الرئيسية بلوق الصفحة 198

مِن “سدوم” إلى “إبستين”: عوراتُ الحضارة وتكرارُ سُنن السقوط

تشهد البشرية صراعًا أزليًّا بين تيار الإفساد وتيار التطهر.. واليوم، تطل علينا “وثائق إبستين” لتكشف عن سدوم العصر الحديث؛ حَيثُ سقط القناع عن حضارة تدَّعي القيادة الأخلاقية وهي غارقة في مستنقع الانتكاس الفطري.

أولًا: زلزالُ الأرقام.. إدانة ماديةٌ حضارية

إنَّ الكشفَ عن (3.5 مليون) صفحة وَ(180 ألف) صورة وَ(2000) فيديو ليس مُجَـرّد بيانات، بل هو شاهِدٌ مادي على انتكاس قمة الهرم السياسي العالمي:

“نخبةٌ” سدومية: وثائق إبستين كشفت عن “نُخبة عالمية” صاغت لنفسها دينًا من الشهوات، مستبيحةً القاصرات في جزر معزولة (ليتل سانت جيمس) بعيدًا عن الرقابة، تمامًا كما كان يفعل قوم لوط في أنديتهم.

سقوطُ الرمز: اتّهام رئيس أمريكي (ترامب) باغتصاب طفلة يمثل ذروة الانتكاس؛ حَيثُ يتحول “قائد العالم الحر” إلى متهم بممارسة المنكر في أبشع صوره.

خيطُ “الموساد”.. الابتزاز كسلاحٍ للهيمنة

لم تكن شبكة إبستين مُجَـرّد منتجع فاحش، بل كانت مصنعًا لـ “المواد المبتزة” (Kompromat) بإدارة صهيونية:

صناعةُ الولاء: استخدام الفاحشة لضمان ولاء صناع القرار في الغرب للمشروع الصهيوني خوفًا من الفضيحة.

العلوُّ الكبير: توظيف الرذيلة كأدَاة جيوسياسية لتحقيق الهيمنة، وهو تجسيد للعلو الصهيوني الذي ذكره القرآن الكريم.

فلسفةُ الصراع.. ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾

جوهر الحروب اليوم هو عقاب الشعوب التي رفضت الانصهار في منظومة القيم المنحرفة:

في إيران: تُحاصر لأنها أعلنت التحرّر من هيمنة “الشيطان الأكبر” وتمسكت بالهُـوية الإيمانية.

في اليمن: يُباد شعب الإيمان والحكمة لأنه قال “لا” للهيمنة الصهيونية واختار قيادة ربانية متمثلة في السيد العلم عبدالملك الحوثي (حفظه الله).

في غزة: تُذبح البراءة لأنها ترفض الخنوع والتطبيع مع المحتلّ السدومي.

الرابطُ العضوي: حصار صنعاء وطهران وغزة هو الوجه الآخر لفساد جزيرة إبستين؛ فمن يستبيح الأجساد في السراديب، يستبيح الأرواح بالصواريخ فوق الأرض.

سُنّةُ النصرِ والوعدِ الحق

إن خروج هذه الوثائق هو “نصر البيان” وبداية الخسف المعنوي للمفسدين.

التاريخ يخبرنا أن كُـلّ حضارة بارزت الله بالفواحش انتهت إلى مزبلة التاريخ.

الصراع اليوم هو بين “سدومية عابرة للقارات” وبين شعوبٍ {يَتَطَهَّرُونَ}.

وكما سقطت سدوم القديمة، ستسقط سدوم إبستين على يد المتطهرين الصامدين، فالنصر في الميزان الإلهي لمن حفظ عهد الفطرة واستعصى على دعوة الفجور.

{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} (الروم: 47).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عدنان عبدالله الجنيد

بلومبيرغ تحذر: غرور ترامب مع إيران يهدد المنطقة وفقدان خطة واضحة قد يقود إلى فوضى شاملة

حذر مقال رأي منشور في بلومبيرغ من خطورة الغطرسة الأمريكية تجاه إيران، مؤكدًا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يفتقد إلى خطة نهائية واضحة للتعامل مع طهران، ما يجعل أي ضربة عسكرية محتملة محفوفة بالفوضى الإقليمية والتداعيات التاريخية المأساوية.

وأشار الكاتب مارك شامبيون إلى أن السؤال الأهم ليس ما ستفعله واشنطن تجاه إيران، بل مدى فهمها الفعلي للمجتمع الإيراني وأبعاد تأثير أي تصعيد على تركيا ودول الخليج، محذرًا من الانسياق وراء الأجندة الإسرائيلية دون دراسة دقيقة للواقع المحلي الإيراني.

ووصف المقال مطالب ترمب بأنها مبعثرة ومتناقضة، بين وقف قمع المتظاهرين وتفكيك البرنامج النووي ووقف دعم وكلاء إيران الإقليميين، مؤكدًا أن هذا يربك إيران والمجتمع الدولي، ويطرحها فقط كنجاح استراتيجي إذا كان مصحوبًا بخطة واضحة، وهو ما يبدو غير موجود.

وشدد الكاتب على أن الاعتماد على معلومات استخباراتية ثانوية، مثل إسرائيل، لا يكفي لفهم ردود فعل الحرس الثوري والشعب الإيراني تجاه الضربات المحتملة، محذرًا من أن الغطرسة التي تعتقد أن القوة العسكرية وحدها تكفي لتغيير الواقع السياسي ستكرر إخفاقات واشنطن في أفغانستان والعراق.

وأضاف أن على القيادة الأمريكية تحديد أولوياتها بوضوح: هل الهدف اتفاق نووي جديد أم تغيير النظام؟ وكيف ستتعامل مع الفوضى التي ستتبع أي تصعيد؟

وركز المقال على أن أهداف إسرائيل لا تتطابق بالضرورة مع مصالح واشنطن، حيث تعتبر تل أبيب النظام الإيراني تهديدًا وجوديًا مستعدة لتحمل التبعات، بينما على الولايات المتحدة مراعاة استقرار المنطقة وحماية حلفائها من التداعيات، مثل موجات اللجوء وتهديد المنشآت النفطية.

واختتم الكاتب بتساؤل مصيري: هل سينجح غرور ترمب في فرض صفقة نووية تحفظ ماء وجه المرشد علي خامنئي، أم أن واشنطن سترفع التصعيد وتضغط الزناد دون حساب لما بعد الضربة، مما قد يؤدي إلى فوضى إقليمية شاملة.

شروط المفاوضات الأمريكية الإيرانية واحتمالية المواجهة

الحقيقة أنّ الإدارةَ الأمريكيةَ الحالية لا تؤمنُ بالمفاوضات، ولا تلتزم بالاتّفاقيات، ولا تحترم المواثيق والمعاهدات؛ هي إدارة إرهابية صهيونية متطرفة، تسعى إلى تغيير النظام العالمي بالقوة.

فخلال ولاية ترامب الأولى، انسحبت أمريكا من الاتّفاق النووي مع الجمهورية الإسلامية، واعترفت بالقُدس عاصمةً للصهاينة، وبسيادتهم على الأراضي السورية المحتلّة.

وخلال ولايته الحالية، انسحبت من سبعين اتّفاقية دولية، وأهانت منظمة الأمم المتحدة، وحوّلت وزارة الدفاع الأمريكية إلى وزارة حرب، واختار ترامب طاقمه من الصهاينة المعتّقين؛ لاستكمال إجرام سلفه في لبنان وغزة، وتوجيه ضربة عسكرية غادرة على الجمهورية الإسلامية، وقام باختطاف رئيس دولة، وهدّد كوبا وكندا وأستراليا وغيرها، واحتقر رؤساء وزعماء أُورُوبا.

وأعلن حربًا تجاريةً على العالم، وحشد حاملات الطائرات الأمريكية والبوارج والمدمّـرات الحربية للضغط على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وإجبارها على الخضوع والاستسلام للأمريكان والصهاينة، إلا أنه لم يفلح ولن يفلح في ذلك بإذن الله؛ فإيران تختلف عن بقية دول المنطقة والعالم، ولديها قيادة ربانية حكيمة، ترى بنور الله، وتدرك طبيعة الصراع مع أهل الكتاب، وتؤمن بالسنن الإلهية في المجرمين والظلمة، وتعرف نقاط ضعف أعدائها في المنطقة.

كما أنّ إيران رسائلها صريحة وواضحة لكل دول العالم؛ بأنّ أي عدوان أمريكي أَو صهيوني على الشعب الإيراني سيشعل حربًا إقليمية واسعة، لن تتمكّن الإدارة الأمريكية من إخمادها، والأمريكان والصهاينة يدركون تمامًا حقيقة التهديدات الإيرانية، وقدرتها على تنفيذها بدقة عالية؛ فإيران ليست سوريا أَو فنزويلا، والخامنئي ليس بشَّارًا أَو مادورو، فهي دولة لا تمزح ولا تبالغ ولا تناور، والعدوان عليها لن يكون نزهة؛ بل سيكون حربًا وجودية شاملة، وسيدفع ثمنها الأمريكان والصهاينة وأدواتهم قبل غيرهم، وربما تكون نهايتُهم في المنطقة.

أيّ عدوان على إيران لن يكون كما يتوهّم ترامب ونتنياهو ضربة خاطفة ومحدودة؛ بل سيكون القشة التي قصمت ظهر الأمريكان والصهاينة، وهذا ما أجبر ترامب ونتنياهو على مراجعة حسابهم، والكف عن مغامراتهم ورهاناتهم في المنطقة.

ودعوة الجمهورية الإسلامية إلى مفاوضات عُمان، لا شك أنّ هذه المفاوضات ولدت ميتة؛ فإيران تبحث جديًّا عن السلام، وتسعى من خلال المفاوضات إلى رفع العقوبات، وهو حقها الطبيعي والقانوني وموقفها منذ سنوات، وأمريكا تبحث عن الاستسلام، وتريد قدرات إيران النووية والصاروخية، وإبعادها عن القضية الفلسطينية، وقطع علاقاتها بحلفائها في المنطقة، وهذا ما لم تقبله ولن تقبله الجمهورية الإسلامية، لا في هذه المفاوضات ولا في غيرها، وهو المستحيل بعينه.

لأنّ الثورة الإسلامية قامت على نصرة القضية الفلسطينية، وتحمّل الشعب الإيراني الحصار والعقوبات خلال العقود الماضية للوصول إلى الطاقة النووية السلمية، ولا يمكن أن يفرط في ذلك اليوم، وهذا ما يعزز احتمالية المواجهة القادمة، وما قد يؤخِّرها هو الاستعدادُ والجهوزيةُ العالية، والحذرُ من الاسترخاء والغفلة، أَو المراهنة على المفاوضات والتصريحات والمواقف الزائفة؛ فالذين كفروا يؤدون لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة.

أمريكا تبحث عن ضربة نوعية سريعة وخاطفة، ولا تريدها أن تكونَ حربًا طويلة وشاملة، لا شك أنّ الجمهورية الإسلامية اليوم أقوى من أي وقتٍ مضى، وأكثر استعدادًا وجاهزيةً للمواجهة الكبرى، وتحقيق وعد الآخرة في اليهود والنصارى، قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخرة لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أول مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القاضي علي عبدالمغني

الاستراتيجية الهجومية في القرآن

في فقه إدارة الصراع الذي يرسمُه القرآن الكريم، لا يُعَدُّ الهجوم مُجَـرّد خيار عسكري، بل هو «ضرورة إيمانية» لإحقاق الحق وإزهاق الباطل قبل استفحاله.

