيد منها، وإطالة أمد المواجهة، ورفع كلفة الاعتراض على الخصم. فالصاروخ أو المسيّرة الإيرانية، حتى إن كانت أقل كلفة من المنظومات الغربية، تستطيع أن تفرض استنزافاً مالياً وصناعياً على الدفاعات الأمريكية والإسرائيلية التي تحتاج إلى ذخائر اعتراض باهظة ومعقدة الإنتاج.

وهنا تتجلى عبقرية حرب المستضعفين: ليست المعركة فقط في من يمتلك السلاح الأغلى، بل في من يستطيع الاستمرار، ومن يملك نفساً أطول، ومن يفرض على عدوه أن ينفق أضعافاً مضاعفة لاعتراض ضربات متكررة منخفضة الكلفة وعالية التأثير.

وفي قلب هذا الاقتصاد المقاوم تقف مؤسسات كبرى مرتبطة ببيت القائد، مثل مؤسسة المستضعفين، و مؤسسة تنفيذ أمر الإمام، و العتبة الرضوية، وشبكات اقتصادية واجتماعية واسعة تعمل في الصناعة والزراعة والدواء والإسكان والخدمات والبنى التحتية. هذه المؤسسات لم تكن مجرد أذرع مالية، بل تحولت إلى عمق اقتصادي ـ اجتماعي يحمي الدولة من آثار الحصار ويدعم الطبقات المحرومة ويمنح النظام قدرة على الصمود الداخلي.

أما الحرس الثوري، فقد دخل هذا البناء كشريك دائم، ليس فقط لأنه قوة عسكرية، بل لأنه يمتلك القدرة على بناء شبكات ظل، وتجاوز العقوبات، وتأمين سلاسل التوريد، والهندسة العكسية، وربط الاقتصاد المدني بالتصنيع العسكري. وهكذا تزاوج الاقتصاد المقاوم مع القوة الصاروخية، وتحول الحصار من أداة خنق إلى عامل دفع لبناء استقلال صناعي وعسكري.

وهذا ما لم تفهمه واشنطن وتل أبيب جيداً. فقد اعتقدتا أن العقوبات ستضعف إيران حتى الانهيار، فإذا بها تدفع إيران إلى بناء نموذج إنتاج داخلي أكثر صلابة. واعتقدتا أن اغتيال القادة سيشل القرار، فإذا به يكشف أن النظام الإيراني بنى قيادته على الفسيفساء لا الهرم الواحد. واعتقدتا أن استهداف البنى العسكرية سيوقف المعركة، فإذا به يفتح باباً لاستنزاف أوسع وأطول.

وفي المستوى العسكري ـ الأمني، يبرز مجلس الأمن القومي الإيراني كأحد أهم مفاتيح فهم صمود الدولة. فهذا المجلس لا يعمل كهيئة بروتوكولية، بل كغرفة إدارة للملفات الكبرى، حيث تتداخل الرئاسة والخارجية والحرس والجيش والمخابرات والقضاء ومجمع تشخيص مصلحة النظام وممثلو المرشد. ومن خلال ما يعرف بنظام “الكراسي”، تُدار الملفات الحساسة مثل فلسطين ولبنان وسوريا والنووي والعلاقة مع واشنطن وموسكو وبكين.

هذا النظام يسمح بتوزيع المسؤوليات وفق طبيعة كل ملف. فالملف الذي يغلب عليه الطابع الاستخباري يُدار بمنطق أمني، والملف الذي يحتاج إلى اتصال سياسي يُدار عبر الخارجية، والملف الذي يتطلب شبكة ميدانية عابرة للحدود يدخل فيه فيلق القدس والحرس الثوري. هكذا لا تنفرد جهة واحدة بالقرار، بل تتشكل لجان ودوائر متخصصة مرتبطة بالمركز الأعلى.

وهذه البنية هي التي جعلت إيران قادرة على العمل حتى تحت الضربات والاغتيالات. فإذا سقط قائد، لا يسقط الملف. وإذا استُهدف مركز، لا تتوقف الساحة. وإذا قُطع رأس، لا يموت الجسد. لأن الجسد نفسه موزع على خلايا ومؤسسات ودوائر قرار قادرة على الاستمرار.

