الرئيسية بلوق الصفحة 150

الهيمنة تحت الاختبار: قراءة في مشهد ما بعد التصعيد

لم يعد الصراعُ بين أمريكا والجمهورية الإسلامية الإيرانية حدثًا سياسيًّا عابرًا أَو مواجهة عسكرية محدودة، فقد بات يعكس صراعًا أعمقَ يتصل بطبيعة الهيمنة ومنطق القوة في النظام الدولي.

فالعدوان الأمريكي–الإسرائيلي الأخير كشف خلال فترة زمنية قصيرة حجم التحولات الجارية في موازين القوة، وأعاد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الدور الأمريكي في المنطقة، وحدود قدرة واشنطن على فرض إرادتها بالقوة كما اعتادت خلال العقود الماضية.

منذ اللحظات الأولى للتصعيد، اتّسم الخطاب الأمريكي بنبرة تهديد عالية، عكست عقلية تقوم على استعراض القوة والضغط النفسي أكثر من اعتمادها على قراءة واقعية لمآلات الصراع.

غير أن هذا الخطاب سَرعانَ ما اصطدم بواقع ميداني وسياسي أكثر تعقيدًا؛ ما أَدَّى إلى تراجع مفاجئ تُرجم بإعلان وقف إطلاق النار، وتراجع الشروط الأمريكية في مشهد كشف التناقض بين سقف التهديدات والنتائج الفعلية.

هذا النمط من السلوك ليس جديدًا في سياق الصراعات التي يكون كَيان الاحتلال الصهيوني طرفًا فيها، حَيثُ يعتمد على منطق الغدر ونقض العهود كلما تغيّرت موازين القوة.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه السمة في قوله تعالى: ﴿ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ ۚ بَلْ أكثرهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾.

اللافت في هذه الجولة أن ارتداداتها لم تقتصر على الإقليم، فقد امتدت إلى الداخل الأمريكي نفسه؛ إذ عكست نقاشات سياسية ودستورية حادة حجم القلق داخل مؤسّسات القرار من الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة النتائج.

هذا الانقسام كشف أن قرار التصعيد لم يكن محل إجماع، وأن كلفته السياسية باتت مرتفعة داخليًّا.

في المقابل، أظهرت إيران قدرة واضحة على إدارة المواجهة ضمن معادلة مدروسة.

فقد اعتمدت سياسة الردع المحسوب، واستهدفت المصالح الأمريكية دون الانجرار إلى فوضى شاملة، ما وضع واشنطن أمام كلفة مرتفعة يصعب التحكم بها.

هذا النهج يعكس فهمًا لسنن الصراع، حَيثُ لا يكون الحسم بتفوق السلاح فقط، بل بحسن إدارة المواجهة، كما في قوله تعالى:

﴿ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾.

ومن أبرز عناصر القوة أوراق الضغط الإقليمية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي شكّل عامل توازن دقيق.

فقد جرى التعاطي معه ضمن سقف محسوب أبقى الأسواق العالمية في حالة ترقب، وأرسل رسائل بأن أمن الطاقة مرتبط بسلوك القوى الكبرى.

وفي السياق نفسه، يبرز البعد الإيماني بوصفه عنصرًا أَسَاسيًّا في الصمود والثبات، وهو ما تؤكّـده التجارب التاريخية، ويعبّر عنه قوله تعالى:

﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾.

فالثبات لا ينبع فقط من الإمْكَانات المادية، بل من وضوح القضية واليقين بعدالتها.

سياسيًّا، فشلت أمريكا في تحويل تفوقها العسكري إلى مكاسب استراتيجية.

فلم تُفرض الشروط ولم تُكسر الإرادَة، بل خرجت إيران وقد ثبّتت معادلات ردع جديدة، مؤكّـدة أن أي استهداف سيقابل بكلفة حقيقية.

أما على المستوى الأوسع، فقد أعادت هذه الجولة طرح سؤال جوهري حول مستقبل الهيمنة الأمريكية.

فالتصعيد الأخير أظهر أن هذه الهيمنة لم تعد مطلقة، وأن القرارات الأحادية تواجه تحديات متزايدة في ظل صعود قوى قادرة على الصمود وإدارة الصراع.

وفي ظل التحولات المتسارعة، تبرز أهميّة استعادة مفهوم التضامن داخل العالم الإسلامي بوصفه إطارا يمكن أن يسهم في تخفيف الاستقطاب وتعزيز الاستقرار، عبر علاقات تقوم على احترام السيادة والمصالح المتبادلة.

لم تكن هذه المواجهة مُجَـرّد جولة عسكرية، بل محطة كاشفة لحدود القوة الأمريكية، ولقدرة إيران على تحويل الضغط إلى فرصة سياسية واستراتيجية، لتؤكّـد أن الثبات حين يستند إلى وعي وإيمان وإدارة حكيمة قادر على كسر الغطرسة الأمريكية مهما بلغ حجمها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شاهر أحمد عمير

تعثر مفاوضات إسلام آباد يفتح مرحلة شديدة الخطورة.. طهران تتمسك بهرمز وحقوقها وواشنطن تلوّح بالحصار والتصعيد

هرمز على فوهة الانفجار.. طهران تلوّح برد عسكري "غير مسبوق" إذا استمر الحصار وواشنطن تتجه إلى حصار بحري طويل لخنق إيران

دخلت المواجهة بين واشنطن وطهران منعطفاً أكثر حساسية بعد فشل جولة المفاوضات المباشرة في إسلام آباد في إنتاج اتفاق، رغم أكثر من 20 ساعة من النقاشات المكثفة، ما أعاد المشهد إلى نقطة التوتر العالي، وفتح الباب أمام ثلاثة مسارات خطيرة: إما استئناف التفاوض تحت الضغط، أو العودة إلى التصعيد العسكري، أو الذهاب إلى تهدئة هشة من دون اتفاق نهائي، وهي صيغة تبقي الحرب مؤجلة لا منتهية.

المعطيات المتداولة تشير إلى أن الفجوة بين الطرفين كانت عميقة منذ البداية، لا سيما في ما يتعلق بـ البرنامج النووي الإيراني، والسيطرة على مضيق هرمز، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وتعويضات الحرب، إلى جانب وقف إطلاق النار في لبنان. وفي حين حاولت واشنطن فرض مقاربة تقوم على مبدأ “خذ أو اترك”، تمسكت طهران بحقها في التخصيب ورفضت التخلي عن قدراتها الاستراتيجية أو التفريط بأوراق القوة التي راكمتها خلال الحرب.

وبذلك، لم يكن تعثر مفاوضات إسلام آباد حادثاً تقنياً أو تفصيلاً تفاوضياً عابراً، بل نتيجة مباشرة لصدام بين رؤية أمريكية تريد انتزاع ما عجزت عنه بالحرب، وبين رؤية إيرانية تعتبر أن التفاوض يجب أن يترجم الصمود العسكري والسياسي إلى مكاسب سيادية واضحة. ولهذا خرجت واشنطن من الجولة من دون اختراق، بينما حملت طهران الطرف الأمريكي مسؤولية الفشل بسبب مطالبه المفرطة وغير القانونية.