إن العقيدة القتالية التي تتشكل اليوم في وعي الأُمَّــة، والتحول نحو «المبادَأة الاستراتيجية»، تجد جذورها الأصيلة في مفهوم الضربة الاستباقية؛ تلك التي تنقل المؤمنين من انتظار فعل العدوّ إلى صناعة مصيره.

إن الرؤية القرآنية للأمن القومي تقوم على مبدأ إجهاض المؤامرة في مهدها، فإذا استُشعر الغدر من القوى الاستكبارية (الأمريكية–الإسرائيلية)، جاء التوجيه الإلهي الصارم بقطع الطريق عليهم:

﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾.

هذا «النبذ» هو إعلان لبداية الهجوم الذي يسلب العدوّ ميزة التخطيط الهادئ، ويضعه في قلب العاصفة قبل أن يستعد لها.

إن جوهر القوة في هذا التحول العقدي يكمن في «عنصر المباغتة» واقتحام العمق، وهو التكتيك الذي يضمن الانهيار السريع لمنظومات العدوّ مهما بلغت تكنولوجيتها.

فالقرآن الكريم يضع دستورًا للغلبة في آية واحدة تختصر عبقرية التخطيط العسكري:

﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾.

إن اقتحام «الباب» – الذي يمثل في لغة العصر مراكز السيطرة والتحكم والقواعد الحيوية – هو الكفيل بنقل المعركة إلى أرض الخصم؛ مما يولد لديه حالة من الذهول الإدراكي والانهيار النفسي.

وعندما تقترن هذه المباغتة بشدة البأس في التنفيذ، يتحقّق الهدف الأمني الأسمى بتشتيت شمل المعتدين ومن خلفهم:

﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.

بيد أن هذه العقيدة الهجومية لا تستند فقط إلى تفوق السلاح والتقنية، بل إلى ضمانة «القيومية الإلهية» في إدارة الصراع.

فالمؤمن حين يسارع لمباغتة قوى الباطل، لا يتحَرّك في فراغ، بل يتحَرّك تحت رعايةِ الله الذي يدبِّر الأمرَ من السماء إلى الأرض.

إن المسارعةَ في النفير والضرب المباغت هي استجابة لأمر الله: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾.

وهي الوسيلةُ الإلهية لتطهير الأرض من مفسدات الهيمنة الاستكبارية:

﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾.

إن التوقعات المنطقية لهذا التحول الاستراتيجي تشير إلى أن عصر الهيمنة (الأمريكية–الإسرائيلية) يقترب من نهايته؛ فالحرب لم تعد سجالًا طويلًا، بل أصبحت «ضربة حاسمة» تسبق مكر الماكرين.

إن الركون إلى الدفاع هو انتظار للموت، بينما المبادرة هي استعجال للنصر والتمكين.

ومن هُنا، فإنَّ أيَّ تحَرّك إيراني أَو لمحور المقاومة ينطلقُ من هذا العمق القرآني، لن يكون مُجَـرّدَ رد فعل سياسي، بل هو قدرٌ إلهي يُساق بأيدي المؤمنين ليغيّر وجه التاريخ، ويؤكّـد أن القيوميةَ في الميدان هي لله وللذين آمنوا بأن «دخول الباب» هو أول خطوات السيادة العالمية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محسن الشامي

معبر رفح..خطوة رمزية أم بداية انفراجة نحو التدويل؟

الرهان الحقيقي أمام الفلسطيني في قطاع غزة يجب ألّا يكون على فتح مؤقت أو استثناء إنساني، بل على تحويل معبر رفح إلى حق دائم غير قابل للمساومة، وفصل القضايا الإنسانية عن الحسابات الأخرى.

وداعاً للأب الذي غرس القيم فأنبت قائداً للأمة

برحيل السيد عبد الكريم نصر الله، والد سيد شهداء الأمة سماحة الأمين العام لحزب الله الشهيد السيد حسن نصر الله، فقدت الأمة ليس مجرد رجل عادي، بل فقدت نموذجاً حياً للأبوة الحقيقية، التي تصنع الرجال قبل أن تصنع التاريخ. السيد عبد الكريم لم يكن سياسياً، ولا شهيراً في الإعلام، لكنه كان العمود الفقري للقيم التي نمت في بيته، وأصبحت فيما بعد أساساً لشخصية ابنه القائد، الذي حمل هم الأمة ووقف في وجه أعتى المشاريع الاستعمارية والصهيونية.

في زمنٍ تهاوت فيه معاني الأبوة تحت ثقل الماديات والهزائم، جسّد السيد عبد الكريم نصر الله نموذج الأب الذي يغرس القيم ولا يترقّب الحصاد، ويمنح بلا حساب، ويُربّي أبناءه على القضايا لا على المكاسب.

ومن ذلك البيت المتواضع خرج رجلٌ لم تغره السلطة، ولم تُفلح التهديدات في كسر إرادته، ولم تُخضعه الحروب، لأن جذوره كانت أعمق من الخوف وأرسخ في الكرامة، هنا، في هذا البيت البسيط، تولد القادة الصامدون، الذين يعرفون أن الحق أعلى من كل اعتبار، وأن المقاومة هي منهج حياة، وتربية قبل أن تكون قراراً سياسياً.

لقد علّمت البيئة التي نشأ فيها السيد حسن نصر الله معنى الصبر والثبات، ومعنى أن الانتصار يبدأ من الداخل، من البيت، من القيم التي تُزرع بصمت، فالأبوة التي تجسدها شخصية السيد عبد الكريم كانت إعداداً للقائد الذي سيصبح لاحقاً رمزاً للأمة، صامداً في وجه العدوان، ثابتاً في خضم الحروب، وواعياً بمسؤولياته تجاه كل مظلوم.

رحيل السيد عبد الكريم نصر الله يذكّرنا بأن القادة العظام لا يولدون من فراغ، بل من بيوت تزرع الأخلاق، ومن آباء يعرفون معنى التضحية قبل أن يعرفه العالم، فالمقاومة التي أصبح رمزها السيد حسن نصر الله لم تُخلق في ميادين القتال فقط، بل بدأت في البيت، حيث تُعلّم القيم قبل أن تُعلّم السياسة، ويُعرف الحق قبل أن يُعرف العدو، هنا، في صمت البيت، وفي صلابة الأب، تتكون الجذور التي لا تنكسر أمام أي عاصفة.

إن الحديث عن السيد عبد الكريم ليس مجرد سردٍ لحياة رجل، وإنما هو استحضار لدور الأب في صناعة الأمة، فهو لم يُظهر أمام الأضواء، ولم يسع للشهرة، لكنه ترك أثراً خالداً في الأجيال، أثراً لا يُقاس بالمنصب أو المال، بل بالثبات على القيم، والقدرة على غرسها في من حوله.

وفي هذا السياق، يصبح السيد عبد الكريم رمزاً لكل أب صامت، صنع القيم قبل أن يرى ثمرة جهده في مناصب أو ألقاب، وصنع الرجال قبل أن يُعرف اسمه للعالم.

لقد عاش السيد عبد الكريم نصر الله حياة هادئة، بعيدة عن ضجيج السياسة، لكنها كانت حياة مليئة بالمعنى. فكل موقف، وكل كلمة، وكل درس في بيته كان يشكل حجر الأساس في شخصية ابنه، وفي القدرة على حمل أعباء الأمة في أصعب الظروف، وحين قدم ابنه شهيداً، لم يُعرف عنه أي جزع أو تردد، لأن من يزرع أبناءه على طريق الحق يدرك أن الطريق محفوف بالتضحيات، وأن الثبات والشهادة هما ذروة العطاء، وليس مجرد خسارة.

اليوم، تتقدّم الأمة بالعزاء لا من باب المجاملة، بل من باب الوفاء والاعتراف، الاعتراف بأن خلف كل قائد مقاوم أباً صلباً، وأماً صابرة، وبيتاً آمناً بالقيم، يعرف أن الكرامة لا تُورّث بالكلام، بل بالفعل والموقف والتربية، رحيل السيد عبد الكريم نصر الله هو دعوة للتوقف عند معنى الأبوة الحقيقية، معنى التضحية الصامتة، ومعنى أن من يزرع القيم يصنع القادة، ومن يزرع الشجاعة يصنع المقاومة.

