الرئيسية بلوق الصفحة 151

نصف عام على اتفاق غزة.. الاحتلال يفرغ الهدنة من مضمونها ويُبقي القطاع تحت النار والحصار والانهيار الإنساني

بعد مرور ستة أشهر على دخول اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيّز التنفيذ، تتكشف صورة أكثر قتامة من أي وعود رافقت الإعلان عنه، إذ يواصل الاحتلال الإسرائيلي خروقاته الميدانية اليومية، ويتنصل من التزاماته الإنسانية والإغاثية، في وقت تتفاقم فيه أوضاع القطاع على نحو كارثي، وسط تحذيرات متصاعدة من منظمات دولية وحقوقية من أن غزة لا تزال تعيش مفاعيل الإبادة والحصار والتجويع رغم الهدنة المعلنة.

فمنذ بدء سريان الاتفاق في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، لم يتوقف الاحتلال عن ممارسة العدوان بأشكال مختلفة، سواء عبر القصف شبه اليومي، أو عبر توسيع مناطق سيطرته داخل القطاع، أو من خلال الامتناع المنهجي عن تنفيذ البروتوكول الإنساني المرتبط بإدخال المساعدات والوقود ومستلزمات الإيواء والصحة وإعادة الإعمار. ووفق مصادر طبية وحكومية في غزة، فإن الخروقات الإسرائيلية تجاوزت ألفي خرق منذ الإعلان عن الاتفاق، وأسفرت عن استشهاد 738 فلسطينيا وإصابة 2036 آخرين، في مؤشر واضح على أن وقف إطلاق النار بقي هشا وشكليا، فيما استمرت آلة القتل الإسرائيلية في حصد الأرواح.

ومن أحدث الشواهد على هذا المسار الدموي، استشهاد مراسل قناة الجزيرة مباشر في قطاع غزة محمد وشاح إثر قصف استهدف السيارة التي كان يستقلها غربي القطاع، في جريمة وصفت بأنها انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الدولية، واستمرار لسياسة إسرائيلية ممنهجة تقوم على استهداف الصحفيين وإسكات صوت الحقيقة. وتكشف الحصيلة التراكمية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 حجم الفاجعة الإنسانية، إذ بلغت 72 ألفا و317 شهيدا و172 ألفا و158 مصابا، بينهم 262 صحفيا، وفقا لوزارة الصحة ومكتب الإعلام الحكومي في غزة.

ولا تقتصر الخروقات الإسرائيلية على القصف والاغتيالات، بل تمتد إلى إعادة تشكيل الواقع الميداني داخل القطاع عبر ما يُعرف بـ “الخط الأصفر”، وهو خط فاصل استحدثه الاحتلال داخل غزة خلال الحرب، ويرفض الانسحاب منه، فارضا من خلاله منطقة عازلة أو ما يسمى “الحزام الأمني” على طول الحدود الشرقية والشمالية. وبحسب المعطيات، يسيطر هذا الخط على نحو 58% من مساحة القطاع، ويتحرك تدريجيا غربا، ضاغطا على مئات الآلاف من المدنيين في رقعة ضيقة ومكتظة، فيما أصبح محيطه “منطقة قتل” بكل ما للكلمة من معنى.

وفي موازاة ذلك، يواصل الاحتلال إطلاق يد مليشيات محلية داخل القطاع لتنفيذ عمليات اغتيال وإحداث الفوضى، فضلا عن إسناد أدوار تنظيمية وإدارية لها، بما في ذلك المشاركة في إدارة معبر رفح، وتصنيف الفلسطينيين الداخلين والخارجين، لتتحول هذه المليشيات إلى ما يشبه “حكومة ظل” تعمل بإشراف الاحتلال وتخدم أهدافه الأمنية والسياسية داخل غزة.

أما على الصعيد الإنساني، فإن الصورة التي ترسمها المنظمات الدولية تبدو أكثر فداحة. فقد دقت منظمة أطباء بلا حدود ناقوس الخطر، مؤكدة أن ستة أشهر من وقف إطلاق النار الهش وغير الفعال لم تُنهِ الإبادة الجارية بحق الفلسطينيين، بل إن السلطات الإسرائيلية واصلت فرض شروط تهدف إلى تدمير ظروف الحياة في القطاع. ورغم انخفاض نسبي في شدة العنف، فإن الهجمات الإسرائيلية لا تزال مستمرة، والوضع الإنساني لا يزال كارثيا، فيما تبقى احتياجات السكان هائلة وغير ملباة.

ويعاني سكان غزة من نقص حاد في المياه النظيفة والغذاء والكهرباء والرعاية الصحية، فيما يتعرض النظام الصحي المتهالك لمزيد من الخنق نتيجة عرقلة دخول المساعدات، إلى جانب إلغاء إسرائيل تسجيل 37 منظمة غير حكومية دولية كانت تقدم مساعدات حيوية، من بينها منظمة أطباء بلا حدود نفسها. كما تمنع سلطات الاحتلال معظم عمليات الإجلاء الطبي للمرضى الذين يحتاجون إلى رعاية متخصصة خارج القطاع، حيث ما يزال أكثر من 18 ألفا و500 شخص مدرجين على قوائم الإجلاء الطبي، بينهم 4 آلاف طفل، وفقا لمنظمة الصحة العالمية.

وتؤكد المعطيات أن نحو 90% من سكان قطاع غزة نزحوا قسرا مرات متعددة، ويعيشون اليوم في خيام أو ملاجئ مؤقتة، في ظل غياب الحد الأدنى من مقومات الحياة. ولم يتحسن هذا الواقع بعد وقف إطلاق النار، بل استمر التدهور، مع تقلص المساحة المتاحة للعيش، وتوسع الخط الأصفر، واستمرار القصف، وتزايد الضغط على السكان في مساحة محدودة تختنق تحت وطأة الجوع والنزوح والبرد والمرض.

وفي سياق متصل، أكد مركز غزة لحقوق الإنسان أن الاحتلال يواصل انتهاك البروتوكول الإنساني، لا سيما فيما يتعلق بإدخال المساعدات. فالذي نص عليه الاتفاق هو دخول 600 شاحنة يوميا، بينما ما يدخل فعليا لا يتجاوز 39% من هذا العدد، في حين انخفض إدخال الوقود إلى نحو 14.9% فقط من الكميات المطلوبة، وهو ما ينعكس مباشرة على الكهرباء والمياه والصرف الصحي والخدمات الأساسية. كما أن الاحتلال لا يلتزم بخطوط الانسحاب، ولا يُدخل المواد اللازمة لصيانة البنية التحتية، ولا المعدات الثقيلة لإزالة الأنقاض وانتشال الجثامين، ولا المستلزمات الطبية، ولا الخيام والبيوت المتنقلة، ولا يسمح بتشغيل محطة توليد الكهرباء، ولا يفتح معبر رفح كما هو متفق عليه.

ومع وصول نسبة الدمار في القطاع إلى نحو 90% من إجمالي المباني والمنشآت، ووجود ما يزيد على 42 مليون طن من الركام، تتحول مسألة إعادة الإعمار إلى معركة أخرى بحد ذاتها، في ظل وجود ذخائر غير منفجرة وجثامين ما تزال تحت الأنقاض. وتقدَّر الخسائر الاقتصادية المباشرة بنحو 70 مليار دولار، في حين لا يشمل هذا الرقم الخسائر غير المباشرة الناتجة عن توقف الاقتصاد وفقدان الوظائف وتحطيم البنية الاجتماعية والمعيشية للقطاع، ما يعني أن الحرب لم تدمر الحاضر فقط، بل محت عقودا كاملة من التنمية الفلسطينية وأعادت غزة إلى مستويات معيشية لم تشهدها منذ 60 عاما.

