في اليوم العاشر من الحرب، اتجه المشهد العام إلى تثبيت حقيقة أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي لم ينجح في شلّ بنية القرار الإيراني ولا في تفكيك منظومة القيادة والسيطرة، بل دفع طهران إلى الانتقال نحو مرحلة أشد تنظيمًا في إدارة الحرب، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا. فقد افتتح هذا اليوم بإعلان مجلس خبراء القيادة تعيين السيد مجتبى خامنئي قائدًا جديدًا للبلاد، في خطوة سريعة هدفت إلى قطع الطريق على رهانات الفراغ والاضطراب بعد اغتيال القائد السابق، وترافقت مع مبايعات متتالية من هيئة الأركان، الحرس الثوري، وزارة الدفاع، وزارة الاستخبارات، ومجلس الدفاع الإيراني، إلى جانب تظاهرات واحتفالات في المدن الإيرانية دعماً للقيادة الجديدة، ورسائل سياسية داخلية وخارجية تؤكد أن مؤسسات الدولة واصلت عملها تحت النار، وأن مسار القيادة لم ينكسر رغم ظروف الحرب.
عسكريًا، اتسم اليوم العاشر بوضوح انتقال إيران إلى تكثيف الضغط الصاروخي والمسيّر على نحو أكثر اتساعًا وتدميرًا. فقد أعلن الحرس الثوري تنفيذ الموجات 30 و31 و32 من عملية “الوعد الصادق 4”، مستخدمًا صواريخ خرمشهر وفتح وخيبر وقدر وعماد، إلى جانب المسيّرات الاستراتيجية، ومؤكدًا أن الضربات استهدفت قواعد أمريكية في المنطقة وشمال ووسط الأراضي المحتلة. كما شدد قادة القوة الجوفضائية على أن الرؤوس الحربية من الآن فصاعدًا لن تقل عن طن واحد، وأن كثافة الرشقات واتساعها سيتزايدان في الساعات والأيام التالية.
وفي عمق العدو الإسرائيلي، تحدثت وسائل إعلام العدو عن ليلة نارية في الوسط، ووصفت بعض الرشقات بأنها “مطر من الصواريخ”، مع سقوط صواريخ انشطارية على تل أبيب وبيت يام واللد وريشون لتسيون وأور يهودا، وإصابة ستة مواقع في الوسط، وانقطاع واسع للتيار الكهربائي في ضواحي تل أبيب، إلى جانب قتيلين وعدة إصابات وجروح خطيرة، بينما أقر إسعاف العدو بأنه تعامل خلال اليوم مع 41 مصابًا بعضهم نتيجة الشظايا والبقية نتيجة التدافع إلى الملاجئ.
ومن الناحية التقنية، عززت إيران في هذا اليوم خطابها القائم على أنها نجحت في تقويض شبكة الرادارات والإنذار الأمريكية التي كانت تمثل العمود الفقري للدرع الصاروخي في المنطقة. فقد تحدثت البيانات الإيرانية عن تدمير أربع رادارات متطورة للغاية تابعة لمنظومة “ثاد” خلال الساعات الماضية في الربة والرويس والخرج والأزرق، وأكدت أن هذه الرادارات كانت تزود شبكة الدفاع الأمريكية والإسرائيلية بالمعلومات اللحظية. كما أشارت تصريحات الحرس إلى أن تدمير هذه المنظومات جعل إصابة الأهداف أسهل وأدق، وهو ما يتطابق مع تذمر الإعلام الإسرائيلي من تقلص وقت الإنذار وتزايد صعوبة اعتراض الموجات الجديدة. كما أعلنت طهران استهداف رادار تجسس قرب الحدود الغربية بطائرة انتحارية، واستهداف محطة رادار إنذار مبكر تابعة للقاعدة الأمريكية 512 في الكيان، مع استمرار إسقاط المسيّرات المعادية داخل الأجواء الإيرانية، إذ أُعلن عن إسقاط MQ-9 إضافية ومسيّرات هيرمس 900 في بوشهر وطهران ومحافظة مركزي وخوزستان ورباط كريم، فيما نقلت CBS أن الجيش الأمريكي فقد 11 طائرة MQ-9 منذ بداية الحرب.
على جبهة القواعد الأمريكية، بدا أن إيران واصلت منهج استنزاف البنية العسكرية الأمريكية في الخليج وما حوله. فقد أعلن الجيش الإيراني استهداف مراكز وقواعد أمريكية في الكويت بالمسيّرات، كما تحدّث الحرس عن ضرب خمس قواعد أمريكية استراتيجية في المنطقة بصواريخ قدر وخرمشهر وخيبرشكن، بالإضافة إلى استهداف الأسطول الخامس وقواعد مرتبطة بالتمركز الأمريكي. وذكرت التقارير أن العمليات الإيرانية شملت قاعدة مروحيات أمريكية في “العديدري” بالكويت، حيث قيل إن الصواريخ دمرت مراكز تجهيز وإصلاح المروحيات وخزانات الوقود ومبنى القيادة. وفي الإطار نفسه، استهدفت المقاومة العراقية القواعد الأمريكية عبر 26 عملية خلال أربع وعشرين ساعة، واستخدمت عشرات المسيّرات والصواريخ، فيما وردت أنباء عن هجوم قرب أربيل وسقوط طائرة مسيّرة جنوب بغداد. وتظهر هذه التطورات أن واشنطن لم تعد تواجه صواريخ إيران فقط، بل مسارح نار متعددة من الخليج إلى العراق.
وفي لبنان، تواصلت الجبهة الشمالية للاحتلال على إيقاع نار كثيف ومتزامن. فقد أعلن حزب الله تنفيذ 18 عملية نوعية خلال 24 ساعة، استهدفت تجمعات وقوات ومواقع وقواعد للعدو، من مركبا ورب الثلاثين والعديسة وعيترون والبغدادي إلى كريات شمونة ومرغليوت ونهاريا، وصولًا إلى أهداف أعمق مثل قاعدة الرملة، وقاعدة حيفا البحرية، وقاعدة زائيف للدفاع الجوي، ومحطة الأقمار الصناعية التابعة لشركة SES في بيت شيمش، ومحطة الاتصالات الفضائية التابعة لشعبة الاتصالات والدفاع السيبراني في وادي إيلا. كما أعلنت المقاومة رصد 15 مروحية إسرائيلية حاولت تنفيذ إنزال في منطقة النبي شيت عبر سهل سرغايا السوري الحدودي، مؤكدة أن مقاتليها تصدوا للقوة المتقدمة وللمروحيات، فيما اعترف العدو بسقوط قتلى في جنوب لبنان وإصابات مباشرة في صفوف قواته. وفي المقابل، صعّد الاحتلال غاراته على الضاحية الجنوبية لبيروت وبلدات الجنوب، ما أسفر عن شهداء وجرحى في الغازية وطيردبا وجويا وصور وغيرها، إلى جانب استهداف المسعفين والمناطق المدنية.
اقتصاديًا، كان اليوم العاشر يوم الانفجار الأكبر في أسواق الطاقة. فقد تجاوز خام برنت 108 دولارات أولاً، ثم 114 دولارًا، ثم 118 دولارًا للبرميل وفق تحديثات الأسواق، بعدما كان قرب 70 دولارًا قبل العدوان، أي بزيادة تقارب 69%. كما ارتفعت أسعار خام غرب تكساس بأكثر من 25%، فيما حذرت فايننشال تايمز من أن السوق يستعد لسيناريو 100 دولار وما فوق، وذهبت وول ستريت جورنال إلى أن بلوغ 215 دولارًا لم يعد مستبعدًا في أسوأ السيناريوهات.