برحيله، تظل الدروس حية، وتبقى القيم التي غرسها شاهدة على أن التربية هي المعركة الأولى، وأن البيت هو الميدان الحقيقي الذي يُصنع فيه الرجال الذين لا يهابون الموت ولا يخشون التهديدات، ويعرفون أن الحق دائماً أرفع من الخوف، لقد ترك السيد عبد الكريم نصر الله إرثاً أكبر من كل ممتلكات الدنيا، إرثاً حياً في كل من آمن بأن المقاومة تبدأ من الجذور، وأن الكرامة تُورّث قبل الأسماء واللقب.

رحم الله السيد عبد الكريم نصر الله، الأب الذي غرس القيم فأنبت قائداً للأمة، وجعل مثواه مع الصادقين، وأبقى أثره حياً في كل بيتٍ ما زال يؤمن بأن التربية على الحق هي القوة الحقيقية، وأن المقاومة تبدأ من الداخل قبل أن تبدأ في الميادين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد عبدالمؤمن الشامي

عدن تحت وطأة أزمة الغاز في رمضان.. المعاناة الشعبية تتفاقم وسط صمت التحالف المحتل

تستقبل مدينة عدن المحتلة شهر رمضان المبارك على وقع أزمة غاز منزلي خانقة، حيث امتلأت شوارع المدينة وطرقاتها بطوابير طويلة من المواطنين المصطفين أمام محطات التعبئة، في مشهد يعكس حجم المعاناة المتجددة نتيجة سياسات التحالف السعودي – الإماراتي ومرتزقته في المدينة.

وشهدت مختلف مديريات عدن ازدحامًا شديدًا، مع مئات الأسطوانات مرصوصة في طوابير ممتدة منذ ساعات الفجر الأولى، وسط تدافع كبير من المواطنين الذين يحاولون تأمين احتياجات منازلهم قبل دخول الشهر الفضيل، في ظل ندرة المعروض وتذبذب عملية التوزيع، الأمر الذي يؤكد فشل إدارة الاحتلال ومرتزقته في توفير أبسط متطلبات المدنيين.

وعبّر عدد من المواطنين عن سخطهم الشديد نتيجة تكرار هذه الأزمات في المواسم الدينية، واصفين الوضع بـ “المأساوي” و”العبثي”، مؤكدين أن الحياة اليومية أصبحت رهينة للممارسات الاحتكارية والفساد الإداري. وقال أحد المواطنين: “بدلاً من الاستعداد لروحانية رمضان، نجد أنفسنا نقضي أيامنا في الشوارع بحثًا عن أسطوانة غاز، وسط صمت مريب من الجهات المعنية.”

ويعكس هذا الواقع التداعيات المباشرة للاحتلال الاقتصادي والإداري على سكان عدن، ويضع علامات استفهام كبيرة حول مدى قدرة التحالف ومرتزقته على إدارة شؤون المدنيين، بينما المعاناة الشعبية تتفاقم دون أي حلول ملموسة.

الأساطير التي تروج لها أمريكا

محمد الفرح

ثمّة عدد من الأساطير التي تروّج لها الولايات المتحدة بوصفها سبب النهضة والرفاه للعالم، وبأنها الدولة التي نقلت العالم من عصور الظلام إلى قصور التقدّم.
وتقوم هذه الرواية على أسطورتين رئيستين:
الأولى، ما يُسمّى بالمُثل والقيم الأمريكية.
والثانية، ما يُسوَّق على أنه العبقرية والذكاء الأمريكي.
غير أن الواقع يؤكد أن هاتين الركيزتين ليستا سوى عناوين زائفة وخداع منظّم. فالقيم الأمريكية لا وجود لها مطلقًا في ضوء ما كشفته وثائق إبستين، وما وما سبقها من دعم أمريكي مكشوف لقتل المدنيين، واستهداف الرضّع في حضاناتهم، وتجويع أكثر من مليوني مسلم في غزة حتى الموت جوعًا وعطشًا، وقتلهم وهم يؤدون عباداتهم بالسلاح الأمريكي.

ويضاف إلى ذلك تاريخ أمريكا الدموي، إذ تأسست دولتها على جماجم السكان الأصليين من الهنود الحمر، ونشأت بقوة الزنوج الأفارقة الذين اختُطفوا من سواحل إفريقيا، ثم توسّعت باقتطاع أجزاء واسعة من الدول المجاورة، وبسط النفوذ والنهب وصولًا إلى نهب الثروات العربية وثروات أمريكا اللاتينية.

أما ما يُسمّى بالعبقرية الأمريكية، فحقيقته أبعد ما تكون عن الصورة المروّجة. فما يحرك أمريكا في طغيانها وشرّها ليس العبقرية ولا الإبداع، بل المؤامرات الصهيونية والطموحات التي رُسمت لها، والتحكم المباشر في من يصل إلى السلطة داخلها. وقد سخّرت الدولة الأمريكية بكل أدواتها وقوتها لخدمة المشروع الصهيوني، حتى باتت أذرعها لا تعمل لمصلحة مواطنيها بقدر ما تخدم الصهاينة في العالم ومشاريعهم التوراتية والخرافية.

وفضلاً عن ذلك، فإن ما حققته أمريكا من تفوق علمي يعود في جوهره إلى سياسة ممنهجة في استقطاب العقول من مختلف أنحاء العالم.

وتشير إحصائية صادرة عن البنك الدولي إلى أن 85% من الحاصلين على جائزة نوبل الذين نُسب إنجازهم إلى الولايات المتحدة هم في الأصل مهاجرون، تم احتواؤهم ضمن سياسة معروفة بتجريف النوابغ وسرقة الأدمغة وهجرة العقول.

وفي المقابل، تكشف استبيانات موثقة ومشهورة أن ما يقارب 94% من الأمريكيين يعيشون حالة من السطحية الفكرية، ودون مستوى الذكاء ولا يفهمون أبجديات السياسة، وهو ما يفسّر سهولة توجيه الرأي العام، وتبرير الحروب، وتسويق الجرائم باسم القيم والديمقراطية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الفرح

جزيرة إبستين: تجلِّيًا شيطانيًّا مكتمل الأركان

حين نتحدث عن اغتصاب الأطفال وعن تحويل البراءة إلى سلعة، فنحن لا نتحدث عن جريمة عادية، بل عن انهيار إنساني شامل؛ عن لحظة يعلن فيها الشيطان انتصاره المؤقت على الضمير العالمي.

جزيرة إبستين كانت نموذجًا عمليًّا للآية عندما قال الله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأموال وَالأولادِ﴾.

في جزيرة الشيطان، لم يُغوِ أفرادًا عاديين، بل نخب؛ سياسيون، أصحاب نفوذ، مشاهير، وأصحاب قرار؛ أناس امتلكوا المال والسلطة لكنهم فقدوا الإنسان في داخلهم.

وهنا تتجسد أخطر مراحل الغواية؛ حين يموت الضمير ويتحول الإنسان إلى كائن تحكمه الشهوة وحدَها.

منظومة السقوط الأخلاقي

ما حدث في جزيرة إبستين ليس انحرافًا أخلاقيًّا فرديًّا، بل منظومة شيطانية: المال: كان أدَاة الإغواء.

النفوذ: كان أدَاة الحماية.

الصمت: كان أدَاة التواطؤ.

الضحايا: كانوا أطفالًا بلا صوت.

