دخل الصراع بين الرياض وأبوظبي مرحلة بالغة الخطورة مع بلوغ التهديدات المتبادلة ذروتها، في مشهد ينذر بـحرب كسر عظم داخل معسكر التحالف، بعد أن كشفت الإمارات، السبت، موقفًا غير مسبوق من التهديدات السعودية الموجهة لمرتزقتها في اليمن، ولوّحت صراحة بإمكانية إنهاء التحالف والدخول في مواجهة مفتوحة.
وفي أول رد إماراتي علني بهذا المستوى، وصف وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي أنور قرقاش الأزمة الحالية بأنها “حرجة”، داعيًا – بشكل غير مباشر – إلى تغليب الحوار وابتكار مخارج سياسية، إلا أن مضمون تغريداته حمل رسائل تصعيدية واضحة، أبرزها التلويح بـقطع التحالف عبر التحذير من “قطع حبل المودة” وضرورة “الحفاظ على التحالفات وحفظ الصداقات”، في إشارة مباشرة إلى العلاقة بين ولي العهد السعودي والرئيس الإماراتي.
واعتبر قرقاش أن ما سماه “الرؤية المشتركة” للحلول المتزنة هي أساس الاستقرار، في تلميح فُهم على نطاق واسع بأنه تهيئة لمواجهة فعلية في حال مضت الرياض بخياراتها العسكرية.
وجاء الموقف الإماراتي بعد دقائق فقط من صدور بيانات سعودية متتالية عن متحدث القوات المشتركة ووزير الدفاع السعودي، تضمنت تهديدات عسكرية صريحة للمجلس الانتقالي الجنوبي الموالي لأبوظبي، في سابقة تؤكد أن الصراع خرج من الغرف المغلقة إلى العلن.
وهذه هي المرة الأولى التي تتصدر فيها الإمارات المواجهة بشكل مباشر، بعد سنوات من إدارة صراعها مع السعودية في اليمن من الخلف وعبر الميليشيات، ما يشير إلى أن علاقة الحليفين وصلت إلى مفترق طرق خطير.
وبالتوازي، بدأت الرياض تحريك أدواتها السياسية والعسكرية جنوب اليمن، عبر تصدير أبرز خصوم المجلس الانتقالي، في مقدمتهم عبد الله العليمي، مدير مكتب الرئيس الأسبق عبد ربه منصور هادي ومندوبه في المجلس الرئاسي، الذي شن هجومًا غير مسبوق على الانتقالي، متهمًا إياه بـالتمرد ومحاولة إسقاط المحافظات الجنوبية، ومحذرًا من تداعيات خطيرة، في خطاب تزامن مع مباركة صريحة للخطوات السعودية العسكرية.
وجاء هذا التصعيد عقب اجتماع ما يسمى بـمجلس الدفاع الوطني في الرياض التابع للمرتزقة، والذي ضم شخصيات جنوبية بارزة من جناح هادي، وخرج بمطالبات واضحة بـتدخل سعودي عسكري، في مشهد أعاد إلى الواجهة قوى جرى تحييدها مؤقتًا لكنها ما تزال تحتفظ بقوات كبيرة، خصوصًا في أبين والمهرة. كما تزامنت هذه التحركات مع تقارير عن وصول قيادات بارزة في جناح الصقور، يتقدمهم أحمد الميسري، الذي خاض معارك دامية ضد الانتقالي في عدن عام 2019.
ميدانيًا، رفعت السعودية سقف التهديدات إلى مستوى غير مسبوق، وسط حديث صريح في الإعلام السعودي عن انتزاع محافظات جنوبية من يد الانتقالي، حيث قال الصحفي السعودي علي العريشي إن “ثمن تمرد الانتقالي في حضرموت والمهرة سيكون شبوة وأبين”، في رسالة تعكس انتقال الرياض من سياسة الاحتواء إلى منطق الحسم بالقوة.
في المقابل، ردّ المجلس الانتقالي برفض قاطع للانسحاب من شرق اليمن، مؤكدًا تمسكه بالهضبة النفطية، ودافعًا بتعزيزات عسكرية جديدة إلى حضرموت. ونقلت وسائل إعلام إماراتية عن قيادات في الانتقالي تأكيدها أن الانسحاب غير وارد، وذلك عقب بيانات سعودية متلاحقة حملت تهديدات عسكرية مباشرة. وأكدت مصادر قبلية وصول لواء من الشرطة العسكرية التابعة للانتقالي إلى وادي حضرموت قادمًا من عدن، بالتزامن مع دعوة المجلس أنصاره إلى تظاهرة حاشدة رفضًا للتدخل السعودي.
وعلى المستوى الدولي، كشفت بريطانيا والولايات المتحدة عن مخاوف متصاعدة من تصادم مباشر بين وكلائهما في الخليج، مع تسليط الإعلام الغربي الضوء على الانفجار الوشيك شرق اليمن. وأكدت صحيفة الغارديان أن الإمارات ترفض الانسحاب من شرق اليمن، وتناقش شروطًا سياسية لتبعات أي خطوة من هذا النوع، فيما حذرت وول ستريت جورنال من أن التوتر السعودي–الإماراتي بات يشكل تحديًا مباشرًا للإدارة الأمريكية.
