الرئيسية بلوق الصفحة 221

من البحر الأحمر إلى “فوردو”: المهمة المستحيلة لاستعادة الردع الأمريكي الإسرائيلي المفقود

تفاصيل القضاء على 70 جنديا أمريكي وإسرائيلي في اليمن
كان إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن انتهاء الحملة الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران في 24 يونيو 2025، نتيجة طبيعية، ليس لأن تلك الحملة حققت أهدافها في 12 يوما، بل لأنها تحولت بسرعة إلى امتداد لتجربة فاشلة لم يكن قد مر على نهايتها المشابهة سوى أقل من شهرين، وهي الحملة التي أطلقتها إدارة ترامب ضد اليمن في منتصف مارس من العام نفسه بهدف ردع القوات المسلحة اليمنية، واستمرت لخمسين يوما فقط قبل أن ينهيها ترامب بـ”وقف إطلاق نار” لم يكن سوى اعترافا دبلوماسيا بحقيقة انهيار الردع الأمريكي -والإسرائيلي أيضا- أمام اليمن وهي الحقيقة التي كانت واحدة من دوافع الحملة العدوانية ضد إيران، وترسخت بشكل أكبر بعد فشل تلك الحملة.

خلفية: الردع المفقود

بعد أيام من بداية حملة إدارة ترامب ضد اليمن في مارس 2025، قال المحلل العسكري في واشنطن ديفيد دي روش إن: “البحرية الأمريكية بحاجةٍ إلى استعادة كرامتها، فلا يمكن أن يُنظر إليها على أنها مُقيدة بعصابةٍ من الحوثيين الحفاة” (1) ومعنى ذلك أن الولايات المتحدة كانت بحاجة إلى تغيير النتائج الاستراتيجية الكارثية للمعركة التي خاضتها إدارة بايدن مع القوات المسلحة اليمنية، وهي نتائج أشير إليها في مناسبات عديدة بأنها “هزيمة” للولايات المتحدة (2).

هذه المقاربة لا تتجاهل هدف مساندة إسرائيل الذي سعت الولايات المتحدة لتحقيقه من خلال تجديد التدخل العسكري ضد اليمن بعد فشل إدارة بايدن، بل تتضمنه، فلكي تكون الولايات المتحدة قادرة على حماية إسرائيل ومساعدتها، يجب أن تحافظ على “الردع” في المنطقة، وقد كانت إسرائيل أيضا في قلب الصورة نظرا لوجود التزام أمريكي تأريخي بحماية الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر.

ولهذا لم تكن حملة “ترامب” مفاجئة بعد فشل بايدن في وقف العمليات اليمنية المساندة لغزة، فخلال وقف إطلاق النار بغزة في يناير 2025، كانت صنعاء تؤكد جاهزيتها بالفعل للتعامل مع عودة العدوان على القطاع، بما في ذلك استعدادها للاشتباك مع الولايات المتحدة (3).

بحسب مركز مكافحة الإرهاب – التابع للأكاديمية العسكرية الأمريكية (ويست بوينت) – فإنه منذ أن بدأت العمليات اليمنية المساندة لغزة في أكتوبر 2023 كان أمام الولايات المتحدة خمسة خيارات للتعامل مع اليمن “وهذه الخيارات لم تتغير بتغير الإدارة” (4)، وملخص هذه الخيارات كالآتي:

الخيار الأول هو نشر أصول بحرية أمريكية في المنطقة لإسقاط الصواريخ والمسيرات التي تطلقها القوات المسلحة اليمنية، والثاني هو شن ضربات محدودة على اليمن لاستهداف البنى التحتية والأصول العسكرية المستخدمة في العمليات اليمنية (وهذان الخياران اللذين استُخدما من قبل إدارة بايدن)، والثالث هو شن حملة مكثفة على جميع مواقع القوات المسلحة وقياداتها، لتحقيق “ردع” يمنع أي هجمات مستقبلية (الخيار الذي ذهبت إليه إدارة ترامب)، فيما كان الخيار الرابع هو تحريك حملة برية بمشاركة إقليمية ومحلية لإسقاط الحكومة في صنعاء، وأما الخيار الخامس فهو مهاجمة إيران.

من الواضح أن هذه الخيارات رتبت بشكل تصاعدي، وهو ما يعني -من بين عدة أمور- أن اللجوء لخيار ما يأتي بعد فشل الخيارات السابقة في تحقيق نتائج مرضية، وهو ما حدث بالفعل.

بعد مغادرة إدارة بايدن وانتهاء حملة ترامب ضد اليمن، قال قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال مايكل كوريلا للجنة القوات المسلحة بالكونغرس في يونيو 2025 إن “مضيق باب المندب أصبح نقطة الاختناق البحرية الوحيدة في العالم التي تتطلب من الولايات المتحدة عملية عسكرية مدروسة لضمان مرور آمن” (5) وهو ما يعني ببساطة أن الردع الإقليمي الذي تستند إليه حرية انتشار القطع البحرية العسكرية والتجارية الأمريكية في هذه المنطقة قد انتهى وحل محله ما وصفه كوريلا بـ”معضلة” تقتضي “إما التنازل عن هذه المساحة… أو الاستمرار في تقبّل خطر استخدام القوة في كل مرة نعبر فيها هذا المضيق”.

بقاء هذه المعضلة قائمة بعد حملة ترامب ضد اليمن كان يعني أن المجال مفتوح لتلقي المزيد من الضربات، فبعد وقت قصير من تصريحات قائد القيادة المركزية، قال نائب الأدميرال تشارلز ب. كوبر، المرشح لخلافة كوريلا أمام مجلس الشيوخ إن: “الحوثيين ما زالوا قادرين على مهاجمة مصالح الولايات المتحدة وشركائها وتهديدها، بالإضافة إلى قدرتهم على تعطيل حرية الملاحة في المستقبل” حسب تعبيره (6) وأشار إلى أن “الحوثيين هددوا صراحةً بأن ضربات إسرائيل على إيران قد تتوسع لتتحول إلى صراع إقليمي، ملمحين ضمنًا إلى رد انتقامي محتمل ضد المصالح الأمريكية إذا ما لمسوا تدخلًا أمريكيًا نشطًا” في إشارة إلى إعلان القوات المسلحة اليمنية عن استعدادها لاستهداف السفن والبوارج الأمريكية ردا على مشاركة الولايات المتحدة في استهداف إيران.

لقد كان التقييم الواضح لقادة القوات المسلحة الأمريكية في إدارة ترامب هو أن مشكلة فقدان الردع الأمريكي أمام الجبهة اليمنية لم تحل، وأن الخيارات الثلاثة الأولى التي تم تجريبها بالفعل من قبل إدارتين متعاقبتين فشلت تباعا، وهذا ليس أمرا يمكن التعايش معه من وجهة نظر الولايات المتحدة، حيث يقول كوريلا إن المواجهة مع اليمن “صنعت سابقة خطيرة، لأن تكتيكات الحوثيين قدمت نموذجًا لتحدي القوة الأمريكية في أماكن أخرى” وإن “تآكل مبدأ حرية الإبحار في باب المندب قد يُعرِّض للخطر نقاط اختناق استراتيجية أخرى حول العالم، ويهدد وصول الولايات المتحدة إلى الأسواق”(7).

هناك تناولات أقل تحفظا كانت قد وصفت فقدان الردع الأمريكي في مواجهة اليمن بأنه “انتكاسة وجودية للبحرية الأمريكية” (8)، لكننا نركز هنا بشكل أساسي على تقييم كبار القادة الأمريكيين، ليكون واضحا أن الفشل لم يكن مجرد تحليل، بل واقعا لامسته القيادة الأمريكية واعترفت به وإن بكلمات متحفظة لكنها كافية للإشارة بوضوح إلى أن الولايات المتحدة كانت بحاجة ماسة إلى فعل شيء لاستعادة ذلك الردع، أو على الأقل رفع رصيد نقاطها في الصراع، خصوصا في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة والذي له تداعيات ومتطلبات لا تتحمل خيار التعايش مع انهيار الردع في المنطقة.

وقد تشاركت إسرائيل مع الولايات المتحدة في هذا المأزق، حيث فشلت الجولات الإسرائيلية المتكررة من القصف على اليمن في إحداث أي تأثير على موقف أو قدرات أو قرارات القوات المسلحة اليمنية، وهو ما خلق نقاشات غير مسبوقة في إسرائيل حول “مفهوم الردع” نفسه (9)، حتى أن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر نصح بـ “الحذر من استخدام مصطلح الردع” في الحديث عن الجبهة اليمنية (10).

وبرغم أن فقدان الردع الإسرائيلي والأمريكي ضد اليمن كان قد أصبح بالفعل حقيقة ثابتة بعد تجريب عدة خيارات لاستعادته بدون جدوى،  كان هناك خياران متبقيان بعد انتهاء حملة (الراكب الخشن) وهما “العملية البرية” ضد صنعاء و”استهداف إيران”، ولكن الخيار البري تحيط به تعقيدات ومخاطر تجعله ببساطة غير عملي، فلتنفيذ هجوم بري ضد صنعاء تحتاج الولايات المتحدة إلى تنسيق إقليمي واسع يشمل بشكل رئيسي السعودية والإمارات اللتين قد لا تكون لديهما مشكلة من حيث الرغبة، لكن مخاوفهما المتعلقة بالتعرض لهجمات يمنية جديدة أكبر وأكثر حساسية من أن يتم تجاوزها(11) وقد تراجعت السعودية بالفعل وبشكل واضح عن محاولة أقل “عنفا” للانخراط في الجهود الأمريكية للتصعيد ضد صنعاء، عندما أجبرت البنك المركزي في عدن على التراجع عن قراره بشان نقل مراكز البنوك التجارية من صنعاء (12) بعد أن هدد قائد “أنصار الله” السيد عبد الملك الحوثي باستهداف المنشآت الحيوية في المملكة (13).

وهكذا بقي الخيار الخامس وحيدا على طاولة مخططي “استعادة الردع المفقود” في الولايات المتحدة، وهو الهجوم على إيران.

لماذا إيران؟

ليس غريبا على الولايات المتحدة أن تحاول استعادة الردع الذي فقدته في جبهة معينة، من خلال فتح جبهة أخرى، فقد تسببت هزيمة فييتنام بـ”عقدة” استراتيجية ظلت تطارد الولايات المتحدة لسنوات، وكان الحل من وجهة النظر الأمريكية هو شن حرب في الخليج.

والحقيقة أن خيار استهداف إيران تم تقديمه مرات كثيرة كحل حاسم للمشكلة المستعصية في اليمن، فقد هدد ترامب نفسه بـ”محاسبة” الجمهورية الإسلامية، إذا لم تتوقف العمليات البحرية اليمنية (14)، وكأنه يقول: إذا لم ننجح في ردع صنعاء، سنلقي باللوم على إيران ونستهدفها.

وبعد وقف إطلاق النار الذي بات واضحا أن ترامب اضطر إليه في مايو 2025 لإنهاء الحملة غير المجدية ضد اليمن، نصح السيناتور الجمهوري المعروف ليندزي غراهام إسرائيل بأن “الوقت قد حان للتفكير في توجيه ضربة قاصمة لإيران” (15) كحل لمشكلة إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة من اليمن إلى العمق الاسرائيلي.

وقد كان الارتباط بين الفشل في ردع اليمن وخيار استهداف إيران حاضرا في إسرائيل لفترة طويلة حتى قبل فشل حملة ترامب، ففي ديسمبر 2024، نصح رئيس الموساد الإسرائيلي ديفيد برنيع القيادة الإسرائيلية بأن استهداف إيران “من شأنه أن يردع الحوثيين” (16)

التبرير الذي كانت تستند إليه ظاهريا فكرة “ردع اليمن من خلال إيران” هو أن طهران تزود صنعاء بالأسلحة والدعم وكذلك تقوم بالتوجيه واتخاذ القرارات، وهو تبرير غير متماسك، تم دحضه بشكل صريح داخل الولايات المتحدة وخارجها، من خلال تأكيدات على أن استهداف إيران لن يؤثر على موقف صنعاء ولا على العمليات اليمنية المساندة لغزة (17) وكذلك التأكيد على أن صنعاء تمتلك استقلالية واضحة في ترسانتها واتخاذ قراراتها (18) وقد ثبتت صحة ذلك بشكل جلي بعد وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران، حيث عادت القوات المسلحة اليمنية لاستهداف العمق الإسرائيلي بالصواريخ والطائرات المسيرة بنفس الوتيرة، وهو ما اعتبره المعارضون للفكرة داخل إسرائيل شاهدا واضحا على أن الحل لم يكن في إيران (19).

مع ذلك فإن خيار استهداف إيران لاستعادة الردع المفقود أمام اليمن، لم يكن في واقعه مرتبط بذلك التبرير، فمصطلح “رأس الأفعى” الذي كان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس يحب ترديده كتوصيف لإيران، أفصح عن رؤية تعتبر إيران قلب المعسكر المناهض للولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة، وبالتالي فإن الانتصار عليها سوف يكون بالفعل حدثا فارقا، وتغييرا مهما في ميزان القوى في المنطقة بصورة تعزز الهيمنة الجيوسياسية للولايات المتحدة وإسرائيل على معظم المنطقة، وهو ما سيؤدي إلى تعزيز موقفهما القتالي أمام من تبقى من القوى التي لم تردع.

والمسألة لا تتعلق هنا بـ”الصورة” و”إرسال رسالة” إقليمية فقط، فلو هزمت إيران بالفعل، لاستطاعت إسرائيل والولايات المتحدة استثمار ذلك بشكل كبير في تغيير شكل المنطقة بصورة ستحمل تعويضات مهمة لا يمكن إنكارها عن الهزيمة في البحر الأحمر، حتى أن السيد عبد الملك الحوثي نفسه أكد أن خسارة إيران كانت ستخلق بالفعل تداعيات واسعة على الإقليم بالشكل الذي يساعد على تحقيق هدف “تغيير الشرق الأوسط” (20).

وبالتالي فإن ارتباط استهداف إيران بالفشل في اليمن لم يكن يتعلق بقطع “الدعم” الإيراني المزعوم عن صنعاء، بل بإعادة تشكيل مسرح المواجهة الإقليمية، بما يخلق خيارات لم تكن متوفرة بسهولة سابقا، بما في ذلك معالجة عقبات مثل “تردد” بعض دول المنطقة في الاحتشاد مع الولايات المتحدة وإسرائيل ضد اليمن، سواء من خلال الضغوط والتهديد أو من خلال “حماس” بعض هذه الدول للتغيير الإقليمي الجديد، الذي كان سيتضمن بلا شك صفقات تطبيع جديدة.

صحيح أنه لا يمكن الجزم بأن الفشل في ردع اليمن كان السبب الوحيد أو الرئيسي للعدوان على إيران في يونيو 2025، لكن لا يمكن كذلك الادعاء بأن الأمرين منفصلين تماما، فبرغم أن مسألة استهداف إيران كانت دائما حاضرة في المشهد كأمر متوقع حصوله في مرحلة ما، فإن توقيت هذا الاستهداف بعد فشل حملة إدارة ترامب ضد اليمن، لم يكن مصادفة.

لقد علمنا أن خيار استهداف إيران كان مطروحا دائما أمام البيت الأبيض (خلال إدارتي بايدن وترامب) وكذلك أمام المؤسسة الأمنية والدفاعية الإسرائيلية كحل لمشكلة الجبهة اليمنية، وللتعامل مع حقيقة فقدان الردع التي تسببت هذه الجبهة بترسيخها وتذكير الأمريكيين والإسرائيليين بها بشكل مزعج ومستمر.

وبعبارة أخرى: لقد أسهمت صنعاء بشكل مباشر في جعل المخططين الأمريكيين والإسرائيليين يرون-وفقا لتقديراتهم- أنه من الضروري اتخاذ خيار مهاجمة إيران لاستعادة بعض من التوازن الذي اختل بشكل كبير بسبب سيطرة صنعاء على البحر الأحمر وباب المندب، ونجاحها في فرض عقوبات بحرية واسعة وغير مسبوقة تأريخيا على إسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا، وكذلك استهداف العمق الإسرائيلي بشكل متكرر وبنجاح متصاعد.

وسواء كان الانقسام الذي برز بين إسرائيل وإدارة ترامب بشأن وقف إطلاق النار بين صنعاء وواشنطن والشكوى الاسرائيلية من ترك إسرائيل وحيدة (21) مجرد محاولة للتضليل الاستراتيجي، أو واقعا يصعب إخفاءه، فنحن نعلم الآن أن إدارة ترامب واجهت بعد وقف إطلاق النار مع اليمن ضغوطا للعودة إلى مساندة إسرائيل في المنطقة بشكل فعال وعدم تركها بمفردها خصوصا مع تزايد التهديد اليمني (22) وبما أن كل خيارات التعامل مع اليمن، التي كانت متاحة أمام البيت الأبيض وإسرائيل، قد أثبتت فشلها وكان خيار استهداف إيران هو المتبقي، فإنه لا يمكن عزل العدوان على إيران في يونيو 2025 عن هزيمة البحر الأحمر أبدا.

الفشل.. بين الاستراتيجيات والظروف

هناك سؤال مهم قد يطرح في سياق مناقشة الارتباط بين هزيمة البحر الأحمر والعدوان على إيران وهو: إذا كانت استراتيجيات الردع الحاسم والسريع قد فشلت ضد اليمن فلماذا تفكر الولايات المتحدة وإسرائيل بتكرارها ضد طهران الأقوى تسليحا من صنعاء؟

والإجابة على هذا السؤال تكمن في التقديرات الأمريكية والإسرائيلية لأسباب الفشل في ردع اليمن، فقد ألقى مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون اللوم على انعدام المعلومات الاستخباراتية بشأن اليمن سواء بسبب أنه “ساحة جديدة” وأن انخراطه في الصراع كان مفاجئا (23)، أو بسبب حقيقة تقلص التواجد الأمريكي في اليمن بعد إغلاق سفارة الولايات المتحدة بصنعاء والتي كان يُعتمد عليها بشكل كبير لجمع المعلومات وفق ما صرح به مسؤولون أمريكيون (24).

وقد ألقى الإسرائيليون أيضا باللوم أيضا على “صعوبة تحديد أهداف مركزية تؤدي إلى تأثير أوسع في الهجمات” ضد اليمن (25) وقال قائد الأسطول الأمريكي الخامس جورج ويكوف إنه: “من الصعب للغاية العثور على مركز ثقل مركزي واستخدامه كنقطة ردع محتملة” (26).

وبسبب خوف السعودية والإمارات من العودة إلى الاشتباك مع صنعاء، فقد افتقر الأمريكيون إلى أجواء وقواعد إقليمية قريبة لاستخدامها بشكل مباشر ومكثف في العمليات العدوانية ضد اليمن، وهي نقطة تم تحميلها جزء من مسؤولية الفشل.

بالتالي، اعتقد الأمريكيون والإسرائيليون أن الخلل لم يكن في الاستراتيجيات نفسها وإنما في الظروف الخاصة التي تحيط بالجبهة اليمنية، وهي ظروف رأوا أنها سانحة في إيران التي تعتبر ساحة عمل استخباراتي رئيسية للولايات المتحدة وإسرائيل منذ سنوات، كما تضم أهدافا مركزية مهمة (المنشآت النووية). وعلى عكس اليمن، كانت هناك إمكانية لاستخدام الأجواء السورية والعراقية والأردنية بحرية لاستهداف إيران، بالإضافة إلى القواعد البرية القريبة في العراق وقطر.

كل هذا جعل استراتيجيات الردع الأمريكية والإسرائيلية، مثل “التفوق الجوي”، واستهداف القادة (التي يسميها الأمريكيون والإسرائيليون استراتيجية قطع الرؤوس) وضرب الأهداف المركزية، تبدو أكثر قابلية للتطبيق في نظر المخططين الأمريكيين والإسرائيليين ضد إيران.

بالإضافة إلى ذلك، ومن خلال مجريات العدوان على إيران، بدا أن الولايات المتحدة وإسرائيل رأتا أن لديهما ميزة أخرى لم تكن متوفرة في اليمن بالشكل المطلوب، وهي وجود عملاء ميدانيين جاهزين لتنفيذ مهام عسكرية مباشرة قد تساعد على تنفيذ استراتيجية “تغيير النظام”.

ومن خلال اغتيال عدد مهم من القادة، والقدرة على التحرك في الأجواء الإقليمية القريبة بحرية، وتحريك العملاء الميدانيين، وفرت الضربات الافتتاحية للحملة ضد إيران أملا دفع ترامب للتفكير بأن عقدة الردع المفقود قد حلت، وأن بإمكانه مطالبة إيران بـ”الاستسلام غير المشروط” (27) بدون أن يتذكر عدم جدوى تصريحاته بشأن “إبادة الحوثيين” (28)، كما دفعت نشوة البداية نتنياهو لمخاطبة الشعب الإيراني باستغلال الحملة والثورة ضد النظام الإيراني لأن “الطريق صار ممهدا”(29).

تحديد السقف الزمني للحملة ضد إيران بأسبوعين كان هو أيضا دلالة على أن الولايات المتحدة وإسرائيل وثقتا بالقدرة على تحقيق الأهداف المرسومة بدون الانزلاق نحو حرب استنزاف طويلة، وهو أحد المخاطر الرئيسية التي واجهتها الولايات المتحدة في اليمن (30).

سقوط التقديرات واتساع الفشل من البحر الأحمر إلى إيران:

برغم التقديرات الأمريكية والإسرائيلية، فإن نتائج العدوان على إيران أثبتت أن مشكلة فقدان الردع لم تكن تتعلق بالظروف الاستخباراتية والميدانية الخاصة باليمن فقط، فبرغم الوصول إلى عدد من القادة الإيرانيين، لم تضعف استراتيجية “قطع الرؤوس” قدرة إيران على المواجهة الفعالة والتصعيد، كما لم تنجح استراتيجية تحقيق التفوق الجوي بالشكل المطلوب، ولم تصنع فرقا ملموسا فيما يتعلق بإنجاز الأهداف، ولم تنجح محاولة ضرب الأهداف المركزية عمليا، حيث فشلت القنابل الأمريكية الخارقة للتحصينات في تدمير البرنامج النووي الإيراني أو الإضرار به بشكل بالغ، وفقا لتقييم وكالة استخبارات الدفاع التابعة للبنتاغون، وقد قيمت الاستخبارات الإسرائيلية الضرر الذي لحق بمنشأة “فوردو” الإيرانية بأنه “أقل من المتوقع” (30)، وهي المنشأة التي تم التركيز عليها بشكل خاص، وربط مدى تحقق هدف “تدمير المشروع النووي الإيراني” بالقدرة على تدميرها.

وأتى الرهان على إحداث “ثورة” داخلية من خلال العملاء الميدانيين بنتائج عكسية، حيث كان هناك التفاف شعبي واضح حول النظام الإيراني في مواجهة الحملة الأمريكية والإسرائيلية (31).

ومع عدم إنجاز الأهداف الرئيسية، بدأ شبح الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة يحيط بالحملة كلها، كما حدث في اليمن، وكانت النتائج العكسية للعدوان شبيهة بتلك التي أفرزتها الحملات ضد اليمن على عدة مستويات، فعلى مستوى التكاليف كان لدى الإسرائيليين “60 مليار سبب” (32) للخروج من المأزق بسرعة حسب تعبير صحيفة إسرائيلية في إشارة إلى تعاظم الكلفة في وقت قياسي.

وكان للدمار غير المسبوق (33) الذي لحق بالمدن الإسرائيلية نتيجة الصواريخ الإيرانية ضغطا مشابها لذلك الذي واجهته البحرية الأمريكية بسبب الهجمات اليمنية، من حيث فرض ثمن استراتيجي باهظ ومتزايد بشكل خطير لاستمرار العدوان، حيث وقفت إسرائيل أمام حقيقة أنها غير محمية على الإطلاق، وأن استمرار الحرب قد يؤدي إلى ضرب أهداف قاتلة تغير كل شيء، مثلما واجه الأمريكيون في البحر الأحمر، حقيقة أن حاملات الطائرات ليست الأسطورة التي اعتقدوها، وفكروا لأول مرة بسيناريو تعرضها للإغراق (34) (وقد كشف تقرير لصحيفة “كالكاليست” الإسرائيلية أن قرار ترامب باللجوء إلى وقف إطلاق النار مع اليمن في مايو 2025  كان مدفوعا بتأثير ضربة صاروخية يمنية وشيكة كادت أن تصيب حاملة الطائرات (هاري ترومان) في البحر الأحمر بشكل مباشر).

وبدل أن تعوض الولايات المتحدة “الردع” الذي فقدته أساطيلها البحرية من خلال استهداف إيران، واجهت تطورا جديدا تمثل في حقيقة أن قواعدها الاستراتيجية البرية أيضا في المنطقة صارت معرضة لخطر مباشر وغير مسبوق بعد الهجوم الإيراني على قاعدة “العديد” في قطر، وهو ما يعني أن سقف انهيار الردع الإقليمي أصبح أعلى حتى مما كان عليه، فقد سلط الهجوم الإيراني على القاعدة الأكبر للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، الضوء على خطر تعرض قواعد أخرى لهجمات مشابهة من اليمن مثل قاعدة “ليمونيه” في جيبوتي، القاعدة المستدامة الوحيدة للولايات المتحدة في أفريقيا (35) والتي حذر قائد القيادة الأفريقية في الجيش الأمريكي الجنرال مايكل لانجلي في يونيو 2025 من أن “الحوثيون يستطيعون استهدافها إذا قرروا التصعيد ضد الولايات المتحدة”(36).

ومثلما وفر الفشل الأمريكي أمام اليمن بيانات حساسة عن حدود قدرات واستراتيجيات القوة البحرية والجوية الأمريكية (38)، فقد وفرت الحملة الفاشلة ضد إيران الكثير من البيانات المهمة عن الدفاعات الأمريكية والإسرائيلية- التي اختُبرت بشكل غير مسبوق وفشلت بشكل صادم، وتعرضت لاستنزاف كبير (39)– بالإضافة إلى بيانات أساليب الحرب التي يراها المخططون في واشنطن وتل أبيب “حاسمة”، وهو ما يعني أن خوض جولة جديدة من المواجهة أصبح الآن أكثر صعوبة بالنسبة إليهم، إذ بات واضحا بصورة لا شك فيها أن هناك حاجة إلى استراتيجيات وأدوات جديدة، وهو أمر يسهل قوله لكن يصعب تنفيذه.

استراتيجية الخروج: التضحية بـ”الهيمنة” 

لعل من أهم ما يختزل قصة الفشل الأمريكي والإسرائيلي في تغيير نتائج فقدان الردع أمام اليمن عن طريق استهداف إيران، هو استراتيجية الخروج المثيرة للاهتمام التي اعتمدها ترامب والمتمثلة بوقف إطلاق النار فقط.

إن اتفاق وقف إطلاق النار الذي اضطر ترامب لإبرامه مع صنعاء في مايو 2025، والذي يقضي بتوقف الحملة العسكرية الأمريكية ضد اليمن، مقابل توقف الهجمات على السفن الأمريكية، حظي باهتمام كبير باعتباره عودة إلى واقع ما قبل الحملة (40) واعترافا بحقيقة استحالة تحقيق الردع، وحاجة الولايات المتحدة إلى تبني استراتيجيات متحفظة تنقذها من التورط في حروب استنزاف ذات تأثيرات عكسية (41)، حتى ولو على حساب خسارة النفوذ والهيمنة.

وقد أقر نائب الرئيس الأمريكي بالفعل، أن الولايات المتحدة قررت، بعد حملتين فاشلتين ضد اليمن، تغيير استراتيجية نشر القوات البحرية بشكل يضمن عدم التورط في حروب طويلة، معترفا في تصريح غير مسبوق بأن زمن الهيمنة المطلقة على البحار والأجواء انتهى (42).

وبينما كان الأمريكيون والإسرائيليون أكثر تحفظا في الحديث بشكل صريح عن الدروس المستخلصة من الحملة ضد إيران، فإن “وقف إطلاق النار” الذي تم إعلانه بعد 12 يوما فقط، أشار بوضوح إلى إمكانية تطبيق الكثير من الاعترافات والاستنتاجات الأمريكية المتعلقة بالفشل أمام اليمن على الساحة الإيرانية.

ويمكن على سبيل المثال اختيار اعتراف قائد القيادة المركزية الأمريكية مايكل كوريلا أمام الكونغرس في يونيو 2025، والذي جاء فيه:

“إن المنطقة المركزية اليوم ليست كما كانت قبل عامين.. لقد غيّرت أحداث العام الماضي المنطقة بطرق لم يكن أحد ليتوقعها، ونحن نقف على حافة هاوية تطل على مياه مجهولة.. كل الأمور التي كان يتم اعتبارها حقائق بشأن الشرق الأوسط، اختفت فجأة”(42)

خاتمة: الردع الذي لا يزال مفقودا 

في مطلع يوليو 2025، نفذت القوات المسلحة اليمنية هجومين بحريين عنيفين على سفينتي (ماجيك سيز) و(إتيرنتي سي) بسبب انتمائهما إلى أساطيل من السفن التي تزور الموانئ الإسرائيلية، ما أدى إلى غرق السفينتين بشكل كامل، وقد سلط ذلك الضوء بشكل واضح على حقيقة فشل الولايات المتحدة وإسرائيل في ردع صنعاء سواء بشكل مباشر، أو من خلال استهداف إيران.

ولم يظهر هذا الفشل في حقيقة قيام قوات صنعاء بتنفيذ الهجمات فحسب، أو المشاهد الاستثنائية التي وثقت أجواء سيطرة القوات البحرية اليمنية على البحر الأحمر، بل ظهرت أيضا في غياب البحرية الأمريكية عن منطقة العمليات وعن المشهد بأكمله، فبينما تساءل الإعلام الإسرائيلي: “أين البحرية الأمريكية؟” (43) كانت الإجابة من مسؤولين أمريكيين هي أنه طالما لم يتم استهداف سفنا أمريكية فإن وقف إطلاق النار لا يزال ساريا مع صنعاء وأن “القوات البحرية لديها قدرات أقل لمواجهة ترسانة الحوثيين المتطورة بشكل متزايد” (44) وهو ما يعني بوضوح أن إدارة ترامب قد استسلمت لحقيقة فقدان الردع أمام الجبهة اليمنية المساندة لغزة، وليس الأمر أن واشنطن كانت تحترم الاتفاق مع صنعاء، بل أنها لم تعد ترى جدوى لتدخل جديد تحاول فيه السيطرة على الوضع في البحر الأحمر بالأدوات المتاحة، بعد فشل كل المحاولات السابقة.

وبعد استهداف القوات المسلحة اليمنية للسفينة (ماجيك سيز) شنت إسرائيل موجة جديدة من الغارات على محافظة الحديدة، ليأتيها رد سريع بعد أربع ساعات فقط، بعملية واسعة تضمنت إطلاق 3 صواريخ فرط صوتية و8 طائرات مسيرة على مطار اللد (بن غوريون) ومينائي أسدود وأم الرشراش (إيلات) ومحطة الكهرباء في عسقلان، وهو ما أعاد التذكير بحقيقة فقدان الردع الإسرائيلي أمام اليمن، وفشل خيار استهداف إيران في استعادة ذلك الردع. وقد كتب داني سيترينوفيتش، المسوؤل السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية والباحث في معهد الأمن القومي بتل أبيب، وقتها أن: “استهداف رأس الأفعى لم يجد نفعا”(45) في إشارة واضحة إلى توصيف وزير الدفاع الإسرائيلي لإيران.

ولم يتوقف انكشاف حقيقة ضياع الردع الأمريكي والإسرائيلي عند هذا الحد، فبعد إغراق السفينتين، طلبت إسرائيل من الولايات المتحدة العودة إلى استهداف اليمن بشكل مكثف، وعرضت هذه المرة إنشاء تحالف واسع للتعامل مع المشكلة اليمنية التي قالت إنها “لا يجب أن تظل مشكلة لإسرائيل فقط” (46)، لكن الموقف الأمريكي لم يتغير، وكان هناك يأس واضح داخل إسرائيل من استجابة الولايات المتحدة للطلب بعد خسائر الحملة الأخيرة التي كانت واشنطن سعيدة بوقفها (47).

وعلق سيترينوفيتش وقتها قائلا: “هذا وضع معقد يرجع أساسًا إلى عدم القدرة على خلق معادلة ردع ضد الحوثيين” (48).

وقد اجتهدت مراكز الأبحاث الأمريكية والإسرائيلية طيلة الفترة الماضية في البحث عن طريقة لخلق هذه المعادة المستعصية، لكن النتائج ظلت تتمحور حول نفس الخيارات المطروحة سلفا، فمقترحات فتح الجبهات البرية المحلية أو توظيف المليشيات اليمنية التابعة للتحالف السعودي الإماراتي لتشديد الحصار على موانئ الحديدة ضمن شراكات إقليمية ودولية، لم تقدم أي آلية تضمن نجاح أو استمرارية هذه الإجراءات في ظل تماسك قوة الردع التي تمتلكها صنعاء وتزايد فاعليتها، مقابل تفكك التحالف السعودي الإماراتي، وانخفاض احتمالية تورط الولايات المتحدة بسقف عال بعد النتائج الفاضحة لتجارب العامين الماضيين.

وأما الاستراتيجيات التي اقتُرحت في إسرائيل للسيطرة على البحر الأحمر وربط مصالح المنطقة فيه بالعقيدة الأمنية الإسرائيلية (49)، عن طريق عدة خطوات من بينها الاعتراف بإقليم أرض الصومال، فلا تزال مجرد طموحات عالية المخاطر، فقد قوبلت خطوة الاعتراف بإعلان يمني تاريخي بأن أي تواجد إسرائيلي في الإقليم الصومالي سيكون هدفا مشروعا (50)، وفيما يقول الإسرائيليون إنهم يريدون “تحسين” خيارات التعامل مع الجبهة اليمنية من خلال التواجد بالقرب من اليمن، فإنهم يتجاهلون أن ذلك “يحسن” بالمثل خيارات صنعاء للتعامل معهم.

وعلى أية حال فإن كل الخطط والمقترحات التي تتم مناقشتها داخل الولايات المتحدة وإسرائيل، لا تزال أدنى بكثير من سقف “الردع” الذي كان يفترض تحقيقه من خلال الحملات الأمريكية والإسرائيلية خلال العامين الماضيين، بما في ذلك الحملة ضد إيران، ويمكن القول إن السقف الحالي الآن هو تحسين فرص المواجهة، وضمان البقاء فيها، على أمل إبقاء صنعاء تحت الضغط ومنعها من أن تجني مكاسب أكبر في مستقبل الصراع، والحفاظ على حلم استعادة الردع المفقود يوما ما.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ضرار الطيب

كيف تخطط السعودية لاستثمار مكاسب “الانسحاب الإماراتي” ضد صنعاء؟

بن زايد وبن سلمان

ما بين المصالح الخاصة والأولويات الأمريكية:

المواجهة التي انفجرت مع نهاية العام المنصرم بسبب سيطرة مليشيات المجلس الانتقالي التابعة للإمارات على حضرموت والمهرة، دفعت الصراع القائم منذ سنوات على النفوذ بين السعودية والإمارات إلى ذروة غير مسبوقة تجاوزت إطار المصالح المتنازع عليها في اليمن، فالهجوم المباشر والصريح الذي شنته وزارة الخارجية السعودية على الإمارات بعد قصف آليات عسكرية إماراتية في ميناء المكلا، وإعطاء مهلة مدتها 24 ساعة فقط لسحب القوات الإماراتية من اليمن، وما رافق ذلك من حملة إعلامية سعودية ضد أبو ظبي، وإجراءات لتقليص نفوذها اليمن.. كل ذلك كان انفجارا كبيرا رسم صورة لقطيعة وصل إليها الجانبان بعد تراكمات كان اليمن هو الميدان الأبرز لها لكنه لم يكن الميدان الوحيد، فقد تم ربط التصعيد الأخير بتطورات الصراع بين الطرفين في السودان أيضا.

هذه القطيعة لم تصل بعد إلى عداء رسمي معلن واستهداف متبادل على نطاق واسع، لكنها قد أسقطت بوضوح الصورة التي كانت ترسم حالة “شراكة” متكافئة وثيقة بين الطرفين، حيث شكل طرد الإمارات من “التحالف” دليلا بينا على أن السعودية تريد أن ترسم لنفسها مسارا مستقلا يجعلها هي القوة الأكثر تأثيرا والأقوى نفوذا في المنطقة، وأنها لا تحتاج البقاء تحت مظلة تلك الشراكة الوهمية التي ترى أنها تهدد طموحاتها.

لم تر السعودية في سيطرة المليشيات الموالية للإمارات تحديا لنفوذها في اليمن فحسب بل صعودا إقليميا لأبوظبي على حساب الرياض، فجهود الإمارات لصناعة “دولة جنوبية” خاضعة بالكامل لنفوذها في اليمن، يتم فرضها كواجهة لتنفيذ المهمة الرئيسية التي فشلت قيادة السعودية لـ”التحالف” في إنجازها، والمتمثلة في مواجهة صنعاء، جعلت الرياض بين خيارين: إما القبول بالواقع الجديد والذي يضاعف مكاسب الإمارات الإقليمية ويجعلها مؤثرة في ساحة لطالما اعتبرت المملكة أنها “تابعة” لها، أو خوض اشتباك لقلب الموازين، وقد اختارت الأمر الثاني.

من الواضح أن الموقف الأمريكي ساهم بشكل رئيسي في الوصول إلى هذه النقطة، فقد كان من الواضح منذ البداية أن الأولوية التي لا تسمح الولايات المتحدة للطرفين بتجاوزها في الصراع هي مواجهة صنعاء وتعزيز موقف الجبهة الأمريكية الإسرائيلية ضد اليمن، وقد تعاملت الإمارات مع هذه الأولوية بشكل مباشر من خلال العروض المعلنة للتصعيد ضد صنعاء وإقامة علاقات بين الانتقالي وإسرائيل مقابل تثبيت سيطرة الإمارات على جنوب وشرق اليمن ضمن مشروع “الانفصال”.

تحدثت مصادر إعلامية تابعة لوكلاء السعودية أن الولايات المتحدة منحت الإمارات ضوءا أخضر غير معلن لدفع مليشياتها نحو السيطرة على حضرموت والمهرة لأن ذلك يدفع نحو مواجهة صنعاء وتعزيز موقف إسرائيل التي رأت بشكل واضح أن السيطرة الإماراتية على جنوب وشرق اليمن تقدم لها “فرصا واعدة” و”ذهبية” عملياتية واستراتيجية، ولكن نظرا لحساسية الأمر تجنبت الولايات المتحدة إبداء أي اصطفاف واضح مع أي طرف، وحرصت على عدم إظهار أي مؤشر يقلق السعودية.

حتى وإن كانت هذه المعلومات غير مؤكدة تماما، فإن التصريحات الرسمية لنائب وزير خارجية الحكومة العميلة للسعودية مصطفى نعمان بشأن الموقف الأمريكي عززت بشكل ما هذا التصور، حيث أشار نعمان إلى أن الاتصالات مع الولايات المتحدة أظهرت اقتصار التركيز الأمريكي على أولوية مواجهة صنعاء وإضعاف قدرتها على استهداف إسرائيل فقط، ولا يعني ذلك بالضرورة أن واشنطن قدمت دعما للإمارات، لكن يبدو بوضوح أنها تركت مساحة للإمارات للتحرك وفرض مشروعها، وهي مساحة كانت مفتوحة بالمثل للسعودية للرد على هذا التحرك، ومن الواضح أن الرياض أدركت ذلك بوضوح، واتجهت نحو إجراءات تصعيدية “حاسمة” ضد الإمارات، لقطع الطريق أمامها بشكل نهائي.

يقول جان بيير فيليو، الأستاذ في معهد العلوم السياسية في باريس، في تعليق على تطورات اليمن إن “ترامب ترك الشرق الأوسط ساحة للمنافسة الشرسة بين المفترسين، بمن فيهم حلفاؤه”.

ويرى مارك لينش، أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، أن اكتفاء إدارة ترامب بمراقبة الصراع السعودي الإماراتي في اليمن من بعيد يمثل “مقامرة متهورة تُسرِّع الصراعات الإقليمية وتدفع النظام الجديد في اتجاهات غير متوقعة”.

لكن الأمر ليس عشوائيا كما قد يبدو، بل يمكن القول إن الموقف الأمريكي قدم لكل من السعودية والإمارات صفقة مفادها أن من يستطيع فرض نفوذه في اليمن فليفعل، ولكن بشرط ألا تذهب الأمور نحو معركة استنزاف تقوض مسار مواجهة صنعاء وتصنع أزمة للولايات المتحدة.

ولعل إدارة ترامب لم تعول على المشروع الإماراتي بقدر ما رغبت في استفزاز السعودية وإخراجها من حالة الجمود و”التردد” فيما يتعلق بالملف اليمني، فنجاح الإمارات في فرض نفوذها كان يتوقف في الأساس على إقناع السعودية بقبول الواقع الجديد ضمن إطار التحالف، وبمجرد ان اختارت الرياض المواجهة، كان الخيارات أمام أبو ظبي هي: استمرار القتال من أجل النفوذ فقط بدون قدرة على الحسم، أو الانسحاب.

وبما أن هناك إجماع أمريكي وغربي على أن استمرار القتال سيصب في مصلحة صنعاء، كما أن نائب وزير خارجية الحكومة الموالية للسعودية قد صرح بوضوح بأن الولايات المتحدة ركزت في اتصالاتها على أولوية مواجهة صنعاء وإضعافه، فقد كان لدى الرياض العديد من نقاط القوة التي لا تمتلكها أبو ظبي. على عكس الأخيرة التي أرادت صناعة واقع جيوسياسي جديد تماما يصعب على الأطراف الإقليمية والدولية دعمه والتضحية بالعلاقات مع المملكة من أجله، كانت السعودية تتحرك تحت عنوان استعادة “وضع طبيعي” قائم -إن جاز التعبير- ويحظى بدعم مسبق، وهو أمر يعتبر الاصطفاف معه أمرا “روتينيا” على المستوى الإقليمي والدولي، وبالتالي، عندما قررت السعودية المواجهة فقدت الإمارات حتى ميزة “الاندفاع” لمواجهة صنعاء، لأنها لن تستطيع أن تخوض تلك المواجهة خارج إطار التحالف مع السعودية.

هذا لا يعني بالطبع أن الحفاظ على حكومة العليمي أو “الوحدة” كان من الأهداف الأساسية التي حركت السعودية نحو التصعيد ضد الإمارات، فالرياض اندفعت للتحرك لأنها ترى نفسها أحق من أبو ظبي بالنفوذ، وأنها تمتلك أولوية جيوسياسية واضحة لتكون هي “الوصي” على اليمن، موحدا أو مقسما، وقائدة جبهة مواجهة صنعاء، وهذا ما عكسه بشكل جلي أحاديث السعوديين المستفيضة عن كون المملكة هي الطرف الأقوى تأثيرا عبر التأريخ في اليمن، وأن اليمن هو امتداد للأمن القومي السعودي، وهي تعبيرات تلطف حقيقة اعتقاد المملكة بأن اليمن يمثل “حديقة خلفية” لها.

استثمار “المكاسب”:

لقد كان تأثير مسألة مواجهة صنعاء على مجريات هذه الجولة من الصراع واضحا وأساسيا منذ البداية إلى النهاية، فقد روج الإماراتيون أن مشروعهم هو ما سيخلق جبهة قوية ضد صنعاء بهدف كسب الدعم الأمريكي وإحراج السعودية، وقد ردت عليهم السعودية بأن ما يفعلونه “يخدم العدو” – حسب تعبير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي- في إشارة إلى صنعاء.

واليوم بعد أن كسبت السعودية جولة الصراع، تبرز مسألة مواجهة صنعاء على واجهة المشهد الجديد باعتبارها “المرحلة التالية” الحتمية، لأن السعودية لا تستطيع أن تحافظ على “مكاسبها” الجديدة لفترة طويلة بدون أن تتعامل مع صنعاء، ولأن هذه المواجهة لا تزال هي الأولوية الأمريكية التي لا تستطيع الرياض تجاوزها.

مع انهيار مليشيا “الانتقالي” بدأت الرياض تحركات تهدف لـ”توحيد صفوف” جميع الأذرع المحلية لما كان يعرف بـ”التحالف” تحت قيادتها، وقد أجبرت “الانتقالي” على حل نفسه حتى لا تترك أي فجوات محتملة، بل ونصبت نفسها “راعيا” للقضية الجنوبية، من خلال استضافة “مؤتمر جنوبي-جنوبي” يفترض به أن يخرج بحل يحقق تطلعات ما بات المسؤولون السعوديون يصفونه بـ”شعب الجنوب”.

ومن خلال هذه التحركات تسعى الرياض بشكل معلن لاستثمار مكاسب انسحاب الإمارات في إطار المواجهة مع صنعاء، فقد قال وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان إن مخرجات المؤتمر الذي ستستضيفه الرياض سيتم طرحها “على طاولة الحل السياسي الشامل في اليمن” وهو ما يشير بوضوح إلى محاولة فرض مسارات واشتراطات جديدة مسبقة لمفاوضات السلام مع صنعاء.

أن التحليلات الأمريكية التي حذرت من تداعيات استمرار الصراع بين السعودية والإمارات على مصالح الولايات المتحدة وعلى مسار المواجهة مع صنعاء خلال الفترة الماضية، اقترحت أن تعمل الولايات المتحدة على “خارطة سلام منقحة” تعالج عدة أمور من بينها التهديد الذي تشكله صنعاء على المصالح الأمريكية والإسرائيلية، وخصوصا فيما يتعلق بملف البحر الأحمر، وهو أمر كانت واشنطن تحاول أن تدفع نحوه خلال الفترة الماضية من خلال جعل توقيع خارطة الطريق التي توصلت إليها صنعاء والرياض سابقا مرهونا بوقف العمليات اليمنية المساندة لغزة وهجمات البحر الأحمر تماما.

هذه “الخارطة المنقحة” هي على الأرجح ما تعمل عليه السعودية الآن، وبرغم أنه ليس من الواضح بعد ما إذا كانت مخرجات المؤتمر السعودي ستقتصر على ملف “القضية الجنوبية” أم ستتجاوزها، إلا أنه يمكن بسهولة التنبؤ بأن تلك المخرجات ستكرس أولا رؤية السعودية للوضع في اليمن باعتباره “حرب أهلية داخلية” وباعتبار أن الرياض “وسيط سلام” وليس طرف وهي الرؤية التي تجتهد المملكة منذ سنوات لفرضها كإطار عام للحل الشامل في اليمن سواء في سياق المفاوضات مع صنعاء، أو في سياق التعامل مع الصراعات داخل معسكر التحالف، كما هو الحال اليوم.

من الواضح طبعا أن هذه الرؤية تهدف في الأساس للتنصل عن التزامات السعودية لتحقيق الحل الشامل والتي حددتها صنعا بـ: معالجة الملفات الانسانية، ورفع الحصار بشكل كامل ومعالجة الملف الاقتصادي، والانسحاب من اليمن، وتعويض أضرار الحرب، أما الحل السياسي اليمني الذي يتضمن معالجة القضية الجنوبية، فتشترط صنعاء أن يتم لاحقا بعد إنهاء التدخل الخارجي، ومن المتوقع أن تنطوي مخرجات المؤتمر السعودية على أمور تقوض الكثير من هذه الالتزامات سواء بشكل عام أو تفصيلي، بشكل يضمن مصالح السعودية والولايات المتحدة القائمة على تقويض مشروع الاستقلال الذي تمثله مطالب صنعاء.

لقد أعلن المبعوث الأممي بالفعل دعمه للمؤتمر الذي دعت إليه السعودية، وهو ما يعني أن الرياض ستسوق مخرجات المؤتمر كمرجعية سلام مدعومة أمميا ودوليا، بهدف الضغط على صنعاء.

وبما أن إجبار صنعاء على القبول بـ”الخارطة الجديدة” أمر صعب، وقد يقود إلى انفجار، فمن المتوقع أيضا أن تحاول السعودية في الوقت الحالي استمرار “طمأنة” صنعاء بعدم وجود نوايا للذهاب نحو التصعيد، لكن مع الحفاظ على حالة الـ”لا حرب ولا سلام”، وذلك من أجل كسب الوقت والاستفادة من مساحة مناورة تتيح صناعة وتحين الفرص لتكريس مضامين الخارطة الجديدة الجديدة تدريجيا كأمر واقع وكغطاء لمواصلة ابتزاز صنعاء وفتح مسارات ضغط إضافية ضدها… وكذلك من أجل الاستعداد للتصعيد.

ويبدو أن السعودية قد بدأت فعلا بتبني لهجة تصعيدية ضد صنعاء، وإن بشكل غير مباشر، فعلى مدى سنوات نوقشت مسألة توحيد المرتزقة تحت قيادة واحدة، باعتبارها خطوة أساسية لمواجهة صنعاء ومعالجة الفشل في ردعها، والآن أعلن رشاد العليمي عن تشكيل لجنة عسكرية عليا تقود جميع التشكيلات من أجل استعادة “مؤسسات الدولة” التي تسيطر عليها صنعاء “سلما أو حربا” حسب تعبيره، ويقول الإعلام السعودي إن المملكة ستوفر الدعم المطلوب لهذه اللجنة بهدف “الاستعداد للمرحلة القادمة” في حال فشلت “الحلول السلمية”، وهو ما يشير إلى أن الرياض ترى نفسها الآن في وضع ميداني أفضل مما كانت عليه للتهديد أو التفكير بتصعيد بري ضد القوات المسلحة اليمنية، أو لتحسين خيارات التعاون مع أطراف أخرى لاستهداف صنعاء، خصوصا في ظل وجود إسرائيل كشريك مندفع للقتال ويسعى للتواجد على مسافة قريبة، في إقليم أرض الصومال، من أجل توفير خيارات عملياتية أفضل ضد اليمن.

وقبل جولة الصراع الأخيرة بين السعودية والإمارات في الين كانت الرياض قد انخرطت بالفعل في تحضيرات تصعيدية ضد صنعاء تتعلق بتشديد الحصار على موانئ الحديدة خلف واجهة المليشيات المحلية، وتحت غطاء دولي عنوانه “مكافحة التهريب” وهو مسار قد تتشجع السعودية الآن بشكل أكبر على مواصلته، لأنها سترى بالتأكيد انسحاب الإمارات كفرصة ذهبية لتحقيق طموحات السيطرة على البحر الأحمر ومنطقة باب المندب وخليج عدن.

موقف صنعاء:

في أول تعليقات رسمية تربط بين تطورات الصراع السعودي الإماراتي وملف السلام، قال كبير مفاوضي صنعاء وناطق “أنصار الله” محمد عبد السلام :”إن انتهاء التحالف وبقاء السعودية وحدها في الواجهة يمثل متغيرا بارزا يثبت فشل الرهان على استمرار العدوان والحصار وأنه لن يكون هناك إلا المزيد من الخسائر، لذا فإنه لمن يعقل ويدرك فثمة فرصة في العام الجديد لمعالجة مختلف الملفات نتيجة العدوان السعودي الأمريكي الذي تعرض له اليمن خلال السنوات الماضية” مشيرا إلى ضرورة رفع الحصار عن مطار صنعاء.

وكتب عضو الوفد المفاوض عبد الملك العجري أن “اي من دول الجوار لا يمكن أن تقود حلا أو ساطة وهي منخرطة في الصراع كطرف، والقوى اليمنية التي لازالت تبحث عن الحل في عواصم خارج اليمن لن تجده”.

هذه التعليقات جاءت كتذكير واضح للسعودية بأن التزامات السلام الأساسية لن تتغير، وأن ضرورة إنجازها تزداد مع مرور الوقت، وهو تذكير يعكس إدراكا لحقيقة أن السعودية قد تسعى للابتعاد أكثر عن تلك الالتزامات بسبب سوء تقديرها للتطورات الأخيرة.

ومن المتوقع أن يكون لصنعاء موقف معلن تجاه أي تعديلات تحاول السعودية فرضها على مسار السلام في اليمن تحت غطاء مخرجات المؤتمر السعودي بشأن القضية الجنوبية، وكذلك تجاه أي تهديدات بالتصعيد، وهو موقف سيتضمن على الأرجح رسائل تحذير صارمة تؤكد الاستعداد التعامل بحزم مع أي تهديدات، واعتبارها جزءا من المواجهة مع العدو الاسرائيلي، ما سيضع السعودية أمام اختبار سيكشف المزيد عن درجة ميلها نحو خيار التصعيد ومدى إدراكها لخطورة تداعياته.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ضرار الطيب

الرئيس المشاط معزيًا بوفاة علي سالم البيض: من رموز النضال ضد الاستعمار ومن مهندسي الوحدة اليمنية

بعث فخامة المشير الركن مهدي المشاط، رئيس المجلس السياسي الأعلى، برقية عزاء ومواساة في وفاة الرئيس الأسبق علي سالم البيض، نائب رئيس الجمهورية اليمنية الأسبق، الذي وافاه الأجل في العاصمة الإماراتية أبوظبي عن عمر ناهز التسعين عامًا، بعد حياة حافلة بالعطاء السياسي والنضالي.

وأشاد فخامة الرئيس في البرقية بالمواقف الوطنية الخالدة للفقيد، مؤكدًا أنه كان من الرموز البارزة في معركة التحرر الوطني ضد الاحتلال البريطاني في جنوب الوطن، حيث كان له دور مشرف في تحقيق الاستقلال الوطني في 30 نوفمبر المجيد، وكان جزءًا من جيل القادة الذين دافعوا عن سيادة اليمن وكرامته في مرحلة مصيرية من تاريخه.

ونوّه الرئيس المشاط بالدور المحوري الذي اضطلع به الرئيس البيض في تحقيق الوحدة اليمنية التاريخية في الـ22 من مايو 1990م، والتي اعتبرها محطة وطنية مفصلية ستظل خالدة في ذاكرة اليمنيين، مؤكداً أن جهود البيض في ذلك الوقت كانت تعبيرًا عن تطلعات الشعب اليمني شمالاً وجنوباً بوطن موحد حرّ مستقل.

وعبّر رئيس المجلس السياسي الأعلى عن خالص تعازيه وعظيم مواساته إلى أبناء الفقيد وأفراد أسرته كافة، مشيدًا بسيرته النضالية والسياسية، ومؤكداً أن اليمن لا ينسى رجاله الأوفياء في معارك التحرير والوحدة.

وختم فخامته البرقية بالدعاء للفقيد بالرحمة والمغفرة، وأن يسكنه الله فسيح جناته، وأن يُلهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.

“إنا لله وإنا إليه راجعون.”

الشيخ نعيم قاسم: وزير الخارجية لا يمثل الدبلوماسية اللبنانية ويتماهى مع العدو الإسرائيلي

في موقف لافت يعكس عمق الانقسام داخل القرار السياسي اللبناني، شنّ نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم هجومًا حادًا على وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، متهمًا إياه بالانفصال عن الموقف الرسمي الوطني، والتماهي العلني مع الخطاب الإسرائيلي، ما يشكّل خطرًا مباشرًا على السيادة اللبنانية ووحدة القرار الخارجي للدولة.

وفي كلمة له اليوم السبت، أكد قاسم أن لبنان يعيش فعليًا فراغًا على مستوى الخارجية، لأن الوزير الحالي – حسب تعبيره – لا يمثل لا الحكومة، ولا الشعب، ولا روح الدستور، بل ينطق بما يملى عليه من جهات تتبنى التفسير الإسرائيلي للاتفاقات الدولية، وتمنح العدو المبررات السياسية لاستهداف الأراضي اللبنانية.

وقال مستنكرًا: “ما عنا وزير خارجية.. ما بعرف وزير لمين؟ وزير للبنان أو لإسرائيل؟”، في إشارة إلى تصريح الوزير الأخير الذي أقرّ فيه صراحة بحق العدو في مواصلة اعتداءاته ما لم يُحصر سلاح المقاومة، وهو ما اعتبره قاسم تحريضًا داخليًا فتنويًا يخدم مشاريع تفكيك الدولة لا بنائها.

وفي معرض حديثه عن خطورة هذا الخطاب، حذر قاسم من أن الوزير الحالي لا يعمل فقط ضد المعادلة الوطنية الجامعة للسيادة والتحرير، بل يُستخدم لإعادة طرح مشاريع الفتنة والفوضى عبر الزج بالجيش في مواجهة شعبه، وفتح البلاد أمام تدخلات خارجية مشروطة بأجندات أمريكية – صهيونية، تستهدف بيئة المقاومة في الجنوب والضاحية والبقاع.

وشدد قاسم على أن هذا الانحراف الخطير في الأداء الدبلوماسي يجب أن يُعالج فورًا، سواء بتغيير الوزير، أو إلزامه ببيان الحكومة، أو منعه من التعبير عن مواقف شخصية تتعارض مع الثوابت الوطنية. مؤكداً أن استمرار هذا الوضع هو أحد الأسباب الجوهرية في تآكل هيبة الدولة وتراجع أدائها.

في سياق متصل، أعاد قاسم التأكيد على أن لبنان يواجه ثلاثة عناوين رئيسية في هذه المرحلة: العدوان، الفساد، والتبعية، محذرًا من أن الاستقرار الداخلي لا يمكن أن يُفصل عن الصراع الإقليمي، وأن المساس بوحدة اللبنانيين أو تجاهل دور المقاومة يشكل تهديدًا استراتيجيًا لمستقبل الوطن.

وفيما يتعلق بملف بناء الدولة، شدد قاسم على أن أي نقاش حول مستقبل سلاح المقاومة يجب أن يُبنى على قاعدة تحقيق السيادة الكاملة أولًا، ورفض الإملاءات الخارجية، معتبرًا أن التحرير هو الشرط الأول للدولة، لا العكس. واستشهد بالبيان الوزاري وخطاب القسم الرئاسي اللذين أكدا أن أولوية الدولة اللبنانية هي الدفاع عن الأرض وردع العدوان الإسرائيلي المتكرر.

وتأتي هذه التصريحات في ظل تواصل الاعتداءات الصهيونية اليومية على جنوب لبنان منذ ما بعد وقف إطلاق النار أواخر نوفمبر 2024، حيث لم تكتف “إسرائيل” بقتل المدنيين وتدمير البنية التحتية، بل لا تزال تحتل مناطق لبنانية بالكامل، في خرق سافر لكل المواثيق الدولية، وسط صمت رسمي دولي وتواطؤ واضح من بعض الداخل اللبناني.

خارجية صنعاء ترد بسخرية على قرار مجلس الأمن: عملياتنا رد مشروع على جرائم غزة وليس تهديدًا للملاحة الدولية

باب المندب يدخل قلب المواجهة.. إعلام العدو: صنعاء تنفّذ ما كانت تخشاه تل أبيب

سخرت وزارة الخارجية في صنعاء من القرار الأخير الذي أصدره مجلس الأمن الدولي رقم 2812 لعام 2026، والذي ينص على تقديم تقارير شهرية من الأمين العام للأمم المتحدة بشأن الهجمات المزعومة على السفن التجارية في البحر الأحمر، ووصفت القرار بأنه يعكس الارتهان الكامل لإرادة الولايات المتحدة وأدواتها في المجلس، ومحاولة فاشلة لتشويه الدور اليمني المشرّف في دعم فلسطين ومقاومة المشروع الصهيوني.

وفي بيان رسمي أوضحت الخارجية أن صنعاء استخدمت ورقة البحر الأحمر في سياق مشروع وواضح يرتبط بشكل مباشر بوقف العدوان الصهيوني على غزة، مشيرة إلى أن العمليات البحرية اليمنية توقفت فور التوصل إلى اتفاق لوقف العدوان، في دلالة صريحة على أن اليمن لا يستهدف الملاحة الدولية بشكل عبثي، بل يمارس حقه في الضغط السياسي والميداني دفاعًا عن القضية الفلسطينية ورفضًا للإبادة الجماعية التي يمارسها كيان الاحتلال.

وأكد البيان أن صنعاء لم ولن تكون تهديدًا للممرات الملاحية الدولية كما تروّج الروايات الأمريكية والإسرائيلية وحلفاؤهم في الغرب، موضحًا أن كل عمليات الإسناد السابقة كانت مرتبطة بالعدوان على غزة، ولم تكن يومًا خارج سياق الصراع العادل مع الكيان الصهيوني.

وثمّنت وزارة الخارجية موقف كل من روسيا والصين في مجلس الأمن، ورفضهما الانخراط في ما وصفته بـ”القرارات المسيسة التي تتجاهل الواقع وتكرّس سياسة الكيل بمكيالين”، مؤكدة أن التاريخ سيسجل هذا الموقف المتوازن في وجه الهيمنة الغربية التي تستخدم مجلس الأمن كأداة لتمرير أجنداتها الاستعمارية.

وفي لهجة حادة، وجّهت الخارجية اليمنية انتقادًا لاذعًا للمجلس، معتبرة أن الأجدر به إصدار قرارات تضع حدًا للعربدة الأمريكية في العالم، بدلًا من ملاحقة من يقف في وجه الاحتلال الصهيوني. وسلّطت الضوء على العدوان الأمريكي على فنزويلا، والتهديدات المتكررة للجمهورية الإسلامية الإيرانية والدنمارك، معتبرة أن مجلس الأمن فقد مصداقيته، وتحول إلى منصة تسويقية لسياسات واشنطن وحلفائها، لا صرحًا دوليًا لحفظ السلم والأمن كما يفترض أن يكون.

واختتم البيان بالتأكيد على حرص الجمهورية اليمنية على أمن وسلامة الملاحة الدولية في البحر الأحمر، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن أمن الملاحة لا يمكن أن يُستعاد طالما بقيت فلسطين تحت النار، وغزة تحت الحصار، ومجلس الأمن صامتًا عن الجرائم الحقيقية التي تُرتكب بحق الأبرياء.

قصف سعودي متجدد يستهدف المدنيين على الحدود

قصف سعودي متجدد يستهدف المدنيين على الحدود

في انتهاك جديد يضاف إلى سجل الجرائم المستمرة لتحالف العدوان، شنت القوات السعودية، خلال الساعات الماضية، قصفًا عنيفًا استهدف مناطق متفرقة من محافظة صعدة الحدودية شمالي اليمن، ما أسفر عن إصابة خمسة مواطنين يمنيين ومهاجر أفريقي بجروح متفاوتة، في تصعيد عدواني يؤكد نية الرياض تقويض أي مسار تهدئة حقيقي.

ووفق مصادر محلية في صعدة، تركز القصف المدفعي والصاروخي على المديريات الحدودية، حيث تنتشر التجمعات السكانية والمزارع، ما يعكس الطبيعة العشوائية والانتقامية للهجمات التي تستهدف المدنيين بشكل ممنهج.

ويأتي هذا التصعيد في وقت تتزايد فيه المؤشرات على تحركات أمريكية – إسرائيلية محمومة لدفع الرياض نحو التصعيد ضد اليمن، في إطار محاولات فاشلة لردع الموقف اليمني الثابت والمشرّف في دعم غزة سياسيًا وعسكريًا، وكسر زخم التأييد الشعبي والعربي المتصاعد لمحور المقاومة.

هذا العدوان السعودي، الذي يتكرر يوميًا في المناطق الحدودية، لم يتوقف رغم كل أحاديث التهدئة والوساطات، ما يعكس أن القرار السياسي والعسكري الحقيقي ما يزال بيد واشنطن وتل أبيب، وأن النظام السعودي لا يعدو كونه منفذًا لأجندات أسياده في المنطقة، على حساب دماء اليمنيين وأمنهم.

وتحذر مصادر سياسية في صنعاء من أن هذا التصعيد المتكرر قد يدفع بالميدان نحو رد مزلزل يعيد رسم معادلات الاشتباك على الحدود وأكثر، مؤكدة أن الصمت على هذه الجرائم لن يطول، وأن حسابات الرد ليست بعيدة عن طاولة القيادة اليمنية.

ويُعد استهداف المدنيين في صعدة واحدًا من أكثر ملفات الحرب اليمنية توثيقًا في تقارير المنظمات الحقوقية الدولية، حيث سقط آلاف الضحايا منذ بدء العدوان في مارس 2015، وسط صمت دولي مخزٍ، وتواطؤ من الهيئات الأممية المعنية، وهو ما يجعل من هذه الجرائم وصمة عار في جبين “المجتمع الدولي” الذي يتشدق بالإنسانية متى شاء ويصمت متى خدم مصالحه.

بن لزرق يكشف: مليارات من ثروات اليمن تُنهب من عدن لحساب كيانات التحالف وتُهرّب إلى الخارج

في فضيحة جديدة تؤكد حجم النهب الممنهج الذي تتعرض له الموارد اليمنية تحت الاحتلال وأدواته، كشف الصحافي اليمني فتحي بن لزرق عن تفاصيل عمليات استنزاف مالي ضخمة تُمارَس منذ سنوات في المحافظات الجنوبية، وتحديدًا في مدينة عدن الخاضعة لسيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، وسط تواطؤ فاضح من الحكومة الموالية للتحالف السعودي.

وبحسب المعلومات التي نشرها بن لزرق، فإن المجلس الانتقالي كان يفرض جبايات غير قانونية على الوقود والغاز والمشتقات النفطية القادمة إلى ميناء الزيت، بلغت ما بين 12 إلى 25 ريالًا يمنيًا عن كل لتر وقود، ما كان يُدر عليه شهريًا أكثر من 10 مليارات ريال يمني، تذهب مباشرة إلى حسابات خاصة بشركة “إسناد“، المملوكة لعيدروس الزبيدي شخصيًا، في ما وصفه الصحافي بـ”الاحتلال الاقتصادي الموصوف”.

ولم تقتصر الجبايات على المشتقات النفطية، بل امتدت إلى فرض رسوم مجحفة على كل قاطرة نفط أو غاز قادمة من مأرب، وصلت إلى 3 ملايين ريال للقاطرة الواحدة للنفط، ومليوني ريال للغاز، ناهيك عن رسوم باهظة على الحاويات الخارجة من الميناء، تتراوح بين 300 و900 ألف ريال حسب الوجهة.

ووفقًا للأرقام الموثقة، فقد كان المجلس الانتقالي يحقق ما يقارب 30 مليار ريال شهريًا من هذه الجبايات وحدها، في وقتٍ لم تُصرف فيه رواتب الجنود ولا الموظفين المدنيين، ولم يُنفذ أي مشروع خدمي أو تنموي، بينما كانت هذه الأموال تُحوّل إلى عملات أجنبية وتهرّب عبر بنوك تجارية خاصة إلى خارج اليمن، ما أدى إلى تفاقم الانهيار الاقتصادي، وتدهور الريال اليمني بشكل متسارع.

وأكد بن لزرق أن هذه العمليات تمت بعلم وصمت من الجهات التابعة للتحالف، ولم تُقابل بأي رقابة أو محاسبة، بل إن قوات المجلس الانتقالي نفسها ظلت لأشهر دون رواتب، تنتظر التحويل من الرياض أو أبوظبي، رغم أن الأموال كانت تُكدّس في حسابات خاصة وتُحوّل إلى الخارج.

وأشار الصحافي إلى أنه يمتلك عشرات الوثائق الرسمية الموقعة والمعمدة التي تثبت هذه الممارسات بشكل مفصل، مشيرًا إلى أن هذه الوثائق تغطي سنوات من النهب المتواصل الذي حوّل ثروات اليمن إلى حسابات شخصية، وساهم في نشوء شبكات مالية ضخمة داخل مناطق سيطرة أدوات التحالف.

وتُضاف هذه المعلومات إلى سلسلة من الحقائق التي تكشف أن الحرب على اليمن لم تكن فقط عسكرية، بل كانت وما تزال اقتصادية ومالية بامتياز، تُدار عبر أدوات محلية ظاهرها “مطالب جنوبية” وباطنها مشاريع استعمار اقتصادي هدفها ضرب العملة، ونهب الثروات، وشراء الولاءات على حساب السيادة والكرامة الوطنية.

وفاة الرئيس الجنوبي الأسبق “علي سالم البيض” بعد عقود من الغياب السياسي

أعلنت أسرة الرئيس الجنوبي الأسبق علي سالم البيض، اليوم السبت، وفاته في العاصمة الإماراتية أبوظبي، عن عمر يناهز الثمانين عامًا، بعد صراع مع المرض وسنوات طويلة من العزلة السياسية والنفي الطوعي في أحضان أنظمة التطبيع والتجزئة.

وقال بيان الأسرة إن البيض توفي بعد معاناة مع المرض، على أن تُقام مراسم الصلاة والدفن في وقت لاحق، دون تحديد التفاصيل.

ويُعد البيض من أبرز الشخصيات التي برزت في مرحلة ما قبل الوحدة اليمنية عام 1990، حين كان يشغل منصب الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني، ورئيس ما كان يُعرف بـ“جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية”، ثم ما لبث أن أصبح شريكًا رئيسًا في توقيع اتفاقية الوحدة، وتولى منصب نائب رئيس الجمهورية حتى حرب صيف 1994، التي فرّ بعدها إلى خارج البلاد، قاطعًا صلته بالمشهد اليمني الداخلي.

لكن البيض، الذي حمل على عاتقه شعار الانفصال من جديد بدعم مباشر من أبوظبي منذ 2009، تحوّل تدريجيًا إلى ورقة سياسية إقليمية تم استخدامها في إطار مشاريع التجزئة والوصاية، قبل أن يتم تهميشه بالكامل خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا مع تصاعد نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي تجاوز البيض ومشروعه، وأعاد تشكيل أدوات الإمارات في الجنوب بأساليب أكثر مباشرة ووضوحًا.

وفاة علي سالم البيض، في هذا التوقيت والمكان، تُغلق فصلًا من فصول السياسة اليمنية التي مثّلت جزءًا من صراع طويل بين مشاريع الوحدة الوطنية ومشاريع التفتيت المدعومة خارجيًا. كما أنها تؤكد النهاية الرمزية لرجل ظل عقودًا رهين الحسابات الإقليمية، بعيدًا عن الإرادة الشعبية في اليمن شمالًا وجنوبًا.

الضغط الدبلوماسي العربي… الخوف من ماذا؟

اليمن: بين العدوان والإسناد، يتألّق في سماء العزّة والكرامة

تتداول الأنباء، نقلًا عن وكالة الأنباء الفرنسية، أن المملكة العربية السعودية وقطر وسلطنة عُمان مارست ضغوطًا دبلوماسية على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإقناعه بالعدول عن توجيه ضربة عسكرية لإيران، لما قد تجرّه من عواقب وخيمة تطال المنطقة بأسرها. هذا الحراك الدبلوماسي لا يمكن فصله عن جولة الاتصالات التي قام بها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، والتي حمل خلالها رسائل واضحة إلى دول المنطقة مفادها أن أي اعتداء أمريكي على إيران لن يكون معزولًا عن محيطه، وأن النيران المتوقعة ستمتد لتجعل القواعد الأمريكية في تلك الدول أهدافًا مشروعة للقوات المسلحة الإيرانية.

ولا تزال حادثة استهداف قاعدة العديد في قطر حاضرة بقوة في الذاكرة العربية، بما تحمله من دلالات مقلقة لا تستطيع دول المنطقة تحمّل تبعاتها الاقتصادية أو الأمنية. أما السعودية، فتبدو من أكثر الأطراف استشعارًا للخطر، إذ تعيش هاجس استهدافها في حال تطور أي صراع يمسّ النظام الإيراني، ولا سيما في ظل توتر علاقاتها واختلافها مع المحور الإماراتي وارتباط هذا المحور بعلاقات وثيقة مع الكيان الصهيوني.

وحتى تركيا لا تبدو بمنأى عن هذا القلق المتصاعد؛ فهي تدرك خطورة سيناريو إقصاء إيران عن المعادلة الإقليمية، في ظل تعارضها مع مشروع “إسرائيل الكبرى” على الساحة السورية، وتنافسها المحتدم حول مدينة حلب. كل ذلك يجعلها، في نظر أنقرة، هدفًا لاحقًا لطموحات نتنياهو إذا ما حقق انتصارًا استراتيجيًا في إيران. كما أن التعويل على علاقة الصداقة بين أردوغان وترامب يبقى رهانًا هشًا، قابلًا للتبدل في أي لحظة لصالح الروابط الأيديولوجية العميقة التي تجمع ترامب بنتنياهو.

من هنا، يتضح أن إشعال المنطقة لا يصب في مصلحة أي طرف، خاصة مع شعور إيران بأن أي حرب تُشن ضدها ستكون حرب وجود، ما سيدفعها إلى خوضها بكل ما تملك من قوة. ولا توجد مؤشرات واقعية على قدرة الولايات المتحدة على إسقاط النظام الإيراني بضربة سريعة وخاطفة، إذ يبدو هذا السيناريو بعيدًا عن التطبيق العملي. وفي هذه الحالة، يتحول الوجود الأمريكي في دول المنطقة إلى ما يشبه القنابل الموقوتة، سرعان ما تنفجر مع أول شرارة حرب.

أما التراجع الإعلامي لترامب، الذي برره بتراجع إيران عن تنفيذ أحكام الإعدام بحق معتقلين، فلا يمكن الركون إليه أو البناء عليه، فهو معروف بالمراوغة والخداع. وقد سبق له أن هيّأ الأجواء الإيجابية قبيل “حرب الاثني عشر يومًا”، متحدثًا عن تقدم في الاتفاق النووي واقتراب الحل، قبل أن تنقلب الصورة رأسًا على عقب.

ومع الأخذ في الاعتبار نزعة ترامب الشخصية الجامحة إلى استعراض القوة، ورغبته الدائمة في توجيه ضربات ترضي غروره ونزعته النفسية الاستعراضية، فإن التراجع الظاهري لا يعني بالضرورة الخضوع للضغوط. بل قد يكون مجرد إعادة رسم لسيناريو جديد، يفضي إلى ضربة خاطفة ومحدودة، يتجنب من خلالها المحاذير الكبرى التي يخشاها المعارضون لخيار الحرب الشاملة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كيان الأسدي

اليمن وغزة يعرّيان جذورَ الشجرة الخبيثة: أمريكا وكيان الاحتلال

ليست غزةُ وحدَها من كشفت زيف الشعارات، ولا اليمن وحدَه من أسقط الأقنعة.. في الميدانَينِ معًا، وعلى جبهتين متباعدتين جغرافيًّا، متصلتين جوهريًّا، انكشفت جذور الشجرة الخبيثة التي طالما تزيّنت بأوراق “الديمقراطية” و“حقوق الإنسان”.

شجرة واحدة، جذورها في واشنطن، وأغصانها في كَيان الاحتلال، ثمارها حروب وحصار ودمار، وظلّها سوادٌ لا يورث إلا القهر.

منذ اللحظة الأولى لمعركة غزة، لم تكن “إسرائيل” سوى واجهة متقدمة لمشروع أمريكي قديم متجدد، مشروع يقوم على الهيمنة بالقوة، وإدارة العالم بمنطق العصا والجزرة.

القنابل التي سقطت على الأطفال في غزة لم تكن قرارًا “إسرائيليًا” خالصًا، كما لم تكن السفن والطائرات التي تهدّد البحر الأحمر فعلًا معزولًا؛ كلها حلقات في سلسلة واحدة، تمسك بها اليد الأمريكية وتحَرّكها وفق مصالحها.

غزة، المحاصَرة منذ سنوات، قدّمت للعالم درسًا أخلاقيًّا وسياسيًّا نادرًا: يمكن للشعب الأعزل أن يهزم السردية، وأن يربك القوة، وأن يعرّي النظام الدولي حين يختار الصمت شريكًا.

صواريخ المقاومة لم تكن مُجَـرّد أدوات ردع، بل كانت رسائل سياسية تقول إن الاحتلال، مهما امتلك من ترسانة، يظل هشًّا أمام إرادَة التحرّر.

وفي اليمن، البلد الذي ظنّه الأمريكيون ساحةً سهلة للتركيع، جاء الرد من عمق السيادة والقرار المستقل.

حين قال اليمن كلمته نصرةً لغزة، لم يفعل ذلك من باب المزايدة، بل من موقع المبدأ.

فالمعركة واحدة، والعدوّ واحد، وإن اختلفت الجغرافيا.

وهنا بالضبط انفضح جوهر الصراع: من يقف مع فلسطين يصبح هدفًا مباشرًا، ومن يناصر المظلوم يُدرج في قوائم “التهديد”.

العدوان الأمريكي على اليمن، كما الدعم اللامحدود للعدوان الإسرائيلي على غزة، يفضحان حقيقة العلاقة العضوية بين الطرفين.

“إسرائيل” ليست سوى قاعدة متقدمة، وواشنطن هي الراعي والمموّل والحامي.

كُـلّ حديث عن “حل الدولتين” أَو “وقف إطلاق النار” يتحول إلى ضجيج فارغ حين تصطف حاملات الطائرات الأمريكية لحماية القاتل، وحين تُفتح المخازن العسكرية لإدامة المجازر.

اليمن وغزة أعادا تعريف الاصطفاف العالمي.

لم يعد ممكنًا بعد اليوم التذرع بالحياد الأخلاقي.

العالم منقسم بوضوح: معسكر يبرّر الإبادة، ويغطي الحصار، ويدير الإعلام لتجميل الجريمة؛ ومعسكر آخر، محدود الإمْكَانات لكنه صادق الانتماء، يرفع الصوت عاليًا: لا للهيمنة، لا للاحتلال، لا لقتل الأبرياء.

لقد فشلت أمريكا في تقديم نفسها كحَكَم نزيه، وسقطت “إسرائيل” ككيان يدّعي الدفاع عن نفسه.

الصورة باتت أوضح من أي وقت مضى: مشروع واحد يستثمر في الفوضى، ويغذّي الصراعات، ويمنع أي تحرّر حقيقي للشعوب.

لكن المفارقة أن هذا المشروع، رغم جبروته، بدأ يفقد قدرته على الإقناع؛ لأَنَّ الحقيقة خرجت من تحت الركام، ومن بين أنقاض البيوت في غزة، ومن أمواج البحر التي أعلن اليمن أنها لن تكون آمنة للظلم.

إن ما يجري اليوم ليس حدثًا عابرًا، بل لحظة كشف تاريخية.

لحظة تُسقط فيها الأقنعة، وتُسمّى الأشياء بأسمائها.

أمريكا و“إسرائيل” ليستا حماة نظام عالمي، بل جذور شجرة خبيثة تُسمم كُـلّ ما حولها.

واليمن وغزة، بدمائهما وصمودهما، يضعان الفأس في أصل هذه الشجرة، مؤكّـدين أن زمن الخضوع ليس قدرًا، وأن إرادَة الشعوب، مهما حوصرت، قادرة على قلب المعادلات.

قد تطول المعركة، وقد يشتد القصف، لكن المؤكّـد أن الحقيقة باتت مكشوفة، وأن الشعوب التي تعرّت أمامها جذور الشر لن تعود كما كانت.

وفي هذا وحده، يكمن معنى الانتصار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالله عبدالعزيز الحمران