في اليوم الحادي عