الرئيسية بلوق الصفحة 84

كربلاء الحسين: جرح التاريخ وصدى العصر

لا لليهود عاشوراء والعاشوراء للحسين بدليل: "فاضت عينا الرسول الكريم بالدمع وانتحب حزناً على قتل الحسين" قبل استشهاده ب"50" عاماً وبثلاث روايات من كتب السُنة وبسند صحيح وبالفعل: "إذا عُرِفَ السَّبَب بَطَل العَجَب!؟"

فاجعة كربلاء هي من أعظم الأحداث ألمًا في المسار الإسلامي؛ إذ وقعت في اليوم العاشر من شهر محرّم سنة (61 هـ) في العراق، حَيثُ واجه الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب مع أهل بيته وأصحابه جيشًا كَبيرًا في موقف عُرف بالصمود والتضحية.

خرج الإمام الحسين رافضًا ما رآه من ظلمٍ وانحراف عن مبادئ العدل والإصلاح، واختار الوقوف مع الحق رغم قلة أنصاره وكثرة خصومه قائلًا: “إني لم أخرج أشِرًا ولا بَطِرًا ولا مُفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أُمَّـة جدي”.

وقعت المعركة بحصارٍ شديد على آل بيت رسول الله ومنعهم من شرب الماء، قتلٍ ذبح وتشريد، أم تفقد ابنها، وأخت ترى أهلها يسقطون، وطفل يفقد أباه، بقي الحسين وحدَه بعد رحيل أصحابه وأهل بيته شهداءَ، فقاتل حتى استشهد.

وكانت اللحظة الأشد ألمًا؛ فقد بقيت النساء والأطفال بلا نصير، ثم أخذوا أسرى، يحملون حزن فقد الأحبة ومشهد ما جرى في ذلك اليوم.

كانت زينب بنت علي من الذين حملوا عبء المصيبة، فواجهت الأسر والمصاعب، ونقلت رسالة أهل البيت بعد كربلاء التي ستبقى رمزًا للبطولة والفداء.

إنها معركة تستحضرها الأجيال، وتتناول أَيْـضًا الدروس والقيم التي ارتبطت بها، مثل رفض الظلم، ونصرة الحق، وتحمل المسؤولية أمام المواقف الصعبة.

هي تحكي عمق الخِذلان وقوة التفريط الذي حدث للإمام الحسين ممن حوله، لقد تراجعوا عن نصرتهِ في أشد لحظات الاحتياج لهم.

ولو نظرنا اليوم إلى واقعنا لوجدنا كربلاء وتفريطها قد تكرّر ولكن باختلاف الزمان والمكان فقط، شهيد القرآن حسين البدر تعرض للحصار ومن ثّم قطع الإمدَادات بعدها مباشرة استشهد على أيدي الظالمين.

الشعب اليمني تكالبت عليه أكثر من (12) دولة عربية وقصفت ودمّـرت وحاصرت وارتكبت مجازر بالآلاف وهو وحيد لم يقف معه سوى لبنان وإيران!

أَيْـضًا حدثت كربلاء آل الرميمة وآل الجنيد في محافظة تعز تحملوا أصناف العذاب من قتلٍ، ذبحٍ، سحلٍ وتشريد.

غزة اليوم تكتب كربلاء الطف بأشلاء أطفالها ونسائها ورجالها ولا ناصر ولا مجيب لهم إلا الله وَالقلة القليلة من الشرفاء الأحرار لكنا موقِنون بقوله تعالى: (وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلًا عَمَّا یَعۡمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَۚ إِنَّمَا یُؤَخِّرُهُمۡ لِیَوۡمࣲ تَشۡخَصُ فِیهِ ٱلۡأَبۡصَـٰرُ).

نحن هُنا في اليمن نقولها علنًا للعالم أجمع: إننا مع الحق أينما وجدناه وضد الظلم مهما كانت تضحياتنا.

نحن أنصار رسول الله ومحبيّ آل بيته، لن نتركَ غزة ولن نتنازل عن أرضنا، لن نرضَى بتدنيس مقدساتنا، وكما قالها السيّد الشهيد حسن نصر الله “ما بيننا وبين العدوّ الأيّام والليالي والميدان”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إقبال جمال صوفان

اتّحاد جبهات المقاومة

قال تعالى: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَـأَنَّهُم بُنْيـٰنٌ مَّرْصُوصٌ}، قولٌ إلهيٌّ صريح بأن الله عزّ وجل يحبُّ عبادَه المؤمنين المجاهدين الذي يُقاتلون العدوّ وهم متوحدون في صفٍ واحد بدون منازعات وتفرق، سواءٌ أكانوا أفرادًا أَو جبهات متعددة تسلك نفس الطريق الجهادي ونفس القضية والعدوّ واحد وواضح.

ومن أحبهم الله والتزموا بالتوجيهات القرآنية فلا شك أنهم سيُحاطون برعايته وعنايته وتأييده ونصره.

جبهات إيران ولبنان والعراق وغزة واليمن، جبهات مقاومة متوحدة هدفها الأَسَاسي القضاء على العدوّ الإسرائيلي ومن يساندهم.

في النهاية أمريكا وكيان الاحتلال زائلان بأمر الله، ولكن الله يختار على يد من ستكون نهايتهما، هل على يد الجبناء المتنصلين عن المسؤولية الذين يرون القتال مع أمريكا وكيان الاحتلال ضررًا عليهم، أم على يد الذين يتوددون للعدو ويخافون على مشاعره، أم على يد الرجال الأبطال المقاتلون الذين كما وصفهم الله أشداء على الكفار ورحماء بينهم!

الجواب واضح، لكن السؤال الحقيقي المطروح هُنا لكل شخص: ما هو موقفك مما يجري ومع من أنت، حدّد موقفك!

عندما تجتمع جبهات المقاومة مُعلنين أن قضيتهم واحدة ويصرخون أمام العدوّ بصوتٍ واحد: “الموت لأمريكا والموت لإسرائيل”.

هذا مُرعب لهم ويجعلهم في قلق وخوف؛ لأنهم يعرفون تمامًا أنه لو توحَّدت الأُمَّــة على طريق واحد بمنهج قرآني؛ ذلك سيفضحهم وتنكسر شوكتهم ويُهزمون أشد هزيمة ماديًّا ومعنويًّا وتذهب خططهم ومؤامرتهم التي حاكوها لمئات السنين أدراج الرياح.

ومن هنا نتيقن أن في التوحد قوةً وفي التفرقة والنزاع الهلاك، كما قال الله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}.

محور المقاومة طبقوا قول الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جميعًا وَلَا تَفَرَّقُوا…}.

تمعنوا في آيات الله وفهموا أن الطريقة الصحيحة لمواجهة العدوّ هي وَحدةُ الصف ونصرة المظلومين في كُـلّ بقاع الأرض والجهاد المُستمرّ طالما الباطل يعمل بكل جهد.

ومهما كان الباطل قويًّا ولديه قدرات وإمْكَانيات فالحقُ لديه رجالٌ مؤمنون متوحدون، فلا بد من انتصار الحق على الباطل مهما طال الزمن أَو قصر والعاقبة للمتقين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غيداء الخاشب

التعبئة العامة.. حرس الثورة والأمة

وزارة الدفاع تعلن فتح باب التجنيد التطوعي في صفوف القوات المسلحة للعام 2018

أما بعد، فإن اليمن اليوم في منعطفٍ يكتبه التاريخ بمدادٍ من عزة، ويخطه الأحرار بدمٍ يفيضُ ولا يهتز، في ظل دعوةِ قائدٍ حكيم، ونذيرٍ أمين عليم، دعا الأُمَّــة لتكون صرحًا مرصوصًا، وبنيانًا في وجه العدوان مخُصُوصًا.