أيُّ انحطاط هذا؟ أي سقوط أبعد من أن تستباح الطفولة وتغتصب البراءة ثم يُدار العالم بخطابات حقوق الإنسان؟ هنا نفهم كلام السيد القائد (حفظه الله) عندما تحدث في محاضراته عن خطورة الشيطان عندما قال: «الشيطان لا يعمل وحده بل عبر شياطين الإنس والجن، يتبادلون الأفكار، يزينون الجرائم، يغطونها بالقانون، ويصنعون لها واجهة حضارية كاذبة».

انكشاف الحقيقة والزلزال الأخلاقي

إذن، جزيرة إبستين كانت صوت الشيطان بأوضح صوره؛ صوت يهمس للنخبة: “أنت فوق القانون، أنت محمي، كُـلّ شيء مباح”.

لكن ما لم يحسب له حساب أن نور الله موجود، والحقيقة الشيطانية انكشفت مع الجرائم.

هذه الجرائم ليست تسريب ملفات، بل زلزال أخلاقي يفضح أن من يزعم قيادة العالم قد سقط إنسانيًّا إلى مستوى لا تحتمله الفطرة السليمة.

الخاتمة: هنا تتضح المعركة اليوم؛ ليست بين شرق وغرب، ولا بين أنظمة، بل بين مشروع الله الذي يريد إنقاذ البشرية، وبين مشروع شيطاني لا يعيش إلا في الظلام.

ولهذا يخافون الحقيقة، ولهذا يسكت الشهود، ولهذا تغلق الملفات؛ لأن جزيرة إبستين لم تكن النهاية، بل نافذة أطلَّ منها العالَـمُ على حقيقة الشيطان حين يحكم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالخالق دعبوش

استشهاد 23 فلسطيني.. كيان العدو الإسرائيلي يستأنف “حرب الإبادة” في غزة بمجازر جديدة

استشهد 23 فلسطينيًا وأصيب عشرات آخرون اليوم الأربعاء، في غارات وقصف مدفعي لكيان العدو الإسرائيلي استهدف خيام النازحين ومنازل سكنية في مناطق متفرقة من قطاع غزة، وسط استمرار الاحتلال في تصعيده رغم اتفاق وقف إطلاق النار.

وأوضحت وزارة الصحة في غزة أن الحصيلة الأولية بلغت 21 شهيدًا و38 إصابة، ليصل إجمالي الشهداء منذ بدء سريان وقف النار في 11 أكتوبر 2023 إلى 556 شهيدًا و1500 مصاب، مع انتشال 717 جثمانًا.

وأفادت المصادر الميدانية بمستشفى شهداء الأقصى بسقوط شهداء ومصابين إثر قصف خيام النازحين في دير البلح، بينهم طفلة، بينما استهدفت المروحيات والطائرات المسيّرة خيام ومرافق الإسعاف في خان يونس، ما أدى إلى سقوط 3 شهداء إضافيين.

وارتفعت الحصيلة في مدينة غزة، بعد قصف مدفعي استهدف منازل حي التفاح، حيث استشهد 4 فلسطينيين من عائلة “حبوش“، وسيدتان وطفلة في خيمة بمنطقة منتزه المحطة، كما سقط 3 شهداء آخرون في حي الزيتون جنوب شرقي المدينة، وجميعهم في مناطق خارج نطاق سيطرة الاحتلال الإسرائيلية.

من جانبها، أكدت حركة حماس أن تصعيد العدو الإسرائيلي يمثل تخريبًا متعمدًا للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، معتبرة أن هذه العملية امتداد مباشر لحرب الإبادة التي بدأها كيان العدو الإسرائيلي بدعم أمريكي منذ أكتوبر 2023.

وقالت الحركة إن الاحتلال يسعى للتملص من التزامات اتفاق وقف النار وفرض سياسة القتل والحصار على غزة، داعية الوسطاء والدول الضامنة لاتخاذ موقف حازم ضد سلوك نتنياهو الممنهج لاستئناف الإبادة، فيما خلف العدوان السابق نحو 72 ألف شهيد فلسطيني وأكثر من 171 ألف جريح، معظمهم من الأطفال والنساء.