واتفقت وسائل إعلام أمريكية وبريطانية على أن جوهر الخلاف يتمحور حول النفوذ ونهب الثروات في اليمن والسودان، مؤكدة أن السعودية نفذت بالفعل غارات جوية على فصائل موالية للإمارات في حضرموت، في رسالة عسكرية واضحة. وفي محاولة لاحتواء الموقف، دعت لندن وواشنطن إلى التهدئة، مع الإبقاء على حياد تكتيكي بانتظار الطرف الذي سيفرض وقائع الميدان.
وفي مؤشر خطير على حجم القلق الإماراتي، كشفت مصادر في المجلس الانتقالي عن إجلاء إماراتي سري لقياداته البارزة، حيث قامت طائرات شحن عسكرية بنقل عيدروس الزبيدي ونائبه أبو زرعة المحرمي إلى جهة غير معلومة، وسط مخاوف من استهداف سعودي مباشر. وتزامن ذلك مع محاولات إماراتية لمنح الانتقالي خيارات بديلة عن المواجهة العسكرية، شملت الدفع نحو مسارات قانونية بدلًا من فرض الانفصال بالقوة، في ظل إدراك متزايد داخل أبوظبي بأن أي ضربة سعودية نوعية قد تعني انهيار فصائلها جنوبًا.
وفي تطور بالغ الخطورة يكشف حجم التدويل المتسارع للصراع، أكّد كيان العدو الإسرائيلي رسميًا مشاركته في مجريات المعركة الدائرة شرق اليمن، معتبرًا أن ما يجري في الهضبة الشرقية من حضرموت حتى المهرة يمثل جزءًا من ما يسميه “الأمن القومي الصهيوني”، وذلك بالتزامن مع تصاعد المواجهة بين حليفيه السعودية والإمارات.
ونقل صحفيون صهاينة عن إيدي كوهين تأكيده استبعاد الانسحاب من أي سنتيمتر واحد من محافظتي المهرة وحضرموت، واضعًا إياهما في السياق نفسه مع الفاشر والأبيض في السودان وسرت الليبية، ومعتبرًا أن أي انسحاب من ما وصفها بـ”الأحواض المائية الممتدة من المحيط الهندي وخليج عدن ومضيق باب المندب وصولًا إلى شرق البحر الأبيض المتوسط” يشكل إخلالًا مباشرًا بالأمن القومي الصهيوني وخطرًا استراتيجيًا لا يمكن القبول به.
وجاءت هذه التصريحات الإسرائيلية غداة تلويح الرياض باستخدام القوة العسكرية ضد الفصائل الإماراتية التي بسطت سيطرتها خلال الأسابيع الماضية على الهلال الشرقي لليمن من حضرموت حتى المهرة، مستكملة بذلك خارطة تمركزها التي تشمل عدن وباب المندب، في خطوة كشفت أن الصراع تجاوز كونه تنافسًا بين حلفاء، ليتحول إلى معركة تموضع إقليمي–دولي مفتوحة.
وتعد هذه التصريحات أول إعلان إسرائيلي صريح عن دور مباشر في ما يجري شرق اليمن، بعد سنوات من العمل تحت غطاء مطالب محلية كـ“الانفصال”، بينما كانت إدارة المشهد الفعلي تتم عبر أدوات إماراتية. وتشير هذه المعطيات إلى أن المواجهة باتت أكبر من صراع محلي أو حتى إقليمي، وأنها دخلت طور الصراع الجيوسياسي على الممرات والثروات والمواقع الحساسة.
ويُذكر أن كيان العدو الإسرائيلي كان قد أكد خلال الأسابيع الماضية فتح المجلس الانتقالي قنوات اتصال مباشرة مع حكومته، تضمنت دعمًا سياسيًا وأمنيًا مقابل المضي في السيطرة على الهضبة النفطية شرق اليمن في إطار مقايضة واضحة بين التمكين الميداني والتطبيع. كما أكدت صحيفة يديعوت أحرونوت المقربة من حكومة نتنياهو أن قبول هذا العرض سيعزز سيطرة الكيان الإسرائيلي على أخطر الممرات الملاحية في المنطقة، الممتدة من المحيط الهندي وبحر العرب وصولًا إلى البحر الأحمر.
وتعكس هذه التطورات مجتمعة أن اليمن يقف على أعتاب مرحلة انفجار داخلي غير مسبوقة، حيث بات الصراع بين الرياض وأبوظبي صراع وجود ونفوذ لا يمكن احتواؤه بالبيانات، في ظل مؤشرات واضحة على أن التحالف يتفكك تحت النار، وأن المعركة المقبلة قد لا تكون ضد خصومه التقليديين، بل بين أطرافه نفسها.