فجاء بيان التعبئة العامة ميثاقًا للوفاء، وعهدًا يقطع دابر الجَفاء، معلنًا أن الشعب بجميع أطيافه، قد نبذ الفرقة وتجاوز خلافه، ليكون حارسًا للثورة، ودرعًا للأُمَّـة في كُـلّ غمرة.

إنَّ قوات التعبئة اليوم غدت جيشًا يزأر، وجمعًا يتدفقُ ولا يتعثر، مئات الألويةِ تستلُّ سيف اليقين، وتعدُّ العدة لكسر شوكة الغاصبين، في تنسيقٍ تام مع قواتنا المسلحة، لتكون الضربةُ حاسمةً والمنازلةُ مُفلحة.

فالتعبئةُ هي إعدادٌ يسبق البلاء، ودوراتٌ تزرع في النفوس روح الفداء، ليظل اليمني حصنًا لا يقتحم، وحمًا لا ينهدم.

وعن فلسطين، فهي في القلب سكنى، وهي لبوصلتنا المبدأ والمعنى، لا نرضى بغير تحريرها غاية، ولا نقبل بغير وحدة الساحات نهاية.

إننا نقفُ اليوم بكل ثبات، نترقب إشارة القائد لنخوض الغمرات، ممتثلين لأمر الله في جهاد الطغاة، وموقنين بأن النصر حليفُ المؤمنين في الحياة والممات.

لقد توحدت الرؤية وتجسدت في التعبئة الإرادَة، فصار الشعب كله في ميادين العزة قيادةً وسيادة.

نحن رهن إشارة القائد، في كُـلّ نازلةٍ وشاهد، لا تفتُّ في عضدنا السنون، ولا تزيدنا شدائد العدوان إلا ثباتًا ويقين، حتى يستعيد الوطن سيادته، ويسترد الشعب كرامته وثروته، ويطهر الأرض من دنس الغزاة، وينعم بالحرية في ظل حكم الله وأماناه.

فسلامٌ على كُـلّ مرابطٍ في الثغور، وسلامٌ على كُـلّ مستعدٍ في الدور، وسلامٌ على شعبٍ لم يهن ولم يستكن، بل اختار طريق الخلود في كُـلّ زمن.

{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أكثر النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بشار الشعلاني

مذكرة التفاهم.. تتويجٌ لانتصار استراتيجي

تتبدّى اليوم ملامح الفصل الأخير لواحدةٍ من أعقد وأشرس جولات الصراع التاريخي بين محور المقاومة وقوى الهيمنة والاستكبار العالمي، بعد عقود طويلة راهن خلالها المشروع الصهيوني الأمريكي على كسر إرادَة الأُمَّــة وإخضاع شعوبها وإعادة تشكيل المنطقة وفق خرائط النفوذ الغربي ومصالح كيان الاحتلال الصهيوني.

وهنا تبرز مذكرة التفاهم الأخيرة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ورأس الشر أمريكا بوصفها تتويجًا لمسار طويل من المواجهة والصمود والتحدي، وإعلانا سياسيًّا صريحًا عن سقوط رهانات العدوان وفشل مشاريع الإخضاع التي استنزفت واشنطن وكيان الاحتلال سنوات طويلة من التخطيط والحصار والحروب والضغوط المركبة.

فما نشهده اليوم انعكاس مباشر لتحول استراتيجي عميق في موازين القوة، وتجسيدٌ حيّ لحقيقة أثبتتها ميادين المواجهة، مفادها أن إرادَة الشعوب الحرة حين تتسلح بالعقيدة والوعي والصبر قادرة على تحطيم أكثر المشاريع الاستعمارية تعقيدًا وإفشال أكثر المخطّطات العدوانية إحكامًا.

ورغم أن هذه المذكرة قد لا تمثل كامل الطموحات التي رسمتها طهران ضمن رؤيتها الاستراتيجية بعيدة المدى، إلا أن القراءة الموضوعية لمجريات الأحداث ومآلات الحرب تكشف أن الجمهورية الإسلامية خرجت من هذه الجولة وهي أكثر رسوخًا وثباتًا وتأثيرًا مما كانت عليه قبل اندلاعها، وأن ما تحقّق على طاولة التفاهمات لم يكن سوى ترجمة سياسية لحقائق فرضتها ساحات المواجهة ومعادلات الردع التي تشكلت تحت وهج النار والدخان.

لقد جاءت هذه المذكرة بوصفها ثمرةً طبيعية لنتائج الحرب، لا مقدمة لها، ونتاجًا مباشرًا لمعادلات القوة التي فرضها الميدان، لا استجابة لإملاءات الطرف المعتدي.

فالتاريخ السياسي للصراعات الكبرى يؤكّـد أن المنتصِر هو من يفرض شروطه ويرسم ملامح المرحلة التالية، وأن العاجز عن تحقيق أهدافه العسكرية يجد نفسه مضطرًّا للبحث عن مخارجَ سياسية تحفظ ما تبقى من هيبته ومصالحه.

ولو أن الحربَ انتهت بانكسار إيران أَو تراجع محور المقاومة، لكانت المنطقة اليوم أمام مشهد مختلف تمامًا، تُملى فيه الشروط من جانب واحد، وتُفرض فيه الوصاية السياسية والأمنية على شعوب المنطقة، غير أن صمود إيران، وفشل العدوان في تحقيق أهدافه المعلنة والخفية، قلب المعادلة رأسًا على عقب، وأعاد صياغة المشهد الاستراتيجي برمته، بما عزز الموقع التفاوضي لطهران ومنحها قدرةً أكبر على فرض شروطها ورؤيتها لمستقبل المنطقة.

وما يزيد من أهميّة هذه المذكرة أنها تتضمن التزامات عملية مباشرة ذات أبعاد سياسية واقتصادية وأمنية واسعة النطاق، تشمل رفع الحصار، وتخفيف القيود الاقتصادية، والإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة، ورفع العقوبات المرتبطة بقطاع الطاقة، ولجم غطرسة كيان الاحتلال الصهيوني ومنعه نهائيًّا من استباحة الأجواء والأراضي في دول المنطقة وكبح جماح مخطّط ما يسمى بإقامة (إسرائيل الكبرى) من خلال تثبيت معادلة وحدة الساحات، إلى جانب ترتيبات إقليمية مرتبطة بأمن الملاحة والاستقرار الإقليمي.

كما أن أية محاولة للمماطلة أَو الالتفاف على هذه الالتزامات قد تؤدي إلى انهيار الأَسَاس الذي قامت عليه المذكرة برمتها، وهو ما يدركه جيِّدًا صناع القرار في واشنطن وحلفاؤها الذين باتوا أكثر وعيًا بكلفة العودة إلى خيارات التصعيد والمواجهة المفتوحة.

وبعيدًا عن تفاصيل الاتّفاق ومآلاته المستقبلية، فإن الحقيقة الأكثر رسوخًا هي أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية أسهمت في إحداث تحول تاريخي واسع في مسار الصراع مع المشروع الصهيوني، وأعادت رسم ملامح البيئة الاستراتيجية للمنطقة بما يخدم قضايا الأُمَّــة ويعزز حضور قوى التحرّر والاستقلال في مواجهة مشاريع الهيمنة والاحتلال.