في المحصلة، فإن نصف عام على اتفاق غزة لم يأتِ بالتهدئة الحقيقية ولا بالإنقاذ الإنساني، بل كشف أن الاحتلال استخدم الاتفاق كغطاء لاستمرار القتل البطيء والتجويع المنهجي وتوسيع السيطرة الميدانية. وبين الخروقات العسكرية والانهيار الإنساني وتعطيل الإغاثة وفرض الوقائع الجديدة على الأرض، تبدو غزة اليوم أمام واقع يؤكد أن الهدنة لم توقف الجريمة، بل منحت الاحتلال مساحة جديدة لإدارة عدوانه بأدوات مختلفة، فيما يواصل الفلسطينيون دفع الثمن دما وجوعا ونزوحا وانتظارا.

مليونية صنعاء تجدد التفويض الشعبي لمحور المقاومة وتؤكد: البحر الأحمر أُغلق بوجه العدوان ووحدة الساحات خيار المرحلة

شهدت العاصمة صنعاء، اليوم الجمعة، والمحافظات اليمنية، مليونية حاشدة تحت شعار: “شكراً لله واحتفاءً بالنصر.. ساحاتنا واحدة في مواجهة الصهيونية”، في مشهد شعبي واسع حمل رسائل سياسية وعسكرية واضحة، أكدت أن الموقف اليمني الثابت تجاه فلسطين ولبنان وقضايا الأمة لم يتراجع ولن يتبدل، وأن ما تحقق في الجولة الأخيرة من المواجهة يمثل انتصاراً تاريخياً لمحور الجهاد والمقاومة، وسقوطاً جديداً لمعادلة الاستباحة التي سعى العدو الأمريكي الإسرائيلي إلى فرضها على المنطقة.

وأكد بيان المسيرات أن الجماهير اليمنية تجدد تمسكها بمواقفها المبدئية والثابتة تجاه الشعب الفلسطيني والمسجد الأقصى وقضايا الأمة، مشددة على ضرورة تثبيت معادلة الردع ووحدة الساحات وإسقاط معادلة الاستباحة والتجزئة، ورفض أي محاولة لتمرير مخطط “إسرائيل الكبرى” الذي يستهدف الأمة في حاضرها ومستقبلها وهويتها وسيادتها.

وفي واحدة من أبرز الرسائل التي حملها البيان، باركت الحشود اليمنية “للشعب الإيراني المسلم وقيادته ونظامه الإسلامي وقواته المسلحة ولشعوب ومجاهدي محور الجهاد والمقاومة وكل الأمة بالنصر العظيم”، معتبرة أن ما جرى في المواجهة الأخيرة لم يكن حدثاً عابراً، بل منعطفاً مفصلياً أعاد تثبيت معادلة الردع، ورسخ وحدة الساحات، وأثبت أن إرادة الأمة الحية قادرة على إفشال المخطط الصهيوني الأمريكي مهما بلغ حجم العدوان واتسعت أدواته.

كما باركت الجماهير “لقائد الثورة وقواتنا المسلحة وشعبنا المجاهد الانتصار العظيم ومنع الأعداء من استخدام البحر الأحمر في العدوان”، في إشارة مباشرة إلى الدور اليمني الفاعل في إغلاق البحر الأحمر أمام الاستخدام العسكري المعادي، وتحويل هذا الممر الحيوي إلى جبهة ردع استراتيجية أسهمت في حماية دول المحور ومنع العدو من توسيع عدوانه بحرية كاملة.

وجدد البيان التأكيد على أن اليمن “مع لبنان وفلسطين وإلى جانبهما في هذه الجولة وفي أي جولة قادمة”، واصفاً ذلك بأنه “التزام أخلاقي ومبدئي وديني” لا يخضع للحسابات الظرفية ولا للضغوط الإقليمية والدولية، بل ينطلق من قناعة راسخة بأن وحدة المعركة تفرض وحدة الموقف ووحدة الإسناد في مواجهة عدو واحد ومشروع واحد.

وفي ما يتعلق بالمسجد الأقصى، شددت المسيرات على أن “عيوننا على المسجد الأقصى لا تغفل أبداً والتزامنا تجاهه ثابت ولن يتغير، وتحريره قادم وقريب بإذن الله”، في رسالة تؤكد أن القضية الفلسطينية ما تزال في صدارة الوعي الشعبي اليمني، وأن أي محاولات إسرائيلية لفرض وقائع جديدة في القدس ستبقى في دائرة الرفض والمواجهة.

ودعا البيان دول وشعوب الأمة العربية والإسلامية إلى الاستفادة من الانتصار التاريخي لقوى الأمة الحية ومحور الجهاد والمقاومة، معتبراً أن المرحلة تفرض إعادة النظر في الخيارات والمواقف، والانحياز إلى معادلة الكرامة والسيادة، لا إلى معادلات الخضوع والتطبيع والتبعية للعدو.

وفي البعد الأمني الداخلي، باركت الحشود للأجهزة الأمنية اليمنية الإنجاز الأمني الكبير، وكل جهودها في التصدي للنشاط الاستخباراتي الإجرامي للعدو الأمريكي والإسرائيلي داخل البلاد، مؤكدة أن رفع مستوى الوعي الشعبي وفضح خطط العدو وأساليبه يمثلان جزءاً أساسياً من معركة المواجهة، بالتوازي مع الجهد العسكري والسياسي والإعلامي.

وتعكس الصور الواردة من مليونية صنعاء حجم الزخم الشعبي الذي خرج “شكراً لله واحتفاءً بالنصر”، في مشهد أراد أن يقول بوضوح إن الساحات واحدة، والمعركة واحدة، والعدو واحد، وأن اليمن باقٍ في قلب المواجهة، شعباً وقيادةً وقواتٍ مسلحةً، حتى سقوط المشروع الصهيوني وانكسار أدواته في المنطقة.

ملخص كلمة “السيد الحوثي”: فشل العدوان على إيران أسقط معادلة الاستباحة ورسّخ وحدة الساحات وأعاد للأمة اعتبارها

في قراءة شاملة لآخر التطورات، قدّم قائد أنصار الله السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي صورة متكاملة عن نتائج الجولة الأخيرة من المواجهة، معتبراً أن إعلان وقف إطلاق النار بحد ذاته يمثل انتصاراً كبيراً للجمهورية الإسلامية في إيران ولمحور المقاومة وللأمة الإسلامية وأحرار العالم، وأن هذا الانتصار جاء في مقابل فشل كبير للصهيونية وأذرعها، أمريكا و”إسرائيل” ومن أعانهم، بعد أن عجزوا عن تحقيق أهدافهم رغم حجم العدوان وجرائمه واتساع دائرة الاستهداف لكل مظاهر الحياة في إيران، بما في ذلك المنشآت النووية الحساسة مثل محطة بوشهر.

وأوضح السيد الحوثي أن جوهر العدوان لم يكن مرتبطاً بإيران وحدها، بل كان يمثل مرحلة خطيرة من المخطط الصهيوني الذي يستهدف الأمة كلها تحت عنوان “تغيير الشرق الأوسط” وإقامة “إسرائيل الكبرى”، مؤكداً أن الأعداء أرادوا إزاحة العائق الأكبر في المنطقة، أي الجمهورية الإسلامية في إيران، بسبب دورها وثقلها وتأثيرها الكبير في دعم شعوب الأمة وقضاياها. لكنه شدد على أن هذا المخطط فشل، وأن إسقاط هذه المرحلة من مراحله يمثل خطوة مهمة جداً في فرملة المشروع الصهيوني ومنع تنفيذه.