وفي قلب هذا الاشتباك، برز مضيق هرمز بوصفه العقدة الأخطر والأثقل وزناً في المفاوضات. فواشنطن تريد إعادة فتحه فوراً وبشكل كامل وآمن، بينما تصر إيران على أن أي تغيير في وضع المضيق لن يتم إلا في إطار اتفاق نهائي ومعقول، لا قبل ذلك. هذا التمسك الإيراني لم يعد مجرد موقف تفاوضي، بل تحول إلى ورقة ردع ذهبية، فرضت نفسها على كل الحسابات الدولية، بعدما أثبتت طهران قدرتها على التحكم الفعلي بحركة الملاحة في واحد من أهم الشرايين النفطية في العالم.

ووفق المعطيات، فإن حركة السفن في هرمز ما تزال عند حدها الأدنى، ولم يُسمح إلا لعدد محدود جداً من السفن بالعبور، فيما عادت ناقلات أخرى أدراجها، وتراجعت الحجوزات اليومية بشكل حاد، وباتت مسارات السفن أقرب إلى السواحل الإيرانية. وهذا كله يعني أن طهران ما تزال تمسك بقبضة قوية على المضيق، وأنها لم تسمح لواشنطن بتحويل وقف إطلاق النار المؤقت إلى استعادة مجانية لحرية الملاحة من دون مقابل سياسي واضح.

أما الذريعة الأمريكية الجديدة، فتتمثل في الحديث عن الألغام البحرية التي تقول واشنطن إن إيران زرعتها في الممر الملاحي، وإنها باتت الآن تعرقل حتى عملية إعادة فتحه. هذه الرواية، سواء قُدمت بصفتها تفسيراً فنياً أو مبرراً سياسياً، تعكس حقيقة أهم: أن إيران نجحت في تحويل الجغرافيا البحرية إلى أداة ضغط تفاوضي فعالة، وأن الولايات المتحدة، رغم ضجيجها العسكري، لا تملك حتى الآن حلاً سريعاً وحاسماً لهذه العقدة.

وفي السياق نفسه، يتصاعد الحديث في واشنطن عن خيار الحصار البحري على إيران، باعتباره “الورقة الرابحة” إذا لم ترضخ طهران للشروط الأمريكية. لكن هذا الخيار، كما يظهر في التحليلات المطروحة، ليس قراراً سهلاً ولا مضمون النتائج، لأن إيران ليست دولة جزيرية يمكن خنقها من البحر فقط، بل تمتلك حدوداً برية واسعة مع عدد من الدول، بما يسمح لها بالالتفاف على أي حصار أحادي. وإلى جانب ذلك، فإن أي حصار بحري سيعني عملياً توسيع الحرب ورفع مستوى الاشتباك إلى مواجهة أخطر في الخليج، حيث يمكن لطهران أن ترد عبر استهداف القطع البحرية الأمريكية أو تعطيل الملاحة بصورة أوسع.

كما أن التقارير المتداولة عن عبور مدمرتين أمريكيتين إلى محيط هرمز، تحت عنوان “إزالة الألغام” أو “تهيئة الظروف لحرية الملاحة”، لا تبدو كافية لتغيير ميزان القوة القائم. فحتى القراءة العسكرية الغربية تشير إلى أن هذه المدمرات قد تكون في مهمة استطلاع أكثر منها مهمة حسم، وأن التهديد الإيراني لا يقتصر على الألغام، بل يشمل أيضاً الزوارق السريعة الملغمة والقدرات البحرية غير التقليدية التي تجعل أي اقتراب أمريكي واسع من السواحل الإيرانية مغامرة مكلفة ومحفوفة بالمخاطر.

وفي موازاة هذا الاشتباك البحري، تبدو الجبهة السياسية أكثر ضبابية. فالمؤشرات القادمة من الصحافة الغربية تتحدث عن ثلاثة سيناريوهات رئيسية. الأول هو استئناف التفاوض تحت الضغط، أي أن يكون انسحاب الوفد الأمريكي خطوة تكتيكية لابتزاز طهران ودفعها إلى تنازلات لاحقة. والثاني هو العودة إلى التصعيد العسكري، سواء عبر ضربات محدودة أو مواجهة أوسع، خصوصاً في هرمز، مع ما يعنيه ذلك من اهتزاز أسواق الطاقة وارتفاع التضخم العالمي. أما الثالث فهو إنهاء الحرب من دون اتفاق، أي الإبقاء على وقف نار هش يوقف الاشتباك مؤقتاً لكنه يترك كل الملفات الكبرى مفتوحة وقابلة للانفجار في أي لحظة.

لكن القراءة الأقرب إلى الواقع، كما تعكسها التطورات، هي أن الحرب لم تنتهِ فعلاً، بل دخلت مرحلة إدارة الأزمة بالنار والسياسة معاً. فإسرائيل لا تزال تضغط في اتجاه استئناف القتال، والولايات المتحدة لا تريد حرباً طويلة ومكلفة لكنها لا تريد أيضاً الاعتراف الكامل بحقوق إيران، أما طهران فترفض تقديم تنازلات جوهرية بعد كل ما راكمته من أوراق قوة خلال الأسابيع الماضية.

ولهذا، فإن المشهد الحالي يمكن وصفه بأنه “جمود استراتيجي”: واشنطن لا تستطيع فرض شروطها كاملة، وإيران لا ترى سبباً للتراجع عن مكتسباتها، والممرات البحرية والطاقة والملف النووي ولبنان كلها باتت ملفات متشابكة في معركة واحدة. وفي هذا المشهد، يبقى مضيق هرمز هو الورقة الذهبية بيد إيران، والعامل الأكثر حسماً في تحديد اتجاه المرحلة المقبلة، لأن من يملك القدرة على التحكم بهذا الشريان الحيوي، يملك قدرة كبيرة على فرض إيقاع السياسة والحرب والاقتصاد معاً.

الخلاصة أن تعثر مفاوضات إسلام آباد لم يُغلق باب التفاوض تماماً، لكنه أكد أن الطريق إلى أي اتفاق لا يزال طويلاً وشائكاً ومشحوناً بألغام السياسة والجغرافيا والسلاح. وبين واشنطن التي تريد فرض الاستسلام في ثوب تفاوضي، وطهران التي تصر على الندية والسيادة والاعتراف بحقوقها، تبقى المنطقة كلها معلقة على حافة خيارات ثقيلة: تفاوض طويل، أو تصعيد خطير، أو هدنة رخوة قابلة للانفجار في أي لحظة.