لقد نجحت إيران في كسر جملةٍ من المسلمات السياسية والعسكرية التي حاولت القوى الغربية ترسيخها لعقود طويلة، وأثبتت أن الإرادَة المستقلة قادرة على الصمود في وجه الحصار، وأن الشعوب التي تمتلك مشروعًا حضاريًّا ورؤية استراتيجية لا يمكن إخضاعها مهما بلغت أدوات الضغط والابتزاز.

ومن خلال هذه المواجهة، كرست الجمهورية الإسلامية موقعها بوصفها الحامل الرئيسي لمشروع أُمَّـة المقاومة، ذلك المشروع الذي أرسى دعائمه الإمام الخميني رضوان الله عليه، والذي يتجاوز الحدود الجغرافية والانتماءات المذهبية والعرقية الضيقة، ليؤسس لرؤية جامعة تقوم على مواجهة الاحتلال والاستكبار والدفاع عن قضايا الأُمَّــة ومقدساتها.

ولم تعد إيران ومحور المقاومة مُجَـرّد قوة إقليمية مؤثرة، فقد تحولا إلى معادلة ردع استراتيجية راسخة، وإلى حقيقة جيوسياسية لا يمكن تجاوزها أَو تجاهلها في أية ترتيبات تتعلق بمستقبل المنطقة، وقد أصبح التعامل مع هذا المحور ضرورة تفرضها الوقائع لا خيارًا تتيحه المجاملات السياسية، وأضحى حضوره عاملًا حاسمًا في رسم التوازنات وصناعة القرار الإقليمي والدولي.

كما أثبتت التجربة أن بنيةَ محور المقاومة هي منظومة متماسكة ومرنة ومتعددة المستويات، تمتلك القدرة على التكيف والتجدد واستيعاب الضربات، وتحويل التحديات إلى فرص، الأمر الذي منحها قدرة استثنائية على البقاء والاستمرار رغم أعنف حملات الاستهداف التي شهدتها المنطقة في تاريخها المعاصر.

وخلال المواجهات الأخيرة، أظهرت إيران واليمن ومحور المقاومة مستوىً متقدمًا من القدرة العملياتية والدقة العسكرية والجاهزية الاستراتيجية، عبر توجيه ضربات نوعية طالت أهدافا حساسة ومنشآت حيوية وقواعد ذات أهميّة بالغة، في رسالة لا لَبْسَ فيها مفادها أن أية حرب استفراد على جبهة واحدة من جبهات المحور هي حرب شاملة ولن تكون نزهةً لأحد، وأن استمرارها سيهدّد منظومات الطاقة العالمية وشبكات التجارة الدولية والاستقرار الاقتصادي الإقليمي والدولي على حَــدّ سواء.

إن أعظم ما حقّقته الجمهورية الإسلامية ومحور المقاومة في هذه الجولة التاريخية يتمثل في إسقاط الأهداف الاستراتيجية للعدو كاملةً، وتحويل مشروع العدوان من فرصةٍ لتفكيك محور المقاومة إلى محطة جديدة لتعزيز قوته وترسيخ حضوره وتوسيع دائرة تأثيره.

فقد أخفقت سياسةُ الضغط الأقصى، وفشلت العقوبات الاقتصادية الخانقة، وتهاوت رهانات الحصار والعزل والاستنزاف، وعجزت القوة العسكرية الأمريكية والصهيونية، رغم ما تمتلكه من إمْكَانات هائلة، عن تحقيق الغايات التي خُطط لها بعناية على مدى عقود.

وفي نهاية المطاف، وجدت القوى الكبرى نفسَها أمام حقيقةٍ لا يمكن إنكارها، وهي أن محور المقاومة أصبح حقيقة استراتيجية راسخة وجزءًا أصيلًا من معادلات القوة الإقليمية والدولية، وأن أي مشروع لمستقبل المنطقة لا يأخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار محكومٌ عليه بالفشل قبل أن يبدأ.

وهكذا، فإن هذه الجولة من الصراع أفضت إلى انتصار عسكري وسياسي واستراتيجي ومعنوي عميق، أعاد رسم خطوط التوازن، وكسر أوهام الهيمنة المطلقة، وأثبت أن زمن الإملاءات الأحادية يقترب من نهايته، وأن إرادَة المقاومة باتت رقمًا صعبًا في معادلات التاريخ والجغرافيا والسياسة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحمد الضبيبي

عينٌ صاحية لا عمياء: الحقيقة اليمنية المفروضة على الأرض

يعيش اليمنيون منذ أحد عشر عامًا تحت وطأة مأساة إنسانية وسياسية هي الأشد فظاعة في التاريخ الحديث، مأساةٌ لم تذر من معالم الحياة والكرامة في هذا الوطن شيئًا إلا وطالته يد الخراب.

وفي غمرة هذه المعاناة، وفي ظل محاولات تزييف الوعي وتوجيه بوصلة العداء نحو جهات أُخرى، يبرز صوت الحقيقة من قلب المعاناة ليضع النقاط على الحروف، وينظر إلى الواقع بعينٍ صاحيةٍ لا بعينٍ عمياء.

إن الواقع والأحداث في الميدان تكشف الحقيقة واضحةً جليّة دون زيف؛ فالذي تحالف علينا في عام 2015م، وجلب الطائرات والجيوش، هي السعوديّة والإمارات وأمريكا، ليست إيران.

والذين قصفوا المدن، ودمّـروا البنى التحتية، وأحالوا المنجزات الوطنية إلى ركام طوال سنوات الحرب، هي السعوديّة والإمارات وأمريكا، ليست إيران.

لا يمكن لأية بروباغندا إعلامية أن تحجب شمس الواقع؛ فالذي يحتل أرضي وبحري اليوم، ويتحكم بالمنافذ والممرات السيادية، هي السعوديّة والإمارات وأمريكا، ليست إيران.

والوجع الاقتصادي الذي يطحنُ المواطنَ اليمني في قوته اليومي هو نتاج قرار ممنهج؛ فالذي نقل البنك المركزي إلى عدن وقطع الرواتب عن مئات الآلاف من الموظفين، مستهدفًا لقمة عيش واستقرار الأسرة اليمنية، هي السعوديّة والإمارات وأمريكا، ليست إيران.

يمتد هذا التدمير ليشمل الحاضر والمستقبل عبر استنزاف مقدرات الأجيال؛ فالذي ينهب ثروات النفط والغاز، ويحرم الشعب من عائدات أرضه، هي السعوديّة والإمارات وأمريكا، ليست إيران.

واليد التي تمددت لنهبِ الثروات البحرية والبرية، وحصار شعب بأكمله برًّا وبحرًا وجوًّا لمنعه من حقه الطبيعي في العيش والتنقل والتجارة، هي السعوديّة والإمارات وأمريكا، ليست إيران.

إن محاولات قلب الحقائق وتصوير الصراع على غير حقيقته لن تجديَ نفعًا أمام شعبٍ ذاق الأمرين.

فمن قتلنا طوالَ أحد عشر عامًا ودمّـر كُـلَّ جميل في وطننا هي السعوديّة والإمارات وأمريكا، وليست إيران.

وبناءً على هذه الوقائع الشاخصة، فلا أحد يزايد علينا ولن يضحك علينا أحد؛ لأننا نعرف الحقيقة جيِّدًا، ونفرّق بين من يباشر القتل والنهب والحصار، وبين غيره.

ستبقى الرؤية واضحة، وسيبقى الوعي الشعبي هو الصخرة التي تتحطم عليها كُـلّ مشاريع الوصاية والتزييف، ومن رحم هذه المعاناة المُستمرّة يولد الإصرار على استعادة السيادة والكرامة؛ فإن ثورتنا مُستمرّة حتى تحقيق كامل أهدافها، وتحقيق ما خرج؛ مِن أجلِه الشعب اليمني الأبي في عام 2014م.

وإننا على هذا الدرب ماضون وثابتون، مسترشدين بالتوجيهات الحكيمة والخطى السديدة لقائد الثورة، السيد القائد عبد الملك بن بدر الدين الحوثي، حفظه الله، الذي يقود سفينة الوطن بحكمة وشجاعة نحو بر الأمان والحرية والاستقلال الحقيقي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شاهر أحمد عمير

صنعاء تحدّد مسار السلام.. وترفض المساومة والاستسلام

ثورة 21 سبتمبر: من معوقات الحصار إلى مسارات بناء القدرات الوطنية

في خضم المتغيرات الإقليمية المتسارعة والضغوط الدولية التي تحاول إعادة رسم موازين القوى في المنطقة، تبرز صنعاء كعنوان للثبات السياسي والاستراتيجي.

إن الموقفَ الذي تتبناه صنعاءُ اليوم هو تجسيد لعقيدة راسخة ترفض الانصياع لمنطق المساومة، وتؤمن بأن السيادة الوطنية والقرار المستقل هما خطان أحمران لا يقبلان التجزئة أَو التفاوض.

رفض لغة الإملاءات:لقد أثبتت التجربة أن صنعاء، ومن خلال قيادتها وقرارها السياسي، قد تجاوزت مرحلة القبول بـ “الأدوار المرسومة” من الخارج.

إن رفض المساومة هنا يعني رفض تحويل القضية الوطنية إلى ورقة ضغط في دهاليز الدبلوماسية الدولية، حَيثُ يُباع الموقف مقابل مكاسب آنية أَو وعود بـ “الشرعية” التي يمنحها الخارج.

صنعاء اليوم تُقدم نموذجًا فريدًا في التمسك بالاستقلال التام، واضعةً مصالحها الوطنية العليا فوق أية حسابات أُخرى.

خيار المقاومة: استراتيجية وجود:

لم يكن خيارُ المقاومة الذي تبنّته صنعاء خيارًا تكتيكيًّا أَو وليد لحظة عاطفية، هو استراتيجية وجودية تهدف إلى حماية الهُوية الوطنية ومنع التبعية.

إن هذا الخيار ينطلق من قناعة عميقة بأن كلفة المقاومة -على الرغم من قسوتها- أقل بكثير من كلفة الخضوع التي تعني التنازل عن السيادة، والقبول بالتدخلات الخارجية، والتخلي عن قضايا الأُمَّــة الكبرى.

صنعاء في ميزان التحدي: إن التمسك بقرار المقاومة وضع صنعاء في قلب المعادلة الإقليمية.

فبدلًا من أن تكون مُجَـرّد رقم في معادلات الآخرين، تحولت إلى فاعل أَسَاسي يمتلك زمام المبادرة.

هذا الثبات أربك حسابات القوى التي اعتادت على ليّ ذراع الأطراف الأُخرى بالمساومة والضغط الاقتصادي أَو العسكري.

صنعاء تدرك جيِّدًا أن طريق المقاومة محفوف بالتحديات، لكنها تراهن على النفَس الطويل والارتباط العميق بقضايا العدالة والحق.

نحو أفق جديد:إن رفض المساومة هو تأسيس لقاعدة صلبة تُبنى عليها أي علاقات مستقبلية.

صنعاء تقول للعالم إن أي حوار أَو تفاوض يجب أن يبدأ من الاعتراف الكامل بالحقوق والسيادة.

في الختام، يظل قرار المقاومة هو البوصلة التي تضبط إيقاع صنعاء السياسي.

وبينما يراهن البعض على تآكل هذا الموقف مع مرور الوقت، تزداد صنعاء رسوخًا في خيارها، مؤكّـدة أن التاريخ لا يكتبه إلا من يملكون الشجاعة لقول “لا” في وجه العواصف، والتمسك بقرارهم مهما بلغت التضحيات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

زهراء اليمن

تفكيك الحصار ومسار انتزاع السيادة اليمنية

تتجاوز المقاربات السياسية أحيانًا حدود التشابه العارض لتدخل في طور “التطابق البنيوي”، حَيثُ تصبح الآلة والمنهج والغاية تعبيرًا عن استراتيجية موحدة وإن اختلفت الجغرافيا والأسماء.

يبدو الرابط الاستراتيجي والسلوكي بين كيان الاحتلال الصهيوني في تعامله مع القضية الفلسطينية، والنظام السعوديّ في تعاطيه مع المسألة اليمنية، أقرب إلى “الهندسة المشتركة” التي تهدف في غايتها النهائية إلى سحق إرادَة الشعوب، وتفكيك عراها الوطنية، وإخضاعها لمنطق الوصاية المطلقة أَو الإبادة الشاملة.

​تفكيك هذه العلاقة البنيوية يتطلب الغوص المعمق في الركائز الاستراتيجية التي تحكم سلوك هذا التحالف غير المعلن، بدءًا من منطلقات النفي، مُرورًا بآليات التركيع، وُصُـولًا إلى هندسة التفتيت الداخلي وتوظيف الأزمات الإنسانية:

​أولًا: إنكار الأصالة وعقيدة النفي الجيوسياسي

​تأسس كيان الاحتلال الصهيوني على مقولة نفى من خلالها الوجودَ التاريخي والسياسي للشعب الفلسطيني، محاولًا تحويله إلى مُجَـرّد “فائض سكان” بلا حقوق سيادية فوق أرضه الممتدة لآلاف السنين.

هذا السلوك الإلغائي يجد ترجمتَه الحرفية في العقلية الحاكمة داخل الرياض تجاه اليمن؛ إذ ينطلق النظامُ السعوديّ من عدم اعتراف مبدئي بحق الشعب اليمني في العيش كجار مستقل يمتلك قراره السيادي وبوصلته الوطنية بعيدًا عن فكرة “الحديقة الخلفية”.

تفرض الرياض وصاية دائمة تضمن إبقاء هذا الجار تحت سقف الهيمنة، تهربًا من صدمة الاعتراف بالتاريخ اليمني الضارب في عمق المنطقة، وهي النظرة الفوقية التي تصيغ كُـلّ تفاصيل الملف اليمني في أروقة السياسة السعوديّة.

​ثانيًا: الحصار والتجويع كأدوات للهندسة الاجتماعية

​تحول الجوع في قاموس الحروب الحديثة من مُجَـرّد أثر جانبي للمعارك إلى “سلاح دمار شامل” مقصود ومخطّط له؛ بهَدفِ إعادة تشكيل الوعي المجتمعي.

يمارسه كيان الاحتلال الصهيوني في قطاع غزة كخنق اقتصادي وتقنين دقيق للموارد حَــدّ الإبادة الجماعية لمليوني فلسطيني، وهو ذات السيناريو الذي طبقه النظام السعوديّ ويستمر فيه ضد أربعين مليون يمني.

يمثل حصار المنافذ، وتجفيف العائدات السيادية، ونقل البنك المركزي، واستهداف مصادر العيش، أدوات وظفتها الرياض لإنتاج أكبر أزمة إنسانية في العالم، بغية الوصول بالإنسان اليمني إلى حافة “الانسحاق المعيشي” التي تجبره على المقايضة بين لقمة عيشه وحريته السياسية، وتدفعه قسرًا نحو الرضوخ للمشاريع العابرة للحدود.

​ثالثًا: التدمير الهيكلي وقضم الجغرافيا

​تلتقي الآلة العسكرية السعوديّة مع نظيرتها الصهيونية في استهداف “المستقبل” عبر تدمير البنية التحتية والمؤسّسية للدولة.

استنسخ الطيران السعوديّ على مدى أكثر من عقد من الزمن في اليمن القصف السجّادي الذي طال المستشفيات، والجامعات، والمدارس، والطرق، والجسور في غزة والضفة؛ بهَدفِ تعجيز الدولة وشل قدرتها على النهوض مجدّدًا وإبقائها رهينة لخطط “إعادة الإعمار” المشروطة سياسيًّا.

يتوازى هذا التدمير مع نهم توسعي لا يتوقف؛ فكما يلتهم كيان الاحتلال ما تبقى من الأرض الفلسطينية بعد قضم 87 % منها عام 48، يواصل النظام السعوديّ سلوكه التاريخي الذي لم يكتفِ بضم جيزان ونجران وعسير والمناطق الشرقية، فهو يمتد اليوم عبر أدواته للسيطرة المباشرة وغير المباشرة على المحافظات الجنوبية والشرقية، ومحاولة الهيمنة على الجزر الاستراتيجية والموانئ والممرات المائية الحيوية لقطع رئتَي اليمن الاقتصاديتين وعزله عن مجاله البحري.

​رابعًا: التفتيت الاجتماعي وتوظيف “النخب المرتهنة”

​يبرز السعي المُستمرّ لتفكيك الجبهة الداخلية للضحايا كأخطر الأسلحة في هذه الهندسة المشتركة.

يدرك الجلادُ الخارجي أن الشعوبَ الموحَّدة لا تُقهر؛ لذا يغذي كيان الاحتلال الصهيوني الانقسام الفلسطيني لتمزيق الموقف الموحد، تمامًا كما يستبسل النظام السعوديّ في تمزيق النسيج الاجتماعي والسياسي اليمني (شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا) عبر تفريخ الكانتونات العسكرية والسياسية، وتغذية النعرات المناطقية والقبلية والمذهبية، لضمان بقاء اليمن في حالة فوضى مستدامة تمنع قيام دولة مركزية قوية قادرة على المحاسبة واسترداد الحقوق.

تؤدي “النخب المرتهنة” في الحالتين دور الأدَاة الرئيسية لتنفيذ هذا المخطّط، بعد أن باعت قرارها للخارج وصارت خنجرًا في خاصرة أوطانها، لتتحول مآسي فلسطين واليمن إلى نتاج مشترك بين إجرام المحتلّ الخارجي وارتهان التابع المحلي.

​بُوصلة الغضب وصمام الأمان الوطني

​تضعُ هذه القراءةُ السياسية الأمور في نصابها الصحيح عند تفكيك الأبعاد الإنسانية؛ فالأزمات المعيشية الطاحنة، وانقطاعُ المرتبات، وتدهور الخدمات الأَسَاسية، والانهيار الاقتصادي، هي نتاج طبيعي ومباشر لآليات العدوان المركَّب والحصار المفروض قسرًا على الناس في فلسطين واليمن.

إن التعبير عن السخط والوجع إزاء هذه الظروف هو حق مشروع ونتيجة حتمية للانسحاق المفروض على الشارع.

لكن القيمة الحقيقية للوعي الجماهيري هنا تكمن في “تحديد وجهة السخط وصون بوصلة الغضب الوطني”.

تسعى الاستراتيجية الصهيونية والسعوديّة -عبر أدواتهما المحلية التي تتستر وراء العناوين الحقوقية لتباكي زيفًا على معاناة المواطن- إلى إعادة توجيه هذا الغضب الشعبي المحق نحو الداخل.

المخطّط يهدف إلى تحويل ألمِ الجوع المعيشي إلى وقود للاقتتال الداخلي والفتن الجانبية، مما يجعل الضحايا يصيحون في وجوه بعضهم البعض، ويشتبكون في معارك صفرية تهدم ما تبقى من قلاع الصمود والمقاومة، وتمنح المعتدي الخارجي نصرًا مجانيًّا بأيدي أبناء الوطن نفسه.

​إن استغلال المعاناة الإنسانية وحرمان الشعوب من حقوقها الأَسَاسية لتمرير أجندة تفكيك الجبهة الوطنية يمثل جوهر المؤامرة الحقيقية اليوم.

ولذلك، يتطلب صمامَ الأمان الوطني أن تكونَ القبضاتُ موجَّهة حصرًا وبوعي تام إلى صدر المتسبب الحقيقي بكل هذه الأوضاع المزرية: كيان الاحتلال الصهيوني والنظام السعوديّ، وتعرية أدواتهما المرتهنة في الداخل.

​دعوة القائد: خارطة طريق السيادة والاستقلال

​في مقابل هذا الاستهداف الممنهج، تبرز المبادرة الوطنية المسؤولة القادرة على تفكيك عناصر المؤامرة الخارجية والداخلية؛ حَيثُ تأتي دعوة قائد الثورة، السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، لتضع مرتكزًا أَسَاسيًّا لمشروع سياسي، وتنموي، وسيادي شامل للجمهورية اليمنية، ورؤية استراتيجية متكاملة في هذه المرحلة الحساسة والمصيرية من تاريخ المنطقة.

​تشكل هذه الدعوة خارطة طريق عملية وجادة لانتزاع السيادة الكاملة وكسر الحصار المفروض على الشعب اليمني، مستندة إلى تضافر الجهود الشعبيّة والرسمية كبنية تلاحمية واحدة لا تقبل الاختراق.

إن التحَرّك على ضوء هذه الرؤية يضمن تحصين الداخل اليمني من محاولات التفتيت، ويحول الطاقات الوطنية نحو البناء والاعتماد على الذات لمواجهة تبعات التجويع الممنهج.

إذن..

​بناءً على ذلك، تقع المسؤولية التاريخية اليوم على عاتق كافة القوى الوطنية الحرة في دعم وتأييد دعوة قائد الثورة، والالتفاف حولها لمواجهة التحديات الراهنة، والوقوف بحزم ومسؤولية أمام مخطّطات الاستهداف الشامل التي يقودها تحالف العدوان.

إن التلاحُمَ وتحديدَ البُوصلة نحو العدوّ الحقيقي هو المدخل الاستراتيجي الوحيد لكسر الأغلال، واستعادة القرار، وبناء اليمن الحر المستقل الذي لا يقبل التجزئة ولا يرضخ للوصاية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مبارك حزام العسالي

من سويسرا إلى مسقط.. إيران تنتزع مكاسب الاتفاق برفع العقوبات النفطية وتحرير الأصول وتثبت معادلة هرمز ولبنان

من سويسرا إلى مسقط.. إيران تنتزع مكاسب الاتفاق برفع العقوبات النفطية وتحرير الأصول وتثبت معادلة هرمز ولبنان

دخل الاتفاق الأمريكي الإيراني مرحلة التنفيذ العملي بعد محادثات سويسرا، حيث لم تعد المخرجات مجرد تفاهمات سياسية عامة، بل تحولت إلى إجراءات واضحة تمس ملفات شديدة الحساسية: النفط، الأصول المجمدة، مضيق هرمز، ووقف الحرب في لبنان، في مشهد يعكس انتقال طهران وواشنطن من إدارة التصعيد إلى بناء ترتيبات تنفيذية مؤقتة تقود نحو اتفاق نهائي خلال 60 يوماً.

وأعلن رئيس الوزراء الباكستاني نجاح الاجتماع الأول للجنة رفيعة المستوى في إطار مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، مؤكداً أن المناقشات أسفرت عن “تقدم مشجع”، بما في ذلك الاتفاق على خريطة طريق نحو اتفاق نهائي خلال 60 يوماً، وإنشاء لجنة رفيعة المستوى للإشراف السياسي، والشروع في محادثات فنية لمتابعة الملفات التنفيذية. كما أشاد بالدور القطري، معتبراً أن الدوحة أسهمت بشكل حاسم في تهيئة الظروف لانطلاق هذه المفاوضات.

هذا الإعلان الباكستاني يضع الوساطة في موقع متقدم، إذ لم تعد باكستان وقطر مجرد قناتين لنقل الرسائل، بل أصبحتا جزءاً من البنية السياسية والتنفيذية للاتفاق، عبر لجنة إشراف وآليات متابعة فنية. وبذلك، تحاول واشنطن وطهران منع العودة إلى مربع التصعيد، ووضع مسار تفاوضي مضبوط زمنياً وسياسياً، بحيث لا تترك القضايا العالقة رهينة التصريحات أو المناورات الإعلامية.

وفي البعد الاقتصادي، أعلن وزير الخزانة الأمريكي تعليق العقوبات المفروضة على صادرات النفط والبتروكيماويات الإيرانية لمدة 60 يوماً، في خطوة تعد من أبرز المخرجات العملية للمحادثات. كما أكد نائب وزير الخارجية الإيراني أن الولايات المتحدة أصدرت ترخيصاً عاماً لبيع النفط والمنتجات البتروكيماوية والمشتقات النفطية الإيرانية، وأنه تم نشره على موقع مكتب مراقبة الأصول الأجنبية “أوفاك”.

وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تمثل عملياً كسر الحظر النفطي الذي كان أحد أبرز أدوات الضغط الأمريكية على إيران. فالسماح المؤقت ببيع النفط والمشتقات لا يمنح طهران متنفساً مالياً فحسب، بل يعيدها أيضاً إلى سوق الطاقة من موقع تفاوضي أقوى، ويمنحها ورقة اقتصادية واضحة خلال فترة التفاوض المقبلة.

وفي السياق ذاته، أكد محافظ البنك المركزي الإيراني إحراز “تقدم ملحوظ” في ملف الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، مشيراً إلى أن المفاوضات كانت “مكثفة وصعبة”، لكنها سارت وفق الأهداف التي وضعها الوفد الإيراني. ولاحقاً، أعلن رئيس البرلمان ورئيس الوفد المفاوض الإيراني محمد باقر قاليباف إتمام توقيع اتفاق الإفراج عن 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة خلال محادثات سويسرا، مع تأكيدات إيرانية بأن التفاهمات الموقعة بشأن هذه الأموال ستدخل حيز التنفيذ فوراً.

وتحمل هذه النقطة دلالة استراتيجية، إذ إن تحرير الأصول لا ينفصل عن رفع القيود النفطية، بل يشكلان معاً عنواناً واضحاً لنتائج الجولة الأولى: إيران تحصل على مكاسب اقتصادية ملموسة مقابل تثبيت مسار التهدئة والانتقال إلى التفاوض الفني. ومن هنا جاء النفي الإيراني لاستخدام الأموال المجمدة في شراء الحبوب أو المنتجات الزراعية الأمريكية، مع تأكيد محافظ البنك المركزي أن طهران “ليست ملزمة بشراء منتجات زراعية من أمريكا” بموجب الاتفاقات، في رد على محاولات أمريكية لتقديم الإفراج عن الأموال بصورة تخدم الداخل الأمريكي.

أما على مستوى هرمز، فقد ظهر أن المضيق أصبح أحد أهم مفاتيح المعادلة الجديدة. فالمفاوضات لم تتعامل مع هرمز كممر ملاحي فقط، بل كملف سيادي وأمني متصل بترتيبات إقليمية أوسع. وأكد نائب وزير الخارجية الإيراني أنه تقرر إنشاء “نقطة اتصال” لعبور السفن التجارية بأمان عبر هرمز، بما يضع إدارة الملاحة في إطار منظم يمنع الاحتكاك ويعزز قدرة طهران على ضبط الإيقاع من موقع القوة.

وفي هذا السياق، توجه رئيس الوفد المفاوض محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي إلى مسقط، حيث بحثا مع الجانب العماني ترتيبات التعاون المتصلة بإدارة مضيق هرمز. وأعلن وزير خارجية عمان أن المناقشات في مسقط تناولت مذكرة التفاهم بين إيران وأمريكا، مؤكداً الالتزام بالقانون الدولي وضمان “المرور الآمن من دون رسوم عبور”. وبذلك، تدخل عمان على خط الترتيبات البحرية بصفتها دولة محورية على ضفاف المضيق، قادرة على توفير غطاء إقليمي يساعد في تحويل التفاهم السياسي إلى آلية ملاحية قابلة للتطبيق.

وتكشف زيارة الوفد الإيراني إلى مسقط أن طهران لا تتعامل مع هرمز باعتباره ملفاً تفاوضياً عابراً، بل باعتباره ورقة سيادية واستراتيجية لا يمكن فصلها عن الأمن الإقليمي. فإدارة المضيق، ومنع الاحتكاك، وتأمين الملاحة، كلها ملفات باتت مرتبطة باعتراف عملي بأن إيران طرف أساسي في أمن الطاقة العالمي، وأن أي محاولة لتجاوز دورها ستعيد المنطقة إلى دائرة التصعيد.

أما لبنان، فقد حضر بوصفه الملف الأكثر حساسية في التفاهم، ليس فقط لأنه جبهة مشتعلة، بل لأنه أصبح معياراً لاختبار جدية واشنطن في ضبط الاحتلال الإسرائيلي. ووفق التصريحات الإيرانية، جرى الاتفاق على إنشاء “وحدة منع النزاع” في لبنان بمشاركة باكستان وقطر، بما يعني أن وقف الحرب هناك لن يبقى رهناً بالمزاج العسكري للاحتلال، بل سيدخل ضمن آلية متابعة دولية ـ إقليمية مرتبطة بمسار الاتفاق الأمريكي الإيراني.

وقد شدد قاليباف على أن من نتائج رحلة سويسرا “وقف الحرب في لبنان وإدارة مضيق هرمز والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة ورفع العقوبات النفطية”، مؤكداً أن طهران “أنهت الحرب ورفعت الحصار بالحوار وقوة الميدان”، وأنها لن تتخلى عن قضية ضمان وحدة الأراضي اللبنانية حتى تتحقق. وهذه العبارة تختصر منطق الموقف الإيراني: التفاوض لم يأتِ بديلاً عن القوة، بل نتيجة لها، والميدان لم يكن منفصلاً عن الطاولة، بل هو الذي منح الوفد الإيراني قدرة على تثبيت مطالبه.

وفي المقابل، تتسع ملامح المأزق داخل كيان الاحتلال. فقد نقلت فاينانشال تايمز عن مسؤول كبير سابق في حكومة الاحتلال أن الاتفاق الأمريكي مع إيران يمثل “كارثة استراتيجية يصعب وصف حجمها”، وأنه أثار غضباً واسعاً في كيان الاحتلال واعتُبر إخفاقاً استراتيجياً كبيراً وضع نتنياهو في “أضعف موقع سياسي له”. كما قال وزير الدفاع الباكستاني إن الاحتلال الإسرائيلي يسعى لإفشال اتفاق السلام بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن الاتفاق يعني نهاية نتنياهو سياسياً وربما اعتقاله.