وفي توصيفه لأسباب هذا الفشل، ركّز السيد الحوثي على الثبات الإيراني بوصفه العامل الحاسم في المعركة، سواء على مستوى القيادة والشعب والقوات المسلحة أو على مستوى تماسك مؤسسات النظام الإسلامي رغم استشهاد عدد من القادة. وأكد أن إيران أظهرت غنىً في القيادات والكفاءات، وأن كل مؤسساتها واصلت أداء مهامها تجاه الشعب على أكمل وجه، بينما تماسكت القوات المسلحة الإيرانية وقدّمت أداءً وصفه بـ الفاعل والقوي جداً، ملحقةً بالعدو خسائر كبيرة أوصلته في نهاية المطاف إلى الفشل والهزيمة. كما أشار إلى أن 12 مليون إيراني التحقوا بالتعبئة العامة، وأن الحضور الشعبي والثوري المستمر ليلاً ونهاراً شكّل تفنيداً عملياً لكل مزاعم العدو عن اهتزاز الداخل الإيراني.

وعلى المستوى الميداني، قال السيد الحوثي إن إيران نفذت عمليات بزخم هائل وغير مسبوق ضد العدو الإسرائيلي والقواعد الأمريكية، وإن نتائج هذه العمليات تمثلت في إبقاء الصهاينة في الملاجئ معظم الوقت على مدى 40 يوماً، وإجبار الضباط والجنود الأمريكيين على الهروب من قواعدهم والاختباء في الفنادق والأماكن السرية. كما اعتبر أن إغلاق مضيق هرمز كان من أهم المواقف الكبيرة التي مارست بها إيران الضغط على أمريكا ومن يتعاون معها، مؤكداً أن هذه الجولة أعادت الاعتبار لمعادلة الردع وأسقطت معادلة الاستباحة التي سعى الأمريكي والإسرائيلي إلى فرضها على الأمة ومحور المقاومة.

وفي قلب هذه الجولة، شدد السيد الحوثي على أن أحد أهم ما تحقق هو الإرساء لمعادلة وحدة الساحات بين جبهات محور الجهاد والمقاومة، مؤكداً أن حزب الله والمقاومة الإسلامية في لبنان كانا في صدارة من رسّخ هذه المعادلة وفي صدارة المواجهة مع العدو الإسرائيلي، عبر عمليات مكثفة وخسائر كبيرة ألحقتها المقاومة بالعدو في واحدة من أكبر المعارك التي خاضتها. كما أشاد بدور فصائل المقاومة الإسلامية في العراق والعشائر العراقية والشعب العراقي، واعتبر أن جبهة العراق كان لها دور متميز وعظيم بزخم كبير جداً في العمليات.

أما في ما يخص جبهة اليمن، فأكد السيد الحوثي أن من أهم نتائجها منع العدو الإسرائيلي والأمريكي من الاستخدام العسكري للبحر الأحمر في الأعمال العدائية ضد إيران ودول المحور، إلى جانب المشاركة في العمليات المشتركة بالقصف بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد العدو الإسرائيلي. وأوضح أن عمليات اليمن تسير في مسار تصاعدي واعد بالعمليات المفاجئة والخيارات الكبيرة المؤثرة، وأنها تتحرك ضمن خطة مدروسة تأخذ في الاعتبار أي مدى زمني للعدوان. كما أشار إلى أن الحضور الشعبي اليمني في المسيرات والمظاهرات المليونية كان عظيماً وبزخم ليس له مثيل، وأنه مثّل رسالة ثبات واضحة في إطار وحدة الساحات ورفض معادلة الاستباحة.

وفي البعد السياسي والاستراتيجي، وجّه السيد الحوثي نقداً حاداً لبعض الأنظمة العربية، معتبراً أنها أخطأت حين تصورت أن نجاتها ومصلحتها في الخنوع والخضوع للأمريكي والإسرائيلي، وأن بعضها حمى القواعد الأمريكية وعرض أمنه ونفسه للخطر، بل وحوّل بلاده إلى ساحة حرب خدمةً للعدو الإسرائيلي. وأكد أن هذه الأنظمة لم تستفد من الأمريكي ليحميها، بل تحملت هي عبء حماية قواعده، ودفع الأعباء المالية والاقتصادية والأمنية. كما اعتبر أن أي خدمة للعدوان الأمريكي والإسرائيلي هي خدمة مباشرة للصهيونية العالمية، داعياً الأنظمة التي تورطت مع العدو إلى مراجعة حساباتها، ومشيراً إلى أن حتى بعض الدول غير الإسلامية، مثل إسبانيا، اتخذت موقفاً أكثر شرفاً بمنع استخدام أراضيها وأجوائها.

كما توقف السيد الحوثي عند ما وصفه بـ الأبعاد الحضارية والأخلاقية للعدوان، مؤكداً أن العدو استهدف المراكز البحثية و55 مكتبة، بما يثبت أنه عدو للعلم والحضارة ولكل خير لهذه الشعوب، وأن نهجه قائم على الطغيان والنفسية الإجرامية الخبيثة. ولفت إلى أن المخطط الذي نفذه الأعداء في أصفهان كان يقف وراءه أهداف خطيرة جداً، لكنه أُفشل بعد أن تكبد العدو خسائر كبيرة، مضيفاً أن الأمريكي والإسرائيلي حاولا تسويق فشلهما على أنه “نجاح تاريخي” بأسلوب سخيف سخر منه العالم كله. ومن هنا خلص إلى أن إيران خرجت من هذه الجولة أقوى مما كانت عليه، وأكثر حضوراً وتأثيراً على المستوى العالمي، وأن ما يروّج له الأعداء عن إضعافها غير صحيح نهائياً.

وفي نظر السيد الحوثي، فإن هذه الجولة ليست نهاية الصراع، بل محطة كبرى من محطاته. فهو شدد على أن توقف هذه الجولة لا يعني نهاية الخطر الصهيوني، بل يفرض الاستعداد للجولات القادمة، وأن أي تهدئة لا يمكن أن تنجح إلا إذا توقف العدو عن عدوانه على لبنان وعلى كل جبهات المحور، وعن الخروقات الجوية وإرسال الطائرات المسيّرة. كما أكد أن العدو يحاول دائماً تجزئة الجبهات وإسقاط معادلة وحدة الساحات، لكن كل جبهات المحور لن تتفرج إذا استهدف العدو أي جبهة، بما في ذلك الجبهة الفلسطينية، وأن جبهة اليمن جاهزة للتدخل المباشر لإسناد فلسطين إذا عاد العدوان الإسرائيلي.

وعلى المستوى اليمني الداخلي، لفت السيد الحوثي إلى أن العمليات العسكرية المشتركة مع المحور استمرت خلال هذا الأسبوع حتى الإعلان عن التهدئة، كما أشار إلى إنجاز أمني مهم تمثل في إعلان جهاز الأمن والمخابرات اعتقال خلايا تجسس تعمل لخدمة العدو الصهيوني، معتبراً ذلك فشلاً مهماً للعدو وموضوعاً يستحق مزيداً من التوعية، خصوصاً في ما يتعلق بأساليب الخداع الإسرائيلي والاستقطاب. كما نوّه إلى بيان رابطة علماء اليمن ودار الإفتاء، وإلى الوقفات الشعبية المتنوعة، مع دعوة جديدة إلى الخروج المليوني العظيم شكراً لله واحتفاءً بالنصر، وتأكيداً على الثبات في نصرة إيران ولبنان وفلسطين والأقصى.

وخلاصة الكلمة أن السيد الحوثي قدّم هذه الجولة بوصفها انتصاراً تاريخياً لإيران ومحور المقاومة، لا لأنها أوقفت العدوان فقط، بل لأنها أسقطت معادلة الاستباحة، ورسخت معادلة الردع، وأثبتت فاعلية وحدة الساحات، وكشفت عجز المشروع الصهيوني الأمريكي عن تحقيق أهدافه الكبرى. كما اعتبر أن ما تحقق يمثل درساً كبيراً للأمة ودعوة صريحة لها إلى اللحاق بمحور الجهاد والقدس والمقاومة، والعمل الجاد لتحرير فلسطين واقتلاع الكيان الصهيوني، لأن الصراع ـ كما قال ـ له أفق واضح، ووعد صريح بزوال هذا الكيان إذا نهضت الأمة بمسؤولياتها وأخذت بأسباب النصر.