تعثر مفاوضات إسلام آباد.. طهران تتمسك بهرمز وحقوقها وتحمل واشنطن مسؤولية الفشل فيما يشتعل جنوب لبنان

انتهت جولة مفاوضات إسلام آباد بين إيران والولايات المتحدة من دون اتفاق، بعدما اصطدمت المحادثات المباشرة وغير المباشرة بسقف إيراني ثابت يرفض التنازل عن السيادة على مضيق هرمز، وعن الحقوق النووية، وعن ربط أي تهدئة بوقف النار على الجبهات كافة، وفي مقدمتها لبنان. وفي المقابل، بدا الوفد الأمريكي عاجزا عن تقديم ما يرقى إلى اتفاق متوازن، مفضلا العودة إلى لغة الضغط والتهديد بعد ساعات طويلة من التفاوض المكثف.

وبحسب المعطيات المتداولة، غادر نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إسلام آباد من دون تحقيق اختراق، بعدما تفاوض الوفدان لنحو 21 ساعة من دون التوصل إلى صيغة ترضي الطرفين. وحاول فانس تحميل إيران مسؤولية التعثر عبر القول إن طهران رفضت الالتزام بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي، غير أن الرواية الإيرانية جاءت مختلفة تماما، إذ أكدت طهران أن فشل الجولة سببه المطالب الأمريكية المفرطة، وأن واشنطن حاولت أن تنتزع على طاولة التفاوض ما عجزت عن فرضه بالحرب.

وفي هذا السياق، أوضحت الخارجية الإيرانية أن المفاوضات تناولت البنود الإيرانية العشرة ونقاط الطرف الأمريكي، وأنه جرى التوصل إلى تفاهم بشأن بعض الملفات، لكن الخلاف بقي قائما حول ثلاث قضايا رئيسية حالت دون إنجاز الاتفاق. كما شددت طهران على أن المفاوضات جرت أصلا في أجواء من عدم الثقة وسوء الظن، وأنها لم تكن تتوقع اتفاقا نهائيا من جولة واحدة، مؤكدة في الوقت نفسه أن طريق الدبلوماسية لم يغلق، لكنه لن يكون مفتوحا على حساب المصالح الوطنية الإيرانية أو تحت سقف المطالب غير القانونية.

وكانت الرسالة الإيرانية الأوضح خلال هذه الجولة أن إيران تفاوض من موقع قوة لا من موقع اضطرار. فقد أكد المسؤولون الإيرانيون، من قاليباف إلى بزشكيان إلى ولايتي، أن الوفد دخل المفاوضات بهدف استيفاء حقوق إيران المشروعة، لا لمجرد إدارة هدنة هشة أو إرضاء واشنطن. ولهذا تمسكت طهران بثلاثية واضحة: السيطرة على مضيق هرمز، رفض التخلي عن منجزاتها النووية، وضرورة متابعة تعويضات الحرب، إلى جانب رفض فصل جبهة لبنان عن الساحة الإيرانية أو التعامل مع وقف النار هناك بوصفه ملفا ثانويا.

وفي قلب هذا الاشتباك السياسي، برز مضيق هرمز مجددا بوصفه العقدة المركزية في المفاوضات. فالمعطيات الواردة من الجانب الإيراني تؤكد أن لا تغيير سيطرأ على الوضع في المضيق ما لم توافق واشنطن على اتفاق معقول، وأن إيران لن تسمح بعبور أي سفينة من دون ترخيص أو موافقة منها. كما شددت طهران على أن السيطرة على هرمز لعبت دورا حاسما في دفع الطرف المقابل إلى طاولة المفاوضات، ما يعني أن هذا المضيق لم يعد مجرد ورقة ضغط مؤقتة، بل تحول إلى أداة سيادة وردع وتفاوض في آن واحد.

وفي تطور شديد الدلالة، تزامن التفاوض مع مواجهة بحرية سياسية وإعلامية حول حقيقة ما جرى في هرمز. فبينما ادعت القيادة المركزية الأمريكية ووسائل إعلام غربية أن مدمرتين أمريكيتين عبرتا المضيق ضمن مهمة لتأمين الملاحة وإزالة الألغام، نفت طهران ذلك بشكل حاسم، مؤكدة أن القوات الإيرانية راقبت المدمرة الأمريكية وأبلغت الوفد المفاوض بتحركها من الفجيرة باتجاه المضيق، ثم نُقلت رسالة عبر الوسيط الباكستاني إلى الأمريكيين بأن أي اقتراب إضافي سيعرضها لضربة خلال 30 دقيقة. ووفقا للرواية الإيرانية، فإن المدمرة توقفت وعادت بعد هذا التحذير، بينما شدد مسؤول عسكري إيراني كبير على أنه لا صحة لادعاءات عبور السفن الأمريكية للمضيق. وبهذا، بدا أن طهران أرادت أن تقول لواشنطن بوضوح إن الردع في هرمز لم يسقط، وإن أي استعراض بحري أمريكي سيبقى خاضعا للإنذار الإيراني المباشر.

أما على مستوى المفاوضات نفسها، فقد اتسع التناقض بين الأجواء التي حاول الأمريكيون تسويقها وبين ما خرج به الميدان التفاوضي فعليا. فالإدارة الأمريكية تحدثت عن “أفضل عرض ممكن ونهائي”، بينما أكدت طهران أن الوفد الأمريكي أصر على مطالب مفرطة وغير واقعية، لا سيما في ما يتعلق بـ فتح هرمز فورا، والتخلي عن مخزون اليورانيوم المخصب، والقبول بترتيبات تمس جوهر السيادة الإيرانية. كما أشارت تقارير إيرانية إلى أن الأمريكيين لم يكونوا مستعدين لخفض سقفهم، وأنهم بحثوا عن ذريعة لمغادرة الطاولة بعدما تعذر عليهم فرض شروطهم.

وفي موازاة الجمود التفاوضي، بقيت الجبهة اللبنانية مشتعلة على نحو يؤكد صحة الموقف الإيراني الرافض لفصل الساحات. إذ واصل الطيران الإسرائيلي غاراته على بنت جبيل، قانا، معروب، مشغرة، الشهابية، دبين، تبنين، الكفور، تول، صريفا، جويا، البازورية، القليلة، وحلتا وغيرها من بلدات الجنوب والبقاع، موقعا عشرات الشهداء والجرحى. وفي المقابل، واصل حزب الله هجماته الصاروخية والمسيّرة على الخيام، بنت جبيل، مارون الراس، الطيبة، البياضة، متات، برانيت، نهاريا، يرؤون، المطلة، شوميرا، عميعاد ومناطق أخرى في الجليل الأعلى والجليل الغربي، مع دوي متكرر لصفارات الإنذار في الشمال المحتل، وإقرار إسرائيلي بإطلاق عشرات الصواريخ والطائرات المسيّرة منذ ساعات الصباح.

وهنا تحديدا يظهر أحد أبرز أسباب تعثر التفاوض: إيران تصر على أن وقف إطلاق النار يجب أن يكون شاملا، وأن لبنان جزء من أي تفاهم حقيقي، بينما تحاول إسرائيل والولايات المتحدة فصل الساحة اللبنانية عن الساحة الإيرانية، لتبقى يد الاحتلال طليقة في الجنوب اللبناني حتى لو جرى تثبيت هدنة مؤقتة مع طهران. ولذلك أكدت الخارجية الإيرانية أن وقف النار في لبنان كان جزءا من الاتفاق وأن الجانب الباكستاني أقر بذلك، بينما عكست التسريبات الإسرائيلية رغبة تل أبيب في تقليص هجماتها شكليا من دون الالتزام بوقف شامل.