وهذا ما يجعل إيران، في منظور العدو، خصماً صعباً للغاية. فهي ليست دولة تقليدية يمكن شلها بقصف مركز القيادة، وليست حركة يمكن تفكيكها باغتيال قائدها، وليست اقتصاداً مفتوحاً يمكن خنقه بمجرد العقوبات، وليست نظاماً سياسياً هشاً يمكن إسقاطه عبر تضخيم التناقضات الداخلية. إنها منظومة مركبة، تجمع بين العقيدة والدولة، والحوزة والمؤسسة، والحرس والاقتصاد، والسياسة والصاروخ، والمقاومة والدبلوماسية.

غير أن قوة هذا النموذج لا تعني غياب التحديات. فالمرشد الجديد يرث مؤسسة ضخمة بناها والده على مدى عقود، لكنه لا يرث بالضرورة كل شبكة العلاقات الشخصية التي صاغت توازناتها. كما أن صعود الدور العسكري تحت ضغط الحرب يطرح سؤالاً حساساً حول مستقبل التوازن بين المدنيين والعسكريين، وحول قدرة بيت القائد الجديد على البقاء فوق التيارات، لا داخل أحدها فقط.

لكن الثابت حتى الآن أن إيران نجحت في تحويل أخطر ضربة تعرضت لها إلى اختبار صمود استراتيجي. فالعدو أراد إسقاط الرأس، فإذا به يكتشف أن الرأس ليس فرداً واحداً، بل مؤسسة. وأراد كسر الدولة، فإذا بها تعيد ترتيب نفسها بسرعة. وأراد ضرب محور المقاومة عبر طهران، فإذا بالمحور يثبت أن قوته ليست في قائد منفرد، بل في شبكة مترابطة من الساحات والمؤسسات والعقائد والمصالح والقوى الشعبية والعسكرية.

ومن هنا، فإن ما بعد الضربة الأمريكية ـ الإسرائيلية ليس كما قبلها. فقد كشفت المعركة أن إيران لا تقف وحدها، وأن محور المقاومة لا يتحرك بعاطفة التضامن، بل ضمن منظومة ردع إقليمية تتكامل فيها طهران وبيروت وبغداد وصنعاء وغزة. وكل ساحة تملك دوراً في إرباك العدو، وكل جبهة قادرة على رفع الكلفة، وكل ضربة أمريكية أو إسرائيلية يمكن أن تفتح أبواباً متعددة لا يستطيع العدو إغلاقها بسهولة.

إن مؤسسة المرشد، في صورتها الجديدة، ليست مجرد عنوان ديني أو سياسي، بل هي غرفة التوازن الكبرى التي أنتجت إيران المعاصرة: إيران التي تصمد تحت الحصار، وتفاوض من موقع الندّية، وتدعم المقاومة رغم العقوبات، وتبني صواريخها تحت القصف، وتحوّل الاغتيال من تهديد وجودي إلى فرصة لإثبات تماسك الدولة.

وبينما راهن العدو الأمريكي والإسرائيلي على أن اغتيال القيادة سيقود إلى انهيار سريع، أثبتت إيران أن مشروعها أعمق من الأشخاص، وأن ولاية الفقيه في بنيتها المؤسسية تحولت إلى منظومة بقاء وردع وحكم. ولذلك لم تسقط الدولة، ولم تتفكك الجبهة، ولم يتراجع محور المقاومة، بل ظهر العكس تماماً: رأس جديد للهيدرا، وجسد أكثر خبرة في المواجهة، ومعادلة تقول بوضوح إن الجمهورية الإسلامية لم تعد تُهزم بقطع رأس، لأن رؤوسها باتت مؤسسات، ومؤسساتها باتت سلاحاً من أسلحة الحرب.

وهكذا خرجت إيران من الضربة لا كدولة نجت صدفة، بل كمنظومة أثبتت أن البقاء نفسه صار جزءاً من عقيدتها العسكرية والسياسية. أما العدو الذي ظن أن الاغتيال سيغلق صفحة الجمهورية الإسلامية، فقد وجد نفسه أمام خصم يتقن فن النهوض من تحت الركام، ويحوّل كل ضربة إلى رأس جديد في جسد المقاومة الممتد من طهران إلى بيروت وصنعاء وغزة.