“الوعد الصادق” يذل الاستكبار العالمي

لم يكن توافق إعلان النصر في حرب الأربعين يومًا (2026) مع ذكرى أربعينيات الإمام الخميني مُجَـرّد صدفة تقويمية، إنما تجلٍّ لإعجاز تاريخي.

ويصادف هذا الإعجاز التاريخي أَيْـضًا أربعينية استشهاد المرشد الأعلى السيد علي خامنئي (شهيد القدس)، السعيد الصائم الذي ارتقى على طريق تحرير المسجد الأقصى، فجاء نصر الأربعين متوجًا بدم القائدين: المؤسّس والحارس.

تحولت (الأربعينية) من مدرسة لإسقاط طاغوت الداخل بعبقرية الإمام، إلى استراتيجية عسكرية عالمية (الوعد الصادق 4) سحقت في 40 يومًا فقط أضخم ترسانة استعمارية عرفها التاريخ، لتعلن بوضوح أن زمن الهزائم قد ولى، وأن إرادَة الشعوب المستمدة من روح الله هي القدر الذي لا يُرد.

المحور الأول: هندسة الروح– كيف حوّل الخميني الأربعينية من مأتم إلى منصة لإسقاط العروش؟

لم تكن الثورة الإسلامية انفجارا عشوائيًّا، بل كانت هندسة نضالية فريدة ابتكرها الإمام الخميني (قدس سره).

استطاع بعبقريته القيادية تحويل الطقس الجنائزي إلى دينامو سياسي، مؤسّسا لمنهجية الأربعين يجر الأربعين:

١- ديناميكية التعبئة المُستمرّة: حوّل الإمام مجالس العزاء إلى وقود سياسي؛ فمن أربعينية شهداء قم ولدت انتفاضة تبريز، ومنها انطلقت أربعينيات المدن الأُخرى، مما خلق دائرة مغلقة من التعبئة شلت أركان نظام الشاه واستنزفت قدراته الأمنية حتى السقوط.

٢- فلسفة الدم المنتصر: لم ينظر الإمام إلى الأربعين كحدث تاريخي، بل كمنهج كفاح ومؤتمر عالمي للمستضعفين، محولًا إياها من مُجَـرّد ذكرى للحزن إلى واجب شرعي ووطني يمنح الجماهير دافعًا إيمانيًّا لا يهاب الموت.

هكذا تحولت الأربعينيات من مآتم إلى مدرسة في علم النفس الجماهيري، رسمت الخرائط الأولى لمعادلات النفوذ والكرامة التي نجني ثمارها اليوم.

المحور الثاني: إعصار الميدان- الاستراتيجية التي سحقت الهيمنة وفرضت سيادة مضيق هرمز:

في حرب الأربعين يومًا (2026)، تحولت مدرسة الإمام إلى واقع عسكري كسر هيبة الاستكبار العالمي.

لم تكتفِ إيران بصد العدوان، بل نجحت في إعادة رسم خارطة القوة عبر معادلات ردع غير مسبوقة:

١- المعجزة التكنولوجية (المسيرات والصواريخ): محطمةً غطرسة الآلة العسكرية الأمريكية، ومعلنةً رسميًّا عصر ‘كسر التفوق التقني’ (Overmatch)، حَيثُ سقطت أُسطورة الهيمنة الجوية أمام عبقرية الابتكار السيادي.

٢- النصر الجيوسياسي الأكبر: توجت هذه الملحمة بفرض السيادة المطلقة على مضيق هرمز.

لم يعد المضيق مُجَـرّد ممر مائي، بل صار شريانًا سياديًّا تفرض فيه إيران رسوم عبور وتضع قواعد المرور الآمن، في أضخم تحول لقوانين التجارة البحرية منذ قرون، لتنهي زمن ‘الممرات المستباحة’ للاستعمار، وتدشّـن عصر الممرات السيادية التي تحمي حقوق الشعوب لا مصالح النهب الأجنبي

· صون محور المقاومة: لم تكن المعركة إيرانية فحسب، بل ملحمة مشتركة خاضها محور المقاومة في لبنان والعراق واليمن وفلسطين.

أثبتت الحرب أن استهداف أي جزء من المحور هو استهداف للكل، وانتهت بفرض وقف العدوان على كافة الجبهات، مما عزز وحدة الساحات وجعل المحور كتلة فولاذية أكثر تسليحًا وخبرة وترابطًا من أي وقت مضى.

لتعلن للعالم أن معركة الأربعين لم تكن دفاعًا عن إيران فقط، بل كانت دفاعًا عن كرامة أُمَّـة.

المحور الثالث: تقاطع الدم (إبريل 2026) – من ميثاق التأسيس إلى ملحمة الاستسلام:

شهد الثامن من إبريل 2026 لحظة فارقة تداخلت فيها أربعينية المؤسّس مع أربعينية استشهاد المرشد الأعلى السيد علي خامنئي (شهيد القدس)، لتتحول الصدمة الأمنية إلى نصر إلهي محتوم:

١- ثمار البنود العشرة: أجبرت إيران أمريكا على قبول شروط الاستسلام الكامل؛ من الرفع الشامل لكافة العقوبات (الأولية والثانوية)، إلى الاعتراف بالحقوق النووية السيادية، وُصُـولًا إلى الانسحاب الذليل للقوات القتالية الأمريكية من المنطقة، في مشهدٍ أعاد للأذهان ‘هروب كابل’، لكنه هذه المرة كان الهروب النهائي الذي طوى صفحة الوجود الأمريكي في غرب آسيا إلى الأبد

٢- وحدة الساحات: تجلى انتصار الأربعين في فرض وقف العدوان على كافة الجبهات (لبنان، اليمن، العراق، فلسطين)، مما حوّل محور المقاومة إلى كتلة لا تُخترق، وأسس لواقع إقليمي لا مكان فيه للصهيونية العالمية.

٣- التعبئة تحت دم الشهيد: تحولت مراسم الأربعين من مواكب عزاء إلى أكبر عملية تحشيد عسكري ونفسي في التاريخ، حَيثُ رفعت الجماهير شعار الثأر للشهيد الحارس كعنوان للمرحلة القادمة.

المحور الرابع: ما بعد الأربعين– المكاسب الاستراتيجية والتحول نحو عالم متعدد الأقطاب:

تتجاوز مكاسب هذه الملحمة الحدود الجغرافية، لترسم ملامح نظام عالمي جديد:

١- داخليًّا (إيران القوية): التفاف شعبي مليوني تاريخي وأد أحلام الفوضى، وتحرّر من قيود العقوبات، وتدفق استثمارات إعادة الإعمار عبر عائدات مضيق هرمز، وتثبيت حق تخصيب اليورانيوم كحق سيادي.

٢- إقليميًّا (إعادة صياغة المنطقة): طرد الوجود العسكري الأجنبي وتأسيس تعاون إقليمي سيادي (نموذج التعاون مع سلطنة عمان)، وتحول مضيق هرمز إلى شريان اقتصادي تحت الإدارة الإيرانية الكاملة.

٣- عالميًّا (عالم متعدد الأقطاب): حطم زلزال الـ40 يومًا الهيبة الأمريكية وسرّع من وتيرة الانتقال إلى نظام عالمي جديد، حَيثُ أصبحت إيران طرفًا أصيلًا لا يمكن تجاوزه في أمن الطاقة والتجارة الدولية، وأصبحت البنود العشرة مرجعًا لأي تفاهمات مستقبلية، بعد أن سقطت بروباغاندا الإعلام الصهيوني تحت أقدام الملايين الزاحفة في ميادين العزة.

إعصار لا يهدأ.. فرحة النصر الكبرى:

لقد رحل الإمام الخميني جسدًا، لكن أربعينياته لا تزال هي المحرك للسيادة والكرامة من طهران إلى صنعاء وبيروت.

إن انتصار 8 إبريل 2026 هو البرهان الساطع على أن الأُمَّــة التي تقدس شهداءها وتحول جراحها إلى استراتيجيات ردع، هي أُمَّـة لا تُستعبد.

مع إعلان بيان المجلس الأعلى للأمن القومي، تحولت مدن إيران من طهران إلى مشهد ومن خوزستان إلى هرمزجان إلى ساحات احتفال كبرى.

غصت الميادين بالحشود الشعبيّة المليونية التي خرجت بفرحة عارمة ترفع رايات النصر وصور القادة الشهداء، وسط توزيع الحلوى وهتافات الانتصار على الصهيونية العالمية والرئيس الأمريكي الجاهل.

إنها فرحة النصر الكبرى التي تؤكّـد أن الشعب الإيراني ليس فقط خلف قيادته، بل هو صانع النصر الحقيقي الذي حوّل الألم إلى مجد، والتهديد إلى سيادة مطلقة.

إن كُـلّ ما لدينا هو من عاشوراء وأربعينياتها..

واليوم نكتب بدم القادة فصلًا جديدًا من فصول النصر النهائي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عدنان عبدالله الجنيد

ما بعد ميثاق الله ونكث الصهاينة.. وعد الآخرة

أعتقد أن العالم يعرف من هم ناقضو العهود، أعداء الله والإنسانية: اليهود والصهاينة ومن والاهم، وقد عرّفنا بهم قول الله تعالى: ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ.

نقض العهود وارتكاب المجازر البشرية، سواء في غزة أَو لبنان، هي جرائم حرب لا تسقط بالتقادم.

ما شهدته لبنان من استهداف وقصف بأكثر من مئة غارة إسرائيلية وأمريكية، مستغلين اتّفاق وقف إطلاق النار المبرم بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والعدوّ الأمريكي، والذي قضى بإيقاف إطلاق النار وإقامة هدنة لمدة أسبوعين، استُغل لارتكاب جرائمهم في جنوب لبنان والقطاع والضاحية وبيروت، ليسقط ما يقرب من 200 ضحية ويُصاب المئات من الأبرياء في خطوة إجرامية، تعكس صلف هؤلاء الملاعين وتعطشهم للدماء، في ظل صمت دولي وتواطؤ أممي، ظانين بأن هذه الجرائم ستغطي فشلهم وانهيارهم، وتحوّل الأنظار عن السقوط المدوي لقوى الاستكبار والهيمنة على أيدي رجال الله في المحور المقاوم.

على مر التاريخ، كانت المواثيق والاتّفاقات الضامن الوحيد لوقف نزيف الدماء وحماية المدنيين في النزاعات.

لكن عندما تُنقض هذه العهود وتُكسر الاتّفاقيات تحت أقدام أعداء الإنسانية بعد توقيعها، يتحول المشهد من صراع سياسي إلى جريمة حرب مكتملة الأركان، وعهود تُنتهك كأنها مُجَـرّد أوراق لا قيمة لها.

أولًا: نقض العهود.. أخلاق تنهار قبل الاتّفاقيات:

نقض العهد ليس مُجَـرّد خرق قانوني، إنه انهيار للثقة بين الأمم وموت للسلام قبل أن يولد.

عندما يوقع طرف على اتّفاق لوقف إطلاق النار أَو لحماية المدنيين، ثم يعود لخرقه عند أول فرصة، فإنه يعلن للعالم أن الدماء البشرية لا تساوي شيئًا في ميزانه.

التاريخ يشهد أن ناقضي العهود لم يكتب لهم النجاة ولا النصر، لأن الغدر يزرع بذور هزيمته بنفسه.

ثانيًا: استهداف المدنيين في لبنان.. حرب على القيم الإنسانية:

حين تُقصف أحياء لبنان، وتُستهدف أطفاله، وتُدمّـر بيوته، فإن العدوان لا يطال الجغرافيا فقط، بل يطال روح الإنسانية كاملة.

استهداف المدنيين في لبنان ليس خطأً تكتيكيًّا، بل إرادَة ممنهجة لترويع الآمنين وتدمير المستقبل قبل الحاضر.

المستشفيات، المدارس، الأسواق، وحتى سيارات الإسعاف تتحول إلى أهداف، وكأن الحياة نفسها صارت جريمة.

كل طفل يسقط شهيدًا، وكل عائلة تُباد تحت الأنقاض، هي جريمة مكتملة الأركان.

الضمير الإنساني ينتظر محكمة دولية جريئة تحاسب، لا محاكم تنتظر الإذن.

والله لن تفلحوا يا مجرمي التاريخ، فقد أصبحتم عارًا يلاحقكم، وكل الأحرار يعرفونكم ويقفون لكم بالمرصاد، وقد ألزموا أنفسهم استئصالكم وإنقاذ البشرية من شروركم.

وفي صميم عقيدتهم أن المعركة معكم مُستمرّة حتى الفتح الموعود والجهاد المقدس.

إن كنتم تظنون أن نقض العهود واستهداف الأطفال وارتكاب المجازر سيمنحكم النصر أَو الإفلات من العقاب، فأنتم واهمون.

وإن تأخر الاقتصاص بعض الوقت، فلن تموت كُـلّ قطرة دم سفكتوها، وستبقى شعلة في وجه الظالمين.

 الفتح الموعود والكرامة قادم لا محالة.

وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا:

جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أول مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

طوفان الجنيد

معركة الوعي قبل السلاح: كيف تحكم السنن الإلهية مصير الأمم؟

تحكم سنن الله حركة الأمم كما تحكم القوانين حركة الكون؛ لا تحابي أحدًا، ولا تتبدل لأجل قوم أو عِرق أو تاريخ. وحين يتأمل المتدبر مسار الحضارات، يدرك أن الصعود والهبوط لم يكونا يومًا نتاج الصدفة، بل نتيجة مباشرة للموقف، والالتزام، وحمل المسؤولية. فالاستخلاف في الأرض ليس منحة دائمة، بل تكليف مشروط بالإيمان والعمل والقيام بالواجب.

قال الله تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَّلَوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ هذه الآية لا تُقرأ بوصفها تهديدًا مجردًا، بل قانونًا تاريخيًا حاكمًا، يؤكد أن الأمة التي تتولى عن واجبها، وتُعرض عن تكليفها، وتستبدل الولاء لله بالولاء للأعداء، تفقد موقعها في معادلة الفعل، ويُسحب منها الدور، ليُمنح لغيرها ممن هو أصدق موقفًا وأثبت مبدأً.

ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ فالتغيير يبدأ من الداخل قبل أن ينعكس على الواقع السياسي والعسكري. وحين تختل البوصلة القيمية، ويتحول الدين إلى طقوس بلا موقف، تصبح الأمة مهيأة نفسيًا وسياسيًا لسنّة الاستبدال.

ويأتي واقع الأمة العربية اليوم شاهدًا حيًا على هذه السنّة؛ إذ تراجعت أنظمة عربية كثيرة، وبلغ بها الانحدار حدّ الارتهان للمشروع الأمريكي الصهيوني، والتفريط بقضايا الأمة المركزية، وفي مقدمتها فلسطين. أمة وُلد فيها النبي، ونزل فيها الوحي، لكنها حين تولّت عن مسؤوليتها التاريخية، سُحبت منها الريادة، وأُبعدت عن موقع الشهادة على الناس.

قال تعالى:﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ثم قيّد الخيرية بالفعل: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ فحين غاب هذا الدور، وساد الصمت على الظلم، وسُوّغت الخيانة تحت مسميات الواقعية السياسية، سقط شرط الخيرية، وسقط معه حق القيادة.

في المقابل، برزت قوى وشعوب غير عربية تقدّمت إلى ساحة الموقف، وفي مقدمتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي أثبتت من خلال دعمها الواضح للمقاومة الفلسطينية واللبنانية، ومساندتها للشعوب المستضعفة، أن معيار الاستخلاف هو الموقف لا الانتماء، والثبات لا الادعاء. فمنذ انتصار ثورتها، وضعت نفسها في موقع المواجهة مع المشروع الأمريكي الصهيوني، وتحملت كلفة هذا الخيار من حصار وعقوبات وضغوط عسكرية واقتصادية.

وهذا الثبات لا يُقرأ بوصفه اصطفافًا قوميًّا أو مذهبيًّا، بل موقفًا دينيًا إسلاميًا وأخلاقيًا، نابعًا من فهمٍ عميق أن الشرعية تُكتسب من الالتزام بالقضية الإسلامية، وأن حمل راية المواجهة هو ما يمنح الدور والمكانة.

قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ وهنا تتجلى سنّة الاستبدال بوضوح: انتقال الدور إلى من تحمّل الكلفة، وصبر، وثبت، بعدما تخلّى عنه من كان أولى به تاريخيًا.

غير أن القراءة التحليلية العميقة تكشف أن الاستخلاف لا يُحسم بالسلاح وحده، بل بصناعة الإنسان الواعي. ومن هنا تبرز أهمية البعد التربوي والفكري في معركة الأمة. وفي هذا السياق، يركّز السيد القائد عبدالملك بن بدر الدين الحوثي، حفظه الله، في رؤيته وخطاباته، على التسلح بالإيمان، وبناء الوعي، وتحصين الأجيال من التضليل، وحثّها على الالتحاق بالمراكز الصيفية، باعتبارها مشروعًا استراتيجيًا لصناعة الإنسان، لا نشاطًا موسميًا عابرًا.

فالمعركة في جوهرها معركة وعي قبل أن تكون معركة ميدان، وقد دلّ القرآن على هذا المنهج بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ فالتزكية والتعليم يسبقان النصر، ويصنعان الإنسان القادر على الثبات وحمل الأمانة.

وقد يظن البعض أن استثمار الإجازة الصيفية في مكاسب دنيوية آنية أولى، غير أن منطق السنن الإلهية يؤكد أن بناء الإنسان عقائديًا وأخلاقيًا وفكريًا هو الاستثمار الحقيقي.

فالأمم لا تُستبدل فجأة، بل تُستبدل حين تُفرَّغ أجيالها من الوعي، وتُترك عقول أبنائها نهبًا للغزو الثقافي والتزييف الإعلامي.

وفي الخلاصة، تثبت الوقائع أن سنّة الله ماضية لا تحابي أحدًا: ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ من يتقدم بالإيمان والوعي والمسؤولية، يتقدم به الله، ومن يتراجع ويتولى ويُوالي الأعداء، يُزَح عن موقعه مهما كان تاريخه. وبين التولي والاستبدال، تبقى معركة الوعي هي الفيصل، لأنها التي تحدد من يستحق أن يكون فاعلًا في التاريخ، ومن يُترك خارجه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شاهر أحمد عمير

الأقصى يستعيد نبضه بعد 40 يوماً من الإغلاق.. تكبيرات وسجود ودموع فرح في مواجهة القمع والاقتحامات

في مشهدٍ مهيبٍ اختلطت فيه الدموع بالتكبيرات والسجود بالشوق، استعاد المسجد الأقصى المبارك شيئاً من روحه فجر اليوم، بعدما فُتحت أبوابه أمام المصلين للمرة الأولى عقب إغلاق دام 40 يوماً فرضته سلطات الاحتلال الإسرائيلي في سياق إجراءاتها الأمنية المشددة المرتبطة بالمواجهة الإقليمية الأخيرة. وقد أظهرت المشاهد المتداولة توافد مئات الفلسطينيين إلى باحات المسجد، حيث اندفعت الجموع نحو الأقصى وسط تكبيرات عالية وسجدات شكر على بلاطه العتيق، في لحظة بدت كأنها انتصار للثبات المقدسي على سياسة الإغلاق والتضييق.

وتمكن نحو 3 آلاف مصلٍّ من أداء صلاة الفجر في المسجد الأقصى، رغم الحصار المشدد والإجراءات القمعية التي رافقت إعادة فتحه، إذ واصلت قوات الاحتلال فحص الهويات ومنع عدد من الشبان من الدخول والاعتداء على بعض المصلين عند الأبواب، في محاولة واضحة لتنغيص هذا المشهد الإيماني والوطني الجامع. وبرغم ذلك، صدحت باحات الأقصى بتكبيرات العيد عقب الصلاة، في مشهد عكس فرحة غامرة بعودة الحياة إلى المسجد بعد أسابيع طويلة من الإغلاق والمنع.

غير أن الاحتلال، الذي لم يكتفِ بإغلاق الأقصى أربعين يوماً، سارع إلى استكمال عدوانه على المكان المقدس بأساليب أخرى، إذ اعتقلت شرطة الاحتلال المرابطة منتهى أمارة عند أحد أبواب المسجد، بعد ساعات من اعتقال شاب من داخل ساحاته. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل أقدمت مجموعات من المستوطنين على اقتحام المسجد الأقصى خلال الفترة الصباحية تحت حماية مشددة من شرطة الاحتلال، في خطوة حملت طابعاً استفزازياً واضحاً، خصوصاً أنها تزامنت مع تمديد غير مسبوق لساعات الاقتحام.

وبحسب المعطيات الواردة، فإن الاقتحامات الجديدة رافقها أداء غناء وصلوات تلمودية داخل باحات الأقصى، في تصعيد خطير يمس بشكل مباشر الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد، ويكشف عن تسارع واضح في فرض وقائع تهويدية جديدة داخل الحرم الشريف. كما أن تمديد فترة الاقتحامات الصباحية نصف ساعة إضافية، لتبدأ عند الساعة 6:30 صباحاً بدلاً من السابعة، ورفع إجمالي ساعات الاقتحام إلى 6 ساعات ونصف يومياً، يعكس توجهاً إسرائيلياً متسارعاً نحو تكريس سياسة التقسيم الزماني ومحاولة فرض أمر واقع جديد في أحد أكثر الأماكن قداسة لدى المسلمين.

وفي المحصلة، فإن ما جرى في الأقصى فجر اليوم لم يكن مجرد فتح أبواب بعد إغلاق طويل، بل مشهد صمودٍ مركّب: من جهة، مصلون عادوا إلى مسجدهم بالتكبير والدموع والسجود، ومن جهة أخرى، احتلال يواصل القمع والاعتقال والاقتحام في محاولة لكسر هذه العودة وتفريغها من معناها. وبين المشهدين، يظل الأقصى عنواناً مفتوحاً للصراع، وميداناً يومياً لإرادة فلسطينية تتشبث بالمكان، في مواجهة مشروع احتلالي يسعى إلى تغيير هويته وفرض سيطرته الكاملة عليه.

إيران تُحيي أربعينية القائد الشهيد “علي الخامنئي” بمسيرات حاشدة تؤكد ثبات نهج المقاومة وتجدد العهد على مواصلة المواجهة

شهدت العاصمة طهران ومختلف المحافظات الإيرانية، اليوم الخميس، مسيرات حاشدة ومواكب عزاء جماهيرية لإحياء الذكرى الأربعين لاستشهاد قائد الثورة الإسلامية السيد علي الخامنئي، في مشهد وطني وإيماني واسع عكس حجم الارتباط الشعبي بنهج القائد الشهيد، ورسّخ دلالة سياسية واضحة مفادها أن دماء الشهداء لم تُضعف الجمهورية الإسلامية، بل زادتها تماسكاً وصلابة وإصراراً على مواصلة طريق الجهاد والمقاومة.