وفي الداخل الإسرائيلي، تعكس التطورات حالة قلق متزايد من فشل المسار الأمريكي في انتزاع ما تريده تل أبيب. فقد تحدثت وسائل إعلام عبرية عن ارتياح إسرائيلي للتشدد الأمريكي، لكنها في الوقت نفسه أشارت إلى أن الكيان يتأهب لاستئناف الحرب، وأنه متشائم أكثر من كونه متفائلا، بينما صدرت تعليمات بتشديد الإجراءات في البلدات الحدودية وإلغاء الدراسة في بعضها تحسبا لتصعيد من حزب الله خلال 48 ساعة. وهذا يعني أن الاحتلال، رغم غاراته المكثفة، لم ينجح في انتزاع الهدوء، بل يجد نفسه أمام جبهة شمالية مفتوحة وجبهة تفاوضية متعثرة وجبهة بحرية معقدة في هرمز.

وفي المحصلة، تكشف مستجدات إسلام آباد أن إيران لم تدخل المفاوضات لتوقيع استسلام مؤجل، بل لتثبيت نتائج الصمود السياسي والعسكري في وثيقة تفاوضية تحفظ لها هرمز وحقوقها النووية وتعويضات الحرب ووقف العدوان على حلفائها. وعندما وجدت أن واشنطن لا تزال تحاول إدارة التفاوض بعقلية المنتصر، حملتها مسؤولية التعثر. لذلك يمكن القول إن الجولة انتهت من دون اتفاق، لكنها كرست حقيقة أساسية: طهران ما تزال تمسك بأوراق القوة من هرمز إلى لبنان، فيما تبدو واشنطن عاجزة عن تحويل الضغط العسكري إلى تسوية تُخضع إيران لشروطها.

هآرتس: وقف إطلاق النار يكشف هزيمة نتنياهو الاستراتيجية ويكرّس صمود إيران في معادلة الردع الإقليمي

في تقييم لافت لنتائج الحرب، أكدت صحيفة هآرتس الصهيونية أن رئيس حكومة العدو المجرم بنيامين نتنياهو يواصل تضليل الجمهور الإسرائيلي، عبر تسويق صورة مغايرة للواقع السياسي والعسكري الذي أفرزته المواجهة، مشيرة إلى أن وقف إطلاق النار مثّل في جوهره نهاية لهزيمة استراتيجية لنتنياهو وترامب، رغم ما تحقق ميدانياً من إنجازات عسكرية محدودة.

وبحسب الصحيفة، فإن التفوق العسكري الإسرائيلي والأمريكي لم ينجح في التحول إلى نصر حاسم، في مشهد يعكس بوضوح فشل القوى الكبرى في حسم الحروب غير المتكافئة، حيث تمكنت إيران من إدارة المعركة وفق استراتيجية استنزاف طويلة النفس، مع توسيع نطاق الاشتباك عبر حلفائها، إلى جانب الاستخدام الفاعل للصواريخ والطائرات المسيّرة، بما أدى إلى تقليص فجوة التفوق العسكري لدى الخصوم.

وأوضحت الصحيفة أن الهدفين المركزيين للحرب لم يتحققا، وهما إسقاط النظام الإيراني والقضاء على البرنامج النووي الإيراني أو إنهاء قدراته الصاروخية، ما يجعل من مجرد بقاء إيران وصمودها السياسي والعسكري مظهراً صريحاً للنصر الإيراني، لا سيما مع عودتها إلى طاولة المفاوضات من موقع أكثر قوة وثباتاً.

وفي هذا السياق، حمّلت هآرتس نتنياهو المسؤولية المباشرة عن إفشال المسار الدبلوماسي، معتبرة أنه لعب دوراً أساسياً في دفع إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى الانسحاب من الاتفاق النووي عام 2015، الأمر الذي أسهم في تعقيد المشهد الإقليمي ودفع المنطقة إلى حافة انفجار أوسع.

ورأت الصحيفة أن نتائج الحرب تفتح الباب أمام سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط، بالتزامن مع تعاظم نفوذ الحرس الثوري داخل إيران، في ظل بيئة إقليمية جديدة أخذت تتشكل بفعل هذه الحرب، التي أعادت رسم موازين القوى لصالح صعود دور إيران وروسيا، مقابل تراجع الموقع الأمريكي وحلفائه في المنطقة.

كما لفتت إلى أن دول الخليج قد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في رهانها على الحماية الأمريكية، بعد أن كشفت الحرب هشاشة البنية الأمنية لهذه الدول أمام التهديدات المتصاعدة، وهو ما يضع المنظومة الإقليمية برمتها أمام تحولات استراتيجية عميقة.

وفي البعد السياسي الأوسع، شددت هآرتس على أن تجاهل القضية الفلسطينية كان عاملاً رئيسياً في تفجر هذه الحرب، مؤكدة أن ما جرى ليس حدثاً منفصلاً، بل هو امتداد مباشر للمسار الذي بدأ في 7 أكتوبر، بما يحمله ذلك من دلالات على فشل محاولات تجاوز جوهر الصراع في المنطقة.

وختمت الصحيفة بأن إسرائيل لن تتمكن من استعادة تماسكها الداخلي أو موقعها الإقليمي ما لم تتم محاسبة نتنياهو، الذي سوّق أوهاماً للجمهور وقاد كيان الاحتلال إلى أزمة استراتيجية مفتوحة، تتجاوز حدود الميدان العسكري إلى عمق التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة.

ثبات إيران يحوّل هُدنة إبريل إلى زلزال استراتيجي

لم تكن الهُدنة التي قادتها باكستان إجراءً تكتيكيًّا لخفض التصعيد، إنما هي إعلانٌ غير مباشر عن نهاية صلاحية “مشروع إسقاط النظام” في إيران، وبداية انتقال مركز الثقل من القوة العسكرية العمياء إلى هندسة الوعي الاستراتيجي.

السؤال الحاسم لم يعد: هل صمدت طهران؟

بل: كيف تحوّل هذا الصمود إلى أدَاة تعيد تشكيل الإقليم وتكسر هندسة الاستكبار العالمي؟

أولًا: إسلام آباد كغرفة عمليات.. نهاية وَهْمِ الحسم العسكري

هدنة إبريل 2026 ليست حدثًا منفصلًا، بل حلقة في مسار بدأ بـاتّفاق بكين 2023.

 الجديد أن باكستان لم تتوسط؛ بل فرضت إيقاعا اعترف ضمنيًّا بأن الردع المقاوم أسقط خيار الحرب الشاملة.

هنا انتقلت المعركة من الميدان إلى العقل: من من يطلق النار أولًا؟

إلى من يملك شروط إنهاء النار؟.