هذه القراءة تكشف أن الاتفاق لم يضرب فقط أدوات الضغط الأمريكية على إيران، بل ضرب أيضاً رهان الاحتلال الإسرائيلي على استمرار الحرب. فتل أبيب كانت تريد حرباً مفتوحة تؤدي إلى إنهاك إيران ومحور المقاومة، بينما اختارت واشنطن في النهاية مساراً يضمن مصالحها في الطاقة والملاحة ويمنع الانزلاق إلى مواجهة لا سقف لها. ومن هنا يتعمق الخلاف بين البيت الأبيض وحكومة نتنياهو، لأن واشنطن باتت ترى أن استمرار التصعيد في لبنان أو تهديد هرمز أو تعطيل التفاهم مع طهران سيضر بالمصالح الأمريكية قبل أن يخدم الاحتلال.

وتأتي المواقف الصينية لتمنح الاتفاق بعداً دولياً إضافياً. فقد أعلن وزير الخارجية الصيني أن تنفيذ مذكرة التفاهم بين إيران وأمريكا يساعد على ترسيخ وقف إطلاق النار ويفتح آفاقاً للعلاقات، مؤكداً دعم بكين حق إيران في حماية سيادتها وأمنها، واستعدادها لمواصلة تقديم المساعدة والقيام بدور بناء لاستعادة السلام والهدوء في المنطقة.

وبذلك، تظهر نتائج سويسرا ومسقط كحزمة مترابطة: خريطة طريق خلال 60 يوماً، لجنة إشراف سياسية، محادثات فنية، ترخيص نفطي مؤقت، إفراج عن 12 مليار دولار، نقطة اتصال لهرمز، ووحدة منع نزاع في لبنان. هذه الحزمة لا تعني أن الاتفاق النهائي أصبح مضموناً، لكنها تؤكد أن ميزان التفاوض تغيّر بصورة واضحة، وأن طهران دخلت المرحلة الجديدة بمكاسب تنفيذية لا بمجرد وعود.

الأهم أن هذه المخرجات جاءت بعد مرحلة توتر وتهديدات، بينها تصريحات ترامب بشأن هرمز، والتي قال قاليباف إن الوفد الإيراني تمكن من إجبار ترامب على تعديلها خلال ساعة واحدة. سواء في الرمزية أو في مضمون الرسالة، فإن طهران أرادت القول إن إدارة المضيق لن تكون بإملاء أمريكي، وأن أي حديث عن فتحه أو تنظيم المرور فيه يجب أن يمر عبر ترتيبات تعترف بموقع إيران ودورها.

وفي المحصلة، لم تعد مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية مجرد وثيقة سياسية، بل أصبحت مساراً تنفيذياً يضغط على الجميع: يضغط على واشنطن لتثبيت الإعفاءات والالتزام بالمسار الفني، ويضغط على الاحتلال الإسرائيلي لوقف التصعيد في لبنان وعدم تخريب الاتفاق، ويضغط على الوسطاء لضمان استمرار القنوات، ويمنح إيران فرصة لترجمة صمودها العسكري والسياسي إلى مكاسب اقتصادية وسيادية.

ومن هنا يمكن القول إن جولة سويسرا وما تبعها في مسقط دشنت مرحلة جديدة عنوانها: التهدئة مقابل التنفيذ، والملاحة مقابل الاعتراف بالدور الإيراني، ووقف الحرب في لبنان مقابل منع الاحتلال من الهروب إلى التصعيد. وإذا نجح مسار الستين يوماً في تثبيت هذه المعادلة، فإن المنطقة ستكون أمام تحول استراتيجي واسع، تتراجع فيه قدرة الاحتلال الإسرائيلي على فرض أجندته، وتتقدم فيه إيران كطرف لا يمكن تجاوز موقعه في أمن الخليج ولبنان والطاقة والملاحة الدولية.

اعترافات صهيونية بسقوط الرهان على الحرب: اتفاق واشنطن وطهران يهدم استراتيجية الاحتلال تجاه إيران

TOPSHOT - Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu addresses the 78th United Nations General Assembly at UN headquarters in New York City on September 22, 2023. Netanyahu called for arch-enemy Iran to face a "credible" threat of nuclear attack to stop the clerical state from obtaining an atom bomb. "Above all -- above all -- Iran must face a credible nuclear threat. As long as I'm prime minister of Israel, I will do everything in my power to prevent Iran from getting nuclear weapons," Netanyahu told the assembly (Photo by Bryan R. Smith / AFP) (Photo by BRYAN R. SMITH/AFP via Getty Images)

اعتبر ضابط سابق في استخبارات كيان الاحتلال الإسرائيلي أن الاتفاق الأمريكي ـ الإيراني يمثل “انهياراً كاملاً” للاستراتيجية التي اعتمدتها تل أبيب تجاه طهران، في اعتراف يعكس حجم الفشل الذي مُني به الاحتلال بعد حرب راهن من خلالها على كسر إيران وتغيير معادلات المنطقة لصالحه.

ونقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن الضابط السابق في الاستخبارات الإسرائيلية، داني سيترينوفيتش، قوله إن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يكشف فشلاً ملموساً لأهداف الاحتلال من الحرب، بعدما كانت تل أبيب تراهن على أن تؤدي المواجهة إلى إنهاء التهديد الإيراني لسنوات طويلة، أو على الأقل فرض قيود استراتيجية قاسية على قدرات طهران النووية والصاروخية والإقليمية.

غير أن نتائج الاتفاق جاءت معاكسة لحسابات الاحتلال، إذ أعادت واشنطن فتح المسار التفاوضي مع إيران، وذهبت إلى مذكرة تفاهم لم تستجب للأهداف الإسرائيلية الكبرى، ما جعل الاتفاق يبدو داخل تل أبيب كأنه ضربة سياسية وأمنية مباشرة لحكومة بنيامين نتنياهو، التي دخلت الحرب وهي تتحدث عن تغيير جذري في ميزان القوة، ثم خرجت أمام واقع تفاوضي جديد تعترف فيه واشنطن بثقل إيران ودورها في ترتيبات المنطقة.

وترى “نيويورك تايمز” أن من أبرز نتائج مذكرة التفاهم اتساع الفجوة بين واشنطن وتل أبيب، بعدما فوجئ الاحتلال باتفاق أمريكي ـ إيراني لم يلبِّ مطالبه الاستراتيجية، رغم أنه دخل الحرب على أساس تنسيق وثيق مع الإدارة الأمريكية. وبهذا المعنى، لم يكن الاتفاق مجرد تسوية بين واشنطن وطهران، بل كشف تراجع قدرة الاحتلال على فرض شروطه داخل القرار الأمريكي.

كما أن إدراج وقف إطلاق النار في لبنان ضمن بنود الاتفاق وضع واشنطن أمام اختبار معقد، إذ باتت مطالبة بممارسة ضغوط مباشرة على حكومة نتنياهو لضبط عملياتها العسكرية ومنع تفجير الجبهة اللبنانية، وهو ما يفاقم التوتر السياسي بين الجانبين، ويؤكد أن لبنان لم يعد ساحة مفتوحة أمام الاحتلال، بل أصبح بنداً في معادلة إقليمية أوسع ترتبط بإيران والمقاومة ومصالح واشنطن.

وفي السياق ذاته، وصفت صحيفة “الغارديان” البريطانية رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بأنه “الخاسر الأكبر” من الاتفاق الأمريكي ـ الإيراني، معتبرة أن تداعياته قد لا تتوقف عند حدود الملف الإيراني، بل قد تمتد إلى إعادة رسم طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، خصوصاً بعدما بدت الإدارة الأمريكية أكثر حرصاً على تثبيت تفاهمها مع طهران من مسايرة الاندفاعة التصعيدية الإسرائيلية.