وانطلقت مواكب الحداد والعزاء في طهران منذ ساعات الصباح من ساحة الجمهورية الإسلامية وسط العاصمة، متجهة نحو مكان استشهاد القائد الشهيد، بالتزامن مع مواكب مماثلة في سائر أنحاء البلاد، ضمن مراسم إحياء الأربعين التي بدأت منذ يوم أمس الأربعاء تحت عنوان “بعثة الدم”، وتستمر حتى يوم غد الجمعة، في إطار برنامج تعبوي وروحي واسع يعيد التأكيد على أن مدرسة الشهادة ما تزال هي الحاضنة الأعمق لروح الصمود الإيراني في مواجهة العدوان الصهيوني الأمريكي.

وخلال الأربعين يوماً الماضية، كما تؤكد الأجواء العامة لهذه المناسبة، أثبت الشعب الإيراني أنه ماضٍ في المقاومة البطولية أمام العدوان المتوحش، وأن الركن الأساسي لهذا الصمود يستند إلى تعاليم القائد الشهيد وتوصياته الحكيمة في مواجهة نظام الهيمنة وأدواته. ومن هنا، لم تأتِ هذه المواكب بوصفها فعالية تأبينية فحسب، بل كـ استفتاء شعبي ميداني متجدد على وفاء الإيرانيين لخط القائد الشهيد، والتفافهم حول خيار المواجهة وعدم الانكسار.

وبحسب المعطيات الواردة، فقد انطلقت مراسم اليوم الخميس عند الساعة 9:40 صباحاً بالتوقيت المحلي، واستمرت مواكب العزاء في المسارات المحددة لها، فيما أعلن رئيس مجلس الإعلام الإسلامي بمحافظة طهران حجة الإسلام محسن محمودي أن فعاليات الأربعين ستتواصل حتى الثامنة مساءً، مؤكداً أن هذه المشاركة الشعبية الواسعة تحمل “رسالة حماسية” واضحة، وتعبّر عن الملحمية الجماهيرية التي رافقت إحياء ذكرى القائد الشهيد في العاصمة وسائر المحافظات.

وتعود هذه الذكرى إلى 28 مارس/آذار الماضي، حين استُشهد سماحة آية الله السيد علي الخامنئي إثر الغارات الوحشية التي شنّتها الحكومة الأمريكية المجرمة والكيان الصهيوني على مناطق في محيط شارع باستور وبيت قائد الثورة الإسلامية. ومنذ ذلك اليوم، تحولت ذكرى استشهاده إلى عنوان تعبوي جامع يربط بين التمسك بالإرث القيادي للقائد الشهيد وبين مواصلة الصراع المفتوح مع المشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة.

وكانت فعاليات الأمس قد شهدت أيضاً انطلاق مواكب العزاء بعد صلاتي المغرب والعشاء من المساجد والحسينيات باتجاه الساحات الرئيسية والأماكن المتبركة، في حين من المقرر أن تُختتم برامج الأربعين يوم غد الجمعة بإقامة مراسم تكريم الإمام الشهيد عند الساعة العاشرة صباحاً في مصليات أرجاء البلاد، بما يكرّس هذه المناسبة كواحدة من أكثر المحطات التعبوية حضوراً في الوجدان الشعبي الإيراني منذ استشهاده.

ويؤكد المشهد العام لمراسم الأربعين أن الجمهورية الإسلامية لم تدخل مرحلة فراغ أو ارتباك بعد استشهاد قائد الثورة، بل دخلت مرحلة تجديد عهد جماهيري واسع، يربط بين الوفاء للقائد الشهيد وبين الاستمرار في المعركة ضد العدوان، ويعلن أن إيران باقية على خط المقاومة، وأن استشهاد القائد لم يطفئ شعلة المواجهة، بل أطلق بعثة دم جديدة في جسد الأمة.

أسوأ من 7 أكتوير.. جدعون ليفي: حرب إيران أسقطت أسطورة نتنياهو وحوّلته من “صانع حروب” إلى عنوان لفشل تاريخي

في واحدة من أقسى الضربات الإعلامية والسياسية التي وُجّهت إلى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو من داخل الكيان نفسه، شنّ الكاتب الصهيوني في صحيفة هآرتس جدعون ليفي هجوماً لاذعاً على نتنياهو، واصفاً إياه بأنه فاشل ومصاب بجنون العظمة، ومعتبراً أن الحرب على إيران ليست مجرد إخفاق عابر في سجله، بل “الفشل الأكبر في حياته”، بل وأخطر من السابع من أكتوبر نفسه.

ويكشف هذا التوصيف، الصادر من أحد أبرز الأصوات النقدية داخل الإعلام الإسرائيلي، حجم الصدمة التي خلّفتها هذه الحرب في البنية السياسية والنفسية للكيان، بعدما دخلها نتنياهو باعتبارها “معركة العمر” التي أراد من خلالها تثبيت صورته كـ“منقذ” تاريخي، ليخرج منها ـ وفق ليفي ـ أضعف، وأكثر عزلة، ومحمّلاً بالمسؤولية الكاملة عن الإخفاق.

ويرى ليفي أن الفرق الجوهري بين هذه الحرب وبين إخفاقات الاحتلال السابقة، وفي مقدمتها 7 أكتوبر، أن نتنياهو لم يكن في الإخفاق السابق وحده في الواجهة، إذ كانت هناك ـ بحسب المقال ـ مؤسسة عسكرية وأمنية فاشلة، وأجهزة استخبارات عاجزة، وبنية سياسية كاملة متورطة في الانهيار. أما في حرب إيران، فإن نتنياهو وحده، “بلا استثناء”، يتحمل اللوم الكامل، لأن هذه الحرب ارتبطت مباشرة بمشروعه الشخصي، وبالملف الذي لطالما قدّمه بوصفه جوهر مسيرته السياسية.

ويذهب الكاتب أبعد من ذلك حين يعتبر أن الكيان خرج من حرب إيران “مثخناً بالجراح”، وأكثر ضعفاً وعزلة مما كان عليه قبلها، في حين أن إيران، رغم ما تعرضت له، خرجت ـ وفق هذا التوصيف الإسرائيلي ـ “مهزومة لكنها أقوى”، وهي صياغة تلخص في نظره جوهر الفشل الإسرائيلي: حرب شُنّت لإضعاف إيران، فانتهت إلى تعزيز مكانتها وإظهار الكيان بمظهر المرتبك والعاجز عن فرض نتائج حاسمة.

وفي هذا السياق، يحمّل ليفي نتنياهو مسؤولية جرّ الكيان إلى حرب لم تُحقق أهدافها، ثم أُجبر على إنهائها من دون أن يُستشار، في إشارة إلى أن الرجل الذي حاول أن يكتب اسمه في كتب التاريخ باعتباره صانع الانتصار، انتهى إلى أن يصبح العنوان الأوضح للهزيمة السياسية والاستراتيجية. وبحسب المقال، فإن نتنياهو لم يخسر فقط رهانه العسكري، بل خسر كذلك صورة “القائد المتحكم” حين انتهت الحرب في مسار لم يكن صاحب قراره النهائي.

ويؤكد ليفي أن ثمن هذا الفشل كان باهظاً على الكيان، متحدثاً عن شهر ونصف من الفظائع التي عاشها نحو عشرة ملايين صهيوني، في ظل دمار اقتصادي، ومعاناة واسعة، وتعطّل عام دراسي جديد، وتآكل ما تبقى من التوازن العقلي داخل المجتمع الصهيوني، وتزايد العزلة الدولية. وبهذا المعنى، لا تبدو الحرب في مقاله مجرد جولة عسكرية فاشلة، بل ضربة شاملة للبنية الداخلية للكيان على المستويات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية.