ثانيًا: السعوديّة وفاتورة الأمن.. الحساب بدل الانفعال

عبر قنواتها العميقة مع السعوديّة، لم تقدّم باكستان نصيحة سياسية، بل عرضًا رقميًّا باردًا:

أمن الخليج مع التكامل الإقليمي أقل كلفة بكثير من التصادم المفتوح مع إيران.

الرياض لم تغيّر موقعها أيديولوجيًّا؛ بل أعادت تموضعها عقلانيًّا، خارج الوصاية الأمريكية.

ثالثًا: من قناة السويس إلى جوادر.. تفكيك هندسة الحصار

مصر تملك قناة السويس، اليمن يسيطر على باب المندب، إيران تتحكم بـمضيق هرمز، وباكستان تمسك بمفتاح ميناء جوادر.

ربط هذه العقد الأربع يعني كسر الاحتكار الأمريكي للممرات المائية، وإخراج القاهرة من الارتهان المالي، وتحويل إسلام آباد من هامش جغرافي إلى مركز ثقل لوجستي عابر للقارات.

رابعًا: التوجّـه شرقًا.. ما بعد القطب الواحد

في 2026، ثبّتت باكستان موقعَها داخل الفضاء الأوراسي:

مع الصين وروسيا كضامنين لأية معادلة أمنية كبرى، ومع الهند عبر توازن ردع يمنع الانفجار، زمع كوريا الشمالية في التعاون التقني-العسكري.

النتيجة: تعددية قوة حقيقية، لا شعارات.

خامسًا: أفغانستان.. من ساحة استنزاف إلى جسر اقتصادي

في مقاربة 2026، لم تعد أفغانستان عبئًا أمنيًّا، بل حلقة وصل داخل الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني.

إدماج كابل اقتصاديًّا يسحب الذرائع من قوى الفوضى، ويحوّل قلب آسيا من خاصرة رخوة إلى عمق مستقر.

الإضافة التنبؤية الباردة: سيناريو الانهيار السياسي

الهدنة التي منحت واشنطن مخرجًا تكتيكيًّا ستتحول إلى عبء داخلي:

في الولايات المتحدة، تتراكم كلفة الحرب الفاشلة على أية إدارة مقبلة.

وفي كَيان الاحتلال، يقترب سيناريو تفكك الائتلاف الحاكم مع سقوط رهان ضرب إيران.

النتائج المرجّحة: استقالات، انتخابات مبكرة، وتراجع القدرة على فرض الإرادَة خارج الحدود.

حين يصبح نكث العهود سلاحًا ضد أصحابه

أي تنصّل مستقبلي من الهدنة لن يعيد عقارب الساعة، إنما سيؤكّـد لشعوب المنطقة أن الاستكبار لا يفهم إلا لغة القوة المنظمة.

ما حدث في إبريل 2026 ليس هدنة عابرة، إنها نقلة من زمن ردّ الفعل إلى زمن صناعة المصير، حَيثُ تلتقي المقاومة بالبرودة الاستراتيجية، وتتحول الوحدة من شعار إلى معادلة تشغيلية.

فشل الهُدنة كعرضٍ لانفجار الاستكبار لا كدليل تراجع

يمكن القول إن المؤشرات الأولية لفشل الهدنة ليست مستبعدة، بل متوقعة ضمن منطق الصراع ذاته؛ غير أن هذا الفشل ـ إنْ وقع ـ لن يكون تعبيرًا عن خلل في معادلة الردع أَو قصور في الوساطة، بل علامة على انفجار الاستكبار العالمي من داخله.

فالقوى التي بُنيت استراتيجيتها على الإكراه لا تملك أدوات إدارة التوازن، وحين تُجبر على التراجع التكتيكي، تعجز عن الالتزام السياسي طويل الأمد.

إن أي خرق أَو تنصّل محتمل من الهدنة سيكشف حقيقة جوهرية: أن المشكلة ليست في قدرة محور المقاومة أَو في هندسة الوساطة الباكستانية، بل في عجز المنظومة الغربية عن التكيّف مع عالم لم تعد تتحكم بإيقاعه.

وهنا يتحول فشل الهدنة من خطر محتمل إلى دليل إدانة، ومن أزمة عابرة إلى وقود يُسرّع تفكك الهيمنة، ويُقنع المتردّدين بأن الاستكبار لا يُدار بالتنازلات بل يُحتوى بالقوة الواعية.

بهذا المعنى، لا تمثل الهدنة نهاية الصراع، بل لحظة كشف:

إما انتقال العالم إلى نظام توازن جديد، أَو تسارع انهيار نظام قديم ينهار لأنه لم يتعلم كيف يتراجع دون أن ينكسر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عدنان عبدالله الجنيد

إيران انتصرت.. وماذا عن الآخرين؟

فشل ترامب في عزل إيران دولياً بعد أن خسر جمهوره في الداخل الأميركي الذي بات يكره الكيان العبري بنسب عالية جداً، وللمرة الأولى في التاريخ الأميركي يشهد استقالة عدد كبير من جنرالاته زمن الحرب.

من القرآن يبدأ البناء

في مرحلة انتشار الحرب الناعمة وتكاثف محاولات استهداف وعي الشعوب وضرب هُويتها من الداخل، لم تعد المعركة مقتصرةً على السلاح أَو الجغرافيا، لقد تحوّلت إلى معركة قيم ومفاهيم وانتماء؛ معركة تُدار في العقول قبل الميادين، وتُحسم في الوعي قبل أن تُحسم في الميدان.

وقد نبّه القرآنُ الكريم إلى هذا النوع من الاستهداف مبكرًا حين قال تعالى: ﴿ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ﴾، في إشارة واضحة إلى أن أخطر ما يُراد بالأمم ليس هزيمتها عسكريًّا، إنما تفريغها من إيمانها، وسلبها خصوصيتها، وقطع صلتها بمنهج الله.

تُعدّ الدورات الصيفية في بلدنا أحد أهم المشاريع التربوية الاستراتيجية، لما تمثله من دور محوري في حماية الهُوية الإيمانية وبناء الإنسان الواعي.

فهي لا تُختزل في كونها نشاطًا موسميًّا أَو برنامجًا مؤقتًا، إنها تعبّر عن رؤية تربوية واعية، تستهدف تحصين الوعي وبناء الشخصية المؤمنة القادرة على الصمود في وجه مشاريع التغريب والاختراق الفكري، لتكون بذلك استجابة عملية لمعركة الوعي وسدًا منيعًا أمام محاولات التشويه والتمييع.

وتنطلق هذه الدورات من حقيقة قرآنية ثابتة، مفادها أن الإيمان هو أَسَاس العزة والقوة، كما قال الله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾.

فالنصر والفرج لا يُمنحان عشوائيًّا، ولا يتحقّقان بمعزل عن السنن الإلهية، بل يرتبطان بمدى رسوخ الإيمان والالتزام بمنهج الله، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾.

ومن هنا، فإن الاستثمار الحقيقي لا يكون في الأدوات وحدها، بل في بناء الإنسان الذي يحمل العقيدة والبصيرة قبل أي شيء آخر.

