تكشف الوثائق الأمريكية المفرج عنها ضمن ما يُعرف بملفات “إبستين” جانبًا خطيرًا من التاريخ السياسي الأسود لبعض رموز المرحلة الماضية، حيث تظهر مراسلات تربط الرئيس الأسبق علي عبد الله عفاش بتاجر الجنس العالمي جيفري إبستين، المرتبط بشبكات نفوذ صهيونية واستخبارية. هذه الوثائق لا تضع مجرد شبهات، بل ترسم ملامح تواصل مشبوه سبق أحداث فتنة ديسمبر 2017، في سياق بحثٍ واضح عن دعم خارجي لإحداث انقلاب في صنعاء.
وتشير المراسلات، التي تعود إلى مارس 2017، إلى دور وسطاء يمنيين في نقل طلبات تتعلق بترتيبات تفتح الباب لتدخل إسرائيلي غير مباشر في العاصمة، ما يعكس – إذا صحت المضامين – استعدادًا خطيرًا للاستقواء بالعدو التاريخي للأمة من أجل العودة إلى السلطة ولو على حساب سيادة اليمن وكرامته. هذا المسار يكشف حقيقة المشروع الذي حاول الالتفاف على ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، ويؤكد أن الفتنة لم تكن صراعًا سياسيًا داخليًا فحسب، بل محاولة لجرّ اليمن إلى مربع الارتهان الاستخباري.
الأخطر أن الوثائق اللاحقة لعام 2018 تكشف مراسلات حول إعادة تشكيل السلطة في الجنوب بعد مصرع عفاش، عبر مشاورات تضمنت مقترحات لتأسيس مجلس رئاسي بديل، مع توصيات باستغلال تحركات هادي الخارجية لإعادة هندسة المشهد السياسي بما يتوافق مع مصالح واشنطن وتل أبيب. وهو ما ينسجم مع ما شهدته الساحة لاحقًا من إعلان مجلس رئاسي بتركيبة مفروضة من الخارج، في خطوة جسدت عمليًا تحويل ما يُسمى “الشرعية” إلى كيان مُدار من غرف عمليات إقليمية ودولية.
إن ما تكشفه هذه الوثائق يسلط الضوء على حجم التواطؤ الذي أحاط بالمرحلة الماضية، ويؤكد أن بعض القوى التي تصدرت المشهد لم تكن سوى أدوات ضمن مشروع أوسع لإعادة تشكيل اليمن سياسيًا وجغرافيًا بما يخدم أجندات خارجية. فبدلاً من حماية السيادة، انخرطت تلك الأطراف في ترتيبات مشبوهة، لتتحول إلى جسر عبور لمشاريع استخبارية صهيونية وأمريكية تستهدف القرار الوطني والثروة والجغرافيا.
كما تكشف الوثائق – بصورة لا لبس فيها – أن ما يسمى بحكومة “الشرعية” لم تكن سوى امتداد لمنظومة ارتهان، وأن المجلس الرئاسي الذي تم تسويقه كحل سياسي لم يكن وليد توافق وطني، بل نتاج هندسة خارجية، الأمر الذي يعزز توصيفه كسلطة مفروضة تفتقد للاستقلالية.
إن انكشاف هذه المعطيات اليوم يعيد قراءة المشهد من زاوية مختلفة، ويؤكد أن المعركة لم تكن يومًا على سلطة عابرة، بل على قرار اليمن وسيادته وهويته، وأن كل من سعى للاستقواء بالخارج ضد أبناء وطنه إنما وضع نفسه في موقع الخيانة التاريخية، مهما حاولت الدعاية السياسية تجميل الصورة أو إعادة تدوير الوجوه.