كما نقلت الصحف الاقتصادية أن الحرب على إيران أوجدت أكبر اضطراب في قطاع النفط في التاريخ، ورفعت أسعار الغاز في أوروبا بنحو 30%، ودَفعت مجموعة السبع إلى البحث في الإفراج المشترك عن نفط من الاحتياطيات الطارئة. وفي الولايات المتحدة نفسها، حاول ترامب ومسؤولوه تهدئة المخاوف من أسعار الوقود، بينما أقرت CNN أن سبب الارتفاع هو مشكلة عبور وشحن عبر مضيق هرمز، وأشارت تقديرات دولية إلى أن استمرار هذه الأسعار سيضغط على التضخم الأمريكي والنمو العالمي بشدة.**
سياسيًا، رسّخ هذا اليوم الانطباع بأن الرهان الأمريكي الإسرائيلي على انهيار النظام الإيراني أو خروج الشارع ضده قد فشل. فقد أكدت الإيكونوميست أن الإيرانيين لم يتأثروا بدعوات ترامب إلى “الاستسلام غير المشروط” أو بالمشاركة في اختيار القائد القادم، وأنه لا توجد أي مؤشرات على انتفاضة شعبية. كما رأت فايننشال تايمز ووول ستريت جورنال أن إعلان مجتبى خامنئي قائدًا جديدًا، في ذروة الحرب، يمثل تحديًا مباشرًا لترامب ودليلًا على أن إيران لن تتراجع، بل ستواصل مسيرة المقاومة وتماسك مؤسساتها. وظهرت تهاني ودعم خارجي من بوتين، ومواقف صينية تؤكد أن اختيار القيادة شأن إيراني دستوري، وأن الحرب ما كان ينبغي أن تقع أصلًا. كما صدرت مواقف من اليمن تؤكد أن اختيار القائد الجديد صفعة لقوى العدوان ورسالة بأن رهان إسقاط إيران سقط كليًا.
في المقابل، شددت طهران على أن الحرب لم تعد بالنسبة لها مجرد رد على ضربة عسكرية، بل معركة على السيادة والكرامة والموارد. فقد أكد عباس عراقجي أن إيران لن تستسلم أبدًا، وأنها تدافع عن أرضها وشعبها وكرامتها، وأن الكرامة غير قابلة للتفاوض، كما حذر من أن الولايات المتحدة تخطط لاستهداف المواقع النفطية والنووية الإيرانية لاحتواء الصدمة التضخمية العالمية، مضيفًا أن لدى إيران الكثير من المفاجآت. كما قالت الخارجية الإيرانية إن إيران مقبرة للمعتدين، وإن الهدف الحقيقي للعدوان هو نهب موارد إيران النفطية، بينما أوضح إسماعيل بقائي أن تصريحات ليندسي غراهام حول تقاسم نفط إيران وفنزويلا كشفت بصراحة أن القضية هي النفط لا الديمقراطية، وأن واشنطن تستخدم المياه الإقليمية والمجال الجوي للدول المجاورة لشن العدوان، بما يعرّض الأمن الإقليمي للخطر.
وعسكريًا أيضًا، كشفت إيران في هذا اليوم عن تصعيد نوعي في المواصفات، لا في الكم فقط. فقد أكدت مصادرها أن الهجوم السابق كان الأكبر منذ بداية الحرب، وأنه استُخدمت فيه لأول مرة كمية كبيرة من الصواريخ بعيدة المدى برؤوس تفوق الطن وبسرعة 17 ماخ، وهي سرعة قالت طهران إنها جعلت الأعداء عاجزين عن رصدها قبل إصابة أهدافها. وإلى جانب ذلك، أعلن حرس الثورة أن الأيام المقبلة ستشهد اتساع نطاق العمليات أكثر، فيما خاطب المستوطنين بأن الإنذار المتواصل والظروف الصعبة لن تنتهي وأن وابل النار سيستمر.
في المحصلة، أظهر اليوم العاشر أن الحرب انتقلت من طور “الضغط لإخضاع إيران” إلى طور “صراع الإرادات المفتوح” الذي تتزايد فيه كلفة العدوان على واشنطن وتل أبيب يومًا بعد آخر. فإيران نجحت في تثبيت القيادة الجديدة بسرعة، وقطع رهانات الفراغ، وتوسيع الجبهة الصاروخية، وتعميق إصابة العمق الإسرائيلي، واستنزاف القواعد الأمريكية، وفرض هزة نفطية عالمية، والحفاظ على التماسك الداخلي. وفي المقابل، بدا العدو غارقًا في حرب طويلة تتسع نيرانها من تل أبيب وحيفا إلى الجليل والحدود اللبنانية والخليج ومضيق هرمز، وسط تزايد الخسائر، وتآكل هيبة الردع، وتصاعد الضغط الاقتصادي العالمي. اليوم العاشر، بهذا المعنى، لم يكن مجرد استمرار للمواجهة، بل يوم تثبيت المعادلة الجديدة: القيادة الإيرانية استقرت، والردع المعادي يتآكل، والحرب تتحول تدريجيًا إلى عبء استراتيجي ثقيل على من بدأها.