وتؤدي الدورات الصيفية دورًا محوريًّا في تربية الأبناء على دين الله تربية واعية ومتوازنة، قائمة على الفهم لا على التلقين، وعلى السلوك العملي لا على الشعارات المُجَـرّدة.

وقد أكّـد القرآن الكريم هذه المسؤولية بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنفسكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾.

وهي مسؤوليةٌ لا تتحقّق إلا بالتعليم الصحيح، وغرس القيم، وربط الأجيال بالقرآن بوصفه هداية شاملة ومنهج حياة، كما قال سبحانه: ﴿ إِنَّ هَٰذَا القرآن يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾.

تكتسب مسألة الأخوة الإيمانية أهميّةً مضاعفة في زمن تتكاثر فيه عوامل التفكك الاجتماعي وتغذّى فيه النزعات الفردية والأنانية.

فالله تعالى يؤكّـد أن وحدة الصف ليست خيارًا ثانويًّا، بل فريضة شرعية، حين قال: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾.

وحذّر من آثار النزاع والانقسام بقوله: ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾.

وقد عرض القرآن قصة إخوة يوسف عليه السلام نموذجًا حيًّا لانهيار القيم حين يغيب الإيمان، وكيف يقود الحسد والأنانية إلى تمزيق الروابط الأسرية والاجتماعية، ليبقى الدرس حاضرًا للأمم في كُـلّ زمان.

وحين يقول الله تعالى على لسان نبيّه يعقوب عليه السلام: ﴿ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ﴾، فإن في الآية دلالة عميقة على أن الفرج لا يأتي فجأة، بل تسبقه إشارات وبشائر، لا يدركها إلا أصحاب القلوب الحية والبصائر الواعية.

وقد أكّـد القرآن هذه السنة الإلهية بقوله: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾.

إن المجتمعات التي تعطي التربية الإيمانية مكانتها الحقيقية إنما تسير وفق السنن الإلهية في التغيير، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأنفسهِمْ ﴾.

أما المجتمعات التي تُهمل بناء الإنسان، فإنها تبقى ضعيفة من الداخل مهما امتلكت من مظاهر القوة.

وفي هذا الإطار، لا تصنع الدورات الصيفية مُجَـرّد معرفة عابرة، بل تصنع وعيًا راسخًا، وتعيد للإنسان ثقته بدوره ومسؤوليته تجاه أمته.

وفي ظل الأزمات والضغوط، تأتي هذه الدورات لتجدد الأمل في النفوس، وتؤكّـد أن البلاء ليس نهاية الطريق، بل مرحلة تمحيص وابتلاء، كما قال الله تعالى: ﴿ أم حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾.

فربنا كريم، وعد الصابرين بالفرج، ووعد المتقين بالمخرج، فقال سبحانه: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ من حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾.

الدورات الصيفية ليست نشاطًا عابرًا، إنها ركيزة أَسَاسية في مشروع نهوض إيماني وحضاري.

فمن أراد بناءً بلا قرآن، أَو نصرًا بلا إيمان، أَو وعيًا بلا بصيرة، فقد خالف سنن الله.

أما من جعل القرآن منطلق البناء، فقد اختار الطريق الذي وعد الله أهله بالنصر والتمكين، كما قال تعالى:

﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شاهر أحمد عمير

جديد مفاوضات باكستان: إسلام آباد تختبر صلابة إيران.. تقدم في ملف الأموال المجمدة وحسم في هرمز وتحذير ناري يربك واشنطن

دخلت المفاوضات الإيرانية الأمريكية في إسلام آباد مرحلة أكثر حساسية وتعقيداً، في ظل تمسك طهران بسقف تفاوضي واضح يقوم على حماية مصالح الشعب الإيراني وتثبيت حقوق الجمهورية الإسلامية من دون أي تنازل تحت الضغط أو التهديد. ووفق المعطيات الأخيرة، يقود الفريق الإيراني الرئيسي محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي وعلي باقري، في تشكيل يعكس أن طهران دفعت بوفد ثقيل سياسياً ودبلوماسياً وأمنياً للتعامل مع هذه الجولة باعتبارها معركة سيادة لا مجرد جولة تفاوض تقليدية.

وبحسب ما جرى تداوله من أجواء المباحثات، فإن محادثة مطولة جرت بين قاليباف والوفد الباكستاني، أعقبتها وصول وفود متخصصة لإجراء مشاورات فنية وسياسية، ما يشير إلى انتقال المفاوضات من الإطار العام إلى مستوى أكثر دقة في بحث الملفات الخلافية وآليات التفاهم المحتمل. وفي أول مؤشر على حصول تقدم نسبي، أُعلن أن الولايات المتحدة وافقت على الشرط الأول المتعلق بالإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وهو تطور تنظر إليه طهران باعتباره اختباراً عملياً لحسن النية الأمريكية، لا نهاية للمسار ولا بديلاً عن بقية الشروط الأساسية.

وفي موازاة ذلك، برز الملف اللبناني كأحد أبرز عناوين الاشتباك داخل التفاوض، إذ تشير المعطيات إلى أنه تم التوصل إلى وقف إطلاق النار في بيروت، لكن الخلاف لا يزال قائماً حول جنوب لبنان. وهنا يظهر الإصرار الإيراني بوضوح، إذ يتمسك الوفد الإيراني بضرورة إرساء وقف شامل وثابت لإطلاق النار في جنوب لبنان، انطلاقاً من أن أي تهدئة مجتزأة أو ناقصة لن تكون حلاً حقيقياً، بل مجرد ثغرة يُراد منها منح العدو الإسرائيلي فرصة لإعادة التموضع واستئناف الضغط على جبهات المحور.

ولم يكتفِ الوفد الإيراني بإدارة التفاوض من داخل القاعات، بل أظهر أن الدبلوماسية الإيرانية تتحرك وهي مسنودة بردع عسكري مباشر. ففي تطور بالغ الدلالة، أفادت المعطيات بأن القوات الإيرانية أبلغت وفدها المفاوض بتحرك مدمرة أمريكية من ميناء الفجيرة باتجاه مضيق هرمز، وعلى الفور تم نقل رسالة حاسمة عبر الوسيط الباكستاني إلى الأمريكيين مفادها أن استمرار اقتراب المدمرة من هرمز سيجعلها هدفاً خلال 30 دقيقة. ووفق هذه المعطيات، فإن المدمرة الأمريكية توقفت عن التحرك وعادت من محيط المضيق بعد التحذير الإيراني المباشر، بينما نفت طهران صحة الرواية الأمريكية التي تحدثت عن عبور سفينة أمريكية للمضيق.