وفي موازاة تحميله نتنياهو المسؤولية الكاملة عن حرب إيران، وسّع ليفي هجومه ليشمل المنظومة الإسرائيلية بأكملها، مستحضراً ما جرى في غزة بوصفه دليلاً آخر على التوحش البنيوي داخل دولة الاحتلال. فهو يرى أن نتنياهو كان الجذر الأول لجرائم الإبادة، لكنه لم يكن الوحيد، بل إن هناك جيشاً، واستخبارات، وطيارين، وجنوداً، وإعلاماً متواطئاً، وأجهزة أمنية، وكل من شارك في تدمير غزة وقتل الأطفال والأطباء والصحفيين، وكلهم ـ برأيه ـ شركاء في جرائم لا غفران لها.

كما وجّه ليفي سهام نقده إلى المعارضة الإسرائيلية، معتبراً أنها صفّقت للحرب منذ اللحظة الأولى، واصطفت خلفها، وبرّرتها، ثم فقدت لاحقاً حقها الأخلاقي والسياسي في انتقادها، لأنها لم تجرؤ على الاعتراض على أصل الحرب، واكتفت بالصمت بعد اتضاح نتائجها. وبهذا، يقدّم المقال صورة لكيان لم يفشل فقط في الحرب، بل فشل أيضاً في إنتاج معارضة حقيقية قادرة على كبح اندفاعه نحو الكوارث.

ويختتم ليفي مقاله بخلاصة قاسية ومباشرة: لولا تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكان نتنياهو قد واصل انحداره نحو فشل أكبر في إيران، كما فعل في غزة، وكما يسعى إلى فعله الآن في لبنان. ويعني ذلك أن الرجل، في نظر هذا الصوت الإسرائيلي البارز، لم يعد يمثل “حامي إسرائيل”، بل تحول إلى محرك أعمى لحروب تنتهي دائماً بكوارث أكبر.

في المحصلة، يعكس مقال جدعون ليفي اهتزازاً عميقاً في السردية الصهيونية حول الحرب على إيران، ويكشف أن صورة “الانتصار” التي حاول نتنياهو تسويقها تتآكل حتى داخل الإعلام الإسرائيلي نفسه. فحين يخرج كاتب من داخل الكيان ليقول إن حرب إيران أسوأ من 7 أكتوبر في سجل نتنياهو، وإنها الفشل الأكبر في حياته، فإن ذلك لا يعبّر عن نقد صحفي عابر، بل عن اعتراف داخلي بأن هذه الحرب لم تُنتج نصراً، بل عمّقت الأزمة، وأسقطت ما تبقى من هيبة القيادة الإسرائيلية.

لوموند تفضح الدور الإماراتي: قاعدة سرية في بربرة لتمكين الحضور الأمريكي الصهيوني عند باب المندب

كشفت صحيفة لوموند الفرنسية، في تقرير خطير، عن إنشاء قاعدة عسكرية سرية في مدينة بربرة ضمن إقليم أرض الصومال، بإشراف إماراتي، لتخدم بصورة مباشرة المصالح الإسرائيلية والأمريكية في واحدة من أكثر المناطق حساسية على مستوى الصراع البحري والعسكري في البحر الأحمر وخليج عدن.

وبحسب ما أورده التقرير، فإن صور الأقمار الصناعية أظهرت أن مطار بربرة يشهد منذ أكتوبر 2025 أعمال توسعة متسارعة تشمل تطوير المدارج وبناء منشآت ذات طابع عسكري، في موقع يقع على أطراف المدينة الساحلية بعيدًا عن الأضواء، بما يؤكد أن المشروع لا يندرج ضمن أعمال تطوير مدني عادية، بل ضمن ترتيب عسكري منظم يجري تنفيذه بوتيرة عالية وتحت غطاء سياسي وأمني.

وتبرز خطورة هذا المشروع في موقع بربرة الاستراتيجي القريب من مضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم لنقل النفط والتجارة الدولية. ووفق التقرير، فإن المشروع يهدف إلى تحويل المطار إلى قاعدة عسكرية متقدمة تخدم تحالفًا ثلاثيًا يضم الإمارات والولايات المتحدة و”إسرائيل”، بما يتيح لهذه الأطراف مراقبة حركة الملاحة في خليج عدن وامتلاك قدرة تدخل سريع في أي تطورات ميدانية أو بحرية في المنطقة.

وتشير المعطيات الواردة إلى أن القاعدة تقع على بعد نحو 7 كيلومترات غرب مركز المدينة، في منطقة مؤهلة للتوسع العسكري، وتضم مدرجًا طويلًا قادرًا على استقبال طائرات شحن عسكرية وطائرات مقاتلة، وهو ما يكشف أن الأمر يتجاوز مجرد موقع دعم لوجستي إلى منصة عمليات عسكرية واستخباراتية متقدمة على تماس مباشر مع السواحل اليمنية والممرات البحرية الحساسة.

ويربط التقرير بين هذا المشروع وبين إعلان الكيان الإسرائيلي في 26 ديسمبر 2025 الاعتراف بما يسمى استقلال أرض الصومال، معتبرًا أن هذه الخطوة لم تكن مجرد موقف دبلوماسي، بل جزء من استراتيجية أوسع لترسيخ وجود عسكري صهيوني دائم في المنطقة. كما أشار إلى أن المبادرة جاءت بدفع مباشر من بنيامين نتنياهو الذي يسعى إلى إقامة موطئ قدم عسكري عند خليج عدن وعلى مقربة من السواحل اليمنية.

ويكشف التقرير كذلك أن أبوظبي تؤدي الدور المحوري في هذا المشروع، مستفيدة من علاقاتها السابقة مع سلطات الإقليم، ومن استثماراتها في ميناء بربرة وتحويله إلى مركز لوجستي. لكن ما يبدو الآن، وفق هذا المسار، هو أن الإمارات لم تكتفِ بالدور الاقتصادي، بل انتقلت إلى توسيع نفوذها العسكري في القرن الإفريقي ضمن مشروع يخدم بصورة مباشرة النفوذ الأمريكي والصهيوني في الممرات البحرية الحيوية.

ويضع التقرير هذا التطور في سياق التصعيد الأمني في البحر الأحمر، مشيرًا إلى أن تصاعد العمليات العسكرية اليمنية واستهداف الملاحة المرتبطة بالعدو أسهم في دفع واشنطن وحلفائها إلى تعزيز وجودهم العسكري والبحث عن قواعد أقرب وأكثر فاعلية. ومن هنا، تبدو قاعدة بربرة جزءًا من خطة تطويق ومراقبة واحتواء تستهدف حماية المصالح الغربية والصهيونية عند باب المندب، وليس مجرد إجراء دفاعي محدود.

كما يلفت التقرير إلى أن هذا التحرك يثير مخاوف إقليمية وقانونية، في ظل غياب اعتراف دولي واسع بأرض الصومال، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية بشأن شرعية إقامة قواعد عسكرية أجنبية على أراضيه، فضلًا عن أن هذه الخطوة مرشحة لتفاقم التوتر مع الصومال الذي يعتبر الإقليم جزءًا من أراضيه.

وخلاصة ما تكشفه لوموند أن ما يجري في بربرة ليس مشروعًا معزولًا، بل حلقة ضمن سباق محموم للسيطرة على البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وأن الإمارات تؤدي فيه وظيفة متقدمة كأداة تمكين للوجود الأمريكي الصهيوني في واحدة من أخطر الساحات البحرية في المنطقة. وبذلك، تتحول بربرة إلى عنوان جديد لصراع يتجاوز الحدود المحلية، ويتجه نحو معركة نفوذ على الممرات البحرية والبنية التحتية الحيوية في ظل اشتداد المواجهة على مستوى الإقليم كله.