أما صحيفة “فاينانشال تايمز” فنقلت عن مسؤول كبير سابق في حكومة الاحتلال قوله إن الاتفاق الأمريكي مع إيران يمثل “كارثة استراتيجية يصعب وصف حجمها”، مشيرة إلى أن اتفاق ترامب مع طهران أثار غضباً واسعاً داخل كيان الاحتلال، واعتُبر إخفاقاً استراتيجياً كبيراً وضع نتنياهو في أضعف موقع سياسي له.

وتكشف هذه المواقف حجم الصدمة داخل المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية، فالاتفاق لم يمنح الاحتلال ما أراده من تفكيك للقدرات الصاروخية الإيرانية، ولم ينجح في عزل طهران عن ساحات المقاومة، ولم يفتح الطريق أمام إسقاط أو إنهاك الجمهورية الإسلامية كما كانت تأمل حكومة نتنياهو. بل على العكس، كرّس إيران طرفاً أساسياً في معادلة التفاوض، وربط ملفات لبنان والمنطقة بمخرجات التفاهم مع واشنطن.

وبذلك، يبدو أن الاتفاق الأمريكي ـ الإيراني لم يكن مجرد نهاية لجولة من التصعيد، بل لحظة انكشاف استراتيجية للاحتلال الإسرائيلي، الذي وجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الحرب لم تكسر إيران، والولايات المتحدة لم تواصل السير خلف الأهداف الإسرائيلية إلى النهاية، ومحور المقاومة خرج من المواجهة قادراً على فرض ملفاته على الطاولة، من طهران إلى لبنان.

وتؤكد هذه الاعترافات أن ما جرى يمثل تحولاً أعمق من خلاف سياسي عابر بين واشنطن وتل أبيب. فالاحتلال الذي راهن على الحرب لتثبيت تفوقه الإقليمي، وجد نفسه أمام اتفاق يحد من اندفاعه، ويقيد حركته في لبنان، ويعيد الاعتبار لإيران كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها. ومن هنا جاء توصيف الضابط الاستخباراتي السابق بأن ما حدث هو “انهيار كامل” لاستراتيجية الاحتلال تجاه إيران، لا مجرد تعثر تكتيكي أو خلاف في تفاصيل الاتفاق.

وثائق العسل والتمور تفضح بذخ العليمي.. ملايين تُصرف على الرفاهية وعدن تغرق في الظلام والجوع

وثائق العسل والتمور تفضح بذخ العليمي.. ملايين تُصرف على الرفاهية وعدن تغرق في الظلام والجوع

كشفت وثائق مسربة صادرة عن مكتب رئيس ما يسمى “مجلس القيادة” التابع للسعودية، المرتزق رشاد العليمي، عن فضيحة مالية جديدة تعكس حجم العبث والفساد داخل منظومة المرتزقة، بعد ظهور توجيهات بصرف مبالغ ضخمة على العسل والتمور والرحلات الخارجية، في وقت تعيش فيه عدن والمحافظات الجنوبية انهياراً معيشياً وخدمياً غير مسبوق.

وأظهرت الوثيقة الأولى، التي تحمل الرقم “884” والصادرة بتاريخ 30 أكتوبر 2025م، من مكتب المرتزق العليمي والموجهة إلى رئيس حكومة المرتزقة السابق المرتزق سالم بن بريك، توجيهاً بصرف مبلغ 923,950 ريالاً سعودياً لصالح ما يسمى مؤسسة “المذاق الشافي” السعودية للعسل والتمور.

ويعادل هذا المبلغ، بحسب سعر الصرف في مدينة عدن، قرابة 381 مليوناً و591 ألف ريال يمني، في واقعة أثارت موجة غضب واسعة، خصوصاً أن هذه النفقات جاءت في ظل عجز حكومة المرتزقة عن توفير أبسط الخدمات للمواطنين، وفي مقدمتها الكهرباء والمرتبات والوقود.

ولم تقف الفضيحة عند هذا الحد، إذ كشفت وثيقة أخرى مسربة من مكتب المرتزق العليمي، تحمل الرقم “862” والصادرة بتاريخ 10 أكتوبر 2025م، عن صرف مبلغ 150,650 دولاراً أمريكياً، أي ما يعادل نحو 235 مليون ريال يمني وفق سعر صرف عدن، لتغطية تكاليف مشاركة العليمي والوفد المرافق له في حفل افتتاح المتحف المصري.

وتكشف الوثيقتان، وفق ناشطين ومواطنين، جانباً من حالة البذخ المالي المنفصل عن واقع الناس، حيث تُصرف مئات الملايين على العسل والتمور والسفريات، بينما يعجز المواطن في عدن والمحافظات الجنوبية عن الحصول على الكهرباء والماء والدواء والراتب.

ولاقت التسريبات سخطاً شعبياً واسعاً، خصوصاً في المحافظات الجنوبية الواقعة تحت سيطرة التحالف السعودي الإماراتي، حيث اعتبر مواطنون أن هذه النفقات تمثل استهتاراً صارخاً بمعاناتهم اليومية، وتأكيداً جديداً أن ما يسمى “الشرعية” تحولت إلى واجهة للفساد والنهب والارتهان للخارج، لا سلطة معنية بإنقاذ الناس أو معالجة أزماتهم.

وتأتي هذه الفضيحة في وقت تشهد فيه عدن وبقية المناطق الخاضعة للاحتلال السعودي الإماراتي انهياراً كارثياً في الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء، مع استمرار عجز حكومة المرتزقة عن توفير شحنات الوقود لمحطات التوليد، رغم دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات تسببت في وفاة عدد من المواطنين، خاصة من كبار السن والأطفال.

كما تتزامن الفضيحة مع انتشار الأوبئة والأمراض الجلدية بين الأهالي، وتدهور القطاع الصحي، وتفاقم أزمة المرتبات، في ظل عجز الحكومة الموالية للرياض عن صرف مستحقات الموظفين، بينما تستمر النفقات الضخمة على مسؤوليها المقيمين في الخارج، بين الرياض وعدد من العواصم.

وتعكس وثائق العسل والتمور صورة مكثفة لحقيقة المشهد في المناطق المحتلة: سلطة تنفق على رفاهية مسؤوليها، وشعب يُترك في مواجهة الجوع والحر والمرض وانعدام الخدمات. وهي فضيحة لا تقف عند حدود مبلغ مالي، بل تكشف بنية كاملة من الفساد السياسي والمالي الذي تديره أدوات الرياض تحت غطاء ما يسمى الشرعية.

ويرى مراقبون أن هذه التسريبات ستزيد من حالة السخط الشعبي المتنامية ضد العليمي وحكومته، خصوصاً مع استمرار الانهيار الاقتصادي وتردي العملة وغياب الخدمات، في مقابل استمرار مظاهر الرفاهية والإنفاق المفتوح على مسؤولي المرتزقة ووفودهم الخارجية.

وبذلك، تتحول الوثائق المسربة إلى دليل جديد على أن معاناة المواطنين في عدن والجنوب ليست نتيجة عجز عابر، بل نتيجة نهج منظم من الفساد والنهب والارتهان، تُدار فيه الموارد لصالح قلة مرتبطة بالرياض، بينما تُترك المحافظات المحتلة بلا كهرباء ولا رواتب ولا خدمات، في مشهد يعكس فشل مشروع العدوان وأدواته في إدارة أبسط شؤون الناس.