هذا التطور البحري أضفى على مفاوضات إسلام آباد معنى أعمق بكثير من مجرد نقاش سياسي، لأنه أثبت أن إيران لا تفاوض من موقع المتلقي للضغوط، بل من موقع من يفرض خطوطه الحمراء ميدانياً وسياسياً في آن واحد. كما أن الخارجية الإيرانية أوضحت أن القوات الإيرانية راقبت المدمرة وأبلغت الوفد الإيراني، الذي نقل الرسالة عبر باكستان للأمريكيين، مع تحذير واضح من أن اقترابها من هرمز لن يعرّضها للضربة فقط، بل سيضر بالمفاوضات نفسها. والأهم من ذلك أن هذا الموقف أكد بما لا يدع مجالاً للشك أن تحكم إيران بمضيق هرمز كان عاملاً رئيسياً في دفع الطرف المقابل إلى طاولة المفاوضات.

وعليه، فإن صورة المفاوضات في إسلام آباد لم تعد مجرد مشهد دبلوماسي تقليدي بين وفدين متقابلين، بل تحولت إلى ساحة اختبار حقيقية لما يمكن وصفه بالدبلوماسية الإيرانية السلطوية، حيث تتقدم طهران إلى الحوار وهي تضع الأموال المجمدة، ووقف النار في لبنان، وحقوقها الإقليمية، وسيادتها على هرمز ضمن حزمة واحدة غير قابلة للتفكيك. وهذه المقاربة تعني أن إيران لا تسمح للأمريكيين بفصل الملفات أو تجزئة التنازلات أو انتزاع مكاسب في البحر بينما يتباطؤون في السياسة.

الرسالة التي خرج بها الوفد الإيراني حتى الآن تبدو شديدة الوضوح: إذا لم تُلبَّ مصالح الشعب الإيراني والجمهورية الإسلامية، فإن طهران مستعدة للانسحاب من الطاولة. لكنها، في المقابل، تُظهر أيضاً أنها قادرة على إدارة معركة تفاوضية معقدة ببرود سياسي، وبصلابة عسكرية، وبقدرة على تحويل أوراق القوة في الميدان إلى شروط حقيقية على طاولة الحوار. ومن هنا، تبدو إسلام آباد اليوم ساحة تتجسد فيها معادلة جديدة: إيران تتفاوض، لكن بيد على الطاولة ويد على الزناد.

بتحذير استهدافها.. إيران تُجبر “مدمرة أمريكية” على التراجع بعد محاولتها عبور “مضيق هرمز”

كشفت آخر المستجدات في مضيق هرمز عن صورة ميدانية وسياسية أكثر وضوحًا لميزان القوة القائم في هذه المرحلة، حيث تؤكد المعطيات الإيرانية أن محاولة أمريكية جديدة لاختبار الإرادة الإيرانية في المضيق انتهت بالتراجع تحت وقع التهديد المباشر، في وقت حاولت فيه بعض الروايات الأمريكية الترويج لعبور بحري يهدف إلى إظهار الثقة وطمأنة السفن التجارية.

ففي مقابل ما جرى تداوله عن تحرك سفن ومدمرات أمريكية في مضيق هرمز، شددت الرواية الإيرانية على أن القوات المسلحة الإيرانية كانت تراقب المدمرة الأمريكية لحظة بلحظة، وأنها أبلغت الوفد الإيراني المفاوض بتفاصيل التحرك فورًا، ليقوم الوفد بنقل رسالة حازمة عبر الوسيط الباكستاني إلى الجانب الأمريكي.

وبحسب ما نقلته وكالة تسنيم عن الخارجية الإيرانية، فإن طهران أبلغت الطرف المقابل بشكل واضح أن اقتراب المدمرة الأمريكية من مضيق هرمز سيعرضها لضربة خلال 30 دقيقة، وأن أي تجاوز لهذا التحذير لن يقف عند حدود الاشتباك البحري فحسب، بل سيتسبب أيضًا بإلحاق ضرر مباشر بمسار المفاوضات. وهذه الصياغة تكشف أن إيران لم تتعامل مع التحرك الأمريكي كاستعراض عابر، بل كـ اختبار خطير للسيادة والردع يستوجب إنذارًا عسكريًا وسياسيًا مزدوجًا.

وتؤكد هذه المعطيات أن المدمرة الأمريكية أوقفت تحركها وعادت من محيط المضيق بعد التحذير الإيراني، ما يعزز الاستنتاج بأن الردع البحري الإيراني لم يعد مجرد خطاب سياسي أو إعلامي، بل أصبح معادلة ميدانية قادرة على فرض التراجع على القطع الأمريكية قبل وصولها إلى نقطة الاشتباك.

وفي هذا السياق، تكتسب الإضافة الجديدة أهمية بالغة، إذ أوضحت الخارجية الإيرانية أن تحكم إيران بمضيق هرمز لعب دورًا مهمًا في دفع الطرف المقابل إلى طاولة المفاوضات. وهذا يعني أن هرمز لم يعد مجرد ممر بحري حساس أو ورقة ضغط ثانوية، بل تحول إلى أداة سيادية واستراتيجية كبرى تستخدمها طهران في إعادة صياغة شروط الاشتباك والتفاوض معًا، بحيث باتت القدرة على التحكم بالمضيق جزءًا من النفوذ السياسي الإيراني، لا مجرد عنصر من عناصر القوة العسكرية.

وبذلك، فإن الصورة الكاملة للمشهد لم تعد تحتمل كثيرًا من الالتباس: واشنطن حاولت اختبار هرمز، وطهران ردّت بإنذار صريح ومهلة بالنار، فتحولت المدمرة من أداة استعراض إلى قطعة بحرية مضطرة للتراجع، فيما ثبتت إيران أن يدها هي العليا في المضيق، وأن سيطرتها عليه باتت من العوامل التي أجبرت الطرف الآخر على العودة إلى منطق التفاوض.

وعليه، فإن ما جرى في هرمز يكشف مجددًا أن التوازن البحري في المنطقة تغيّر جذريًا، وأن الهيبة الأمريكية التي كانت تُسوّق لعقود في مياه الخليج وبحر عُمان لم تعد تعمل بالفاعلية نفسها، بينما تواصل إيران ترسيخ معادلة جديدة عنوانها: لا عبور بلا حساب، ولا اقتراب بلا إذن، ولا تفاوض من دون الإقرار بوزن هرمز في ميزان القوة والسيادة.

إسلام آباد على وقع الاشتباك السياسي: طهران تدخل المفاوضات بخطوط حمراء صارمة وتضع هرمز والأصول المجمدة ووقف النار الشامل في صلب المعركة

انطلقت في العاصمة الباكستانية إسلام آباد جولة مفاوضات بالغة الحساسية بين الوفدين الإيراني والأمريكي، في لحظة تبدو فيها المنطقة كلها معلقة بين مسار تهدئة مشروط ومسار انفجار جديد إذا ما حاولت واشنطن الالتفاف على المطالب الإيرانية أو استخدام التفاوض غطاءً للمماطلة والخداع. غير أن الرسالة التي حملها الوفد الإيراني منذ اللحظة الأولى كانت واضحة وحاسمة: طهران لم تأتِ إلى إسلام آباد لتقديم تنازلات مجانية، بل دخلت المباحثات وهي تحمل خطوطاً حمراء صلبة تتصل بمضيق هرمز، والتعويضات، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ووقف إطلاق النار على جميع الجبهات، وفي مقدمتها لبنان.

وبحسب المعطيات المعلنة، أبلغ الوفد الإيراني رئيس الوزراء الباكستاني مباشرةً مقترحات طهران وخطوطها الحمراء، فيما أكد التلفزيون الإيراني أن هذه الخطوط تشمل بوضوح مضيق هرمز، ودفع تعويضات عن الحرب، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ووقف إطلاق النار في أنحاء المنطقة. وهذا يعني أن إيران تتعامل مع هذه الجولة لا بوصفها مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل باعتبارها معركة سياسية موازية للميدان، هدفها تثبيت نتائج الصمود الإيراني وانتزاع ترجمتها في المسار التفاوضي.

وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن المفاوضات بدأت عملياً منذ وصول الوفد الإيراني ليلة أمس، وإن طهران نقلت ملاحظاتها إلى الجانب الباكستاني خلال سلسلة لقاءات عديدة، مشدداً على أن إيران توجد الآن في لحظة تاريخية حساسة، وأن الدبلوماسية الإيرانية تخوض معركة مهمة. لكن بقائي حرص في الوقت نفسه على تثبيت المعادلة الأساسية بقوله إن القوات المسلحة الإيرانية يدها على الزناد، ومستعدة للرد فوراً على أي اعتداء، ما يعني أن طهران لا تفصل بين الطاولة والميدان، بل تدخل التفاوض محصنةً بقوة الردع لا بمنطق الاسترضاء.

ومن أكثر الملفات حساسية في هذه الجولة ملف وقف إطلاق النار في لبنان، إذ أكد بقائي أن هذا المطلب أساسي بالنسبة لإيران، وأن هناك تواصلاً بين إسلام آباد وبيروت للتأكد من وقف النار على جميع الجبهات. وبذلك ترفض طهران أي محاولة أمريكية لحصر التهدئة في ساحتها المباشرة مع تجاهل جبهات المحور الأخرى، وتصر على أن أي اتفاق حقيقي يجب أن يكون شاملاً، لا تجزئة فيه، ولا يسمح للعدو الإسرائيلي بأن يواصل عدوانه على لبنان بينما يتحدث الأمريكيون عن السلام.

أما في ملف الأصول الإيرانية المجمدة، فقد كشفت رويترز عن مصدر إيراني رفيع أن الولايات المتحدة وافقت على الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة موجودة في قطر وبنوك أجنبية أخرى، وأن طهران تنظر إلى هذه الخطوة بوصفها اختباراً لحسن النية ودليلاً على الجدية في التوصل إلى اتفاق سلام دائم. غير أن هذا الإفراج، وفق المصدر نفسه، ليس خطوة منفصلة، بل مرتبط مباشرةً بضمان المرور الآمن عبر مضيق هرمز قبل أي اتفاق نهائي. بمعنى آخر، فإن إيران لا تتعامل مع أموالها المجمدة كملف مالي فقط، بل كجزء من معادلة سيادة وردع تشمل البحر والطاقة والممرات الحيوية.

ومع ذلك، فإن المشهد لا يخلو من التباس، إذ سارع مسؤول رفيع في البيت الأبيض إلى نفي هذه المعطيات واعتبارها “مزاعم زائفة”، في محاولة تعكس على الأرجح حجم الارتباك داخل الإدارة الأمريكية بين من يريد تقديم إشارات إيجابية لإنقاذ التفاوض، ومن لا يزال أسير منطق الابتزاز والضغط والتراجع عن التعهدات. وهذا بالضبط ما يفسر حالة انعدام الثقة الكامل التي عبّر عنها الجانب الإيراني بوضوح، سواء على لسان بقائي أو عبر تصريحات عباس عراقجي ومحمد باقر قاليباف، اللذين شددا على أن تجربة التفاوض مع واشنطن كانت دائماً مصحوبة بنقض العهود والخداع والعدوان.

في المقابل، تظهر باكستان في هذه الجولة بوصفها الوسيط المركزي الذي يحاول جمع الخيوط المتشابكة. فقد عقد نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس اجتماعاً مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بحضور ويتكوف وكوشنر، فيما التقى الوفد الإيراني بقيادة قاليباف وعراقجي مسؤولين باكستانيين رفيعي المستوى، بينهم رئيس الوزراء، ورئيس البرلمان، وقائد الجيش. وتشير هذه الكثافة في اللقاءات إلى أن المباحثات لا تقتصر على صيغة دبلوماسية تقليدية، بل تدور في إطار هندسة سياسية وأمنية معقدة تتعلق بمستقبل الحرب ومضيق هرمز والملف النووي ووقف النار في لبنان والمنطقة كلها.

وبحسب التقديرات المتداولة، فإن محادثات إسلام آباد توصف بأنها “عالية المخاطر”، وقد تُدار بصيغتين مباشرة وغير مباشرة في الوقت نفسه، مع احتمال أن يبدأ التفاهم أولاً عبر الوسطاء الباكستانيين قبل الانتقال إلى مناقشات وجهاً لوجه. لكن الأهم من شكل التفاوض هو مضمونه: فإيران تشترط بوضوح أن تدخل المفاوضات على أساس حقوقها وخطوطها الحمراء، لا على أساس المهل الأمريكية ولا التهديدات المبطنة. وقد قالت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية بوضوح إن إرسال الوفد إلى باكستان دليل على جدية طهران في التفاوض، لكن “أيدينا ستبقى على الزناد”، مؤكدة أن إيران لن تتنازل ولن تتراجع عن حقوقها.

وفي قلب هذه الجولة يبقى مضيق هرمز عنواناً مركزياً. فترامب أبدى امتعاضه من طريقة تعامل إيران مع المضيق، بينما تصر طهران على أن أي تفاهم حول حرية الملاحة لا يمكن أن يُفصل عن العدوان الأمريكي الإسرائيلي، ولا عن الأصول المجمدة، ولا عن وقف إطلاق النار الشامل. وبذلك تتحول هرمز من مجرد ملف ملاحي إلى أداة سيادية تفاوضية من الدرجة الأولى، تعكس حقيقة أن إيران لا تدخل المفاوضات من موقع المحاصر، بل من موقع من يملك أوراقاً استراتيجية قادرة على فرض نفسها على حسابات الحرب والسلام معاً.

الخلاصة أن مفاوضات إسلام آباد بدأت تحت سقف إيراني واضح: لا اتفاق بلا هرمز، ولا تهدئة بلا وقف شامل للنار، ولا مسار سلام بلا إفراج عن الأصول وتعويضات وضمانات حقيقية. وفي المقابل، تبدو واشنطن مضطرة إلى اختبار جديتها بالفعل لا بالكلام، فيما تمضي طهران في إدارة المعركة التفاوضية بذات الصلابة التي أدارت بها معركة الصمود في الميدان. هكذا تدخل الجمهورية الإسلامية هذه الجولة: بعقل تفاوضي بارد، وخطوط حمراء ثابتة، ويد عسكرية على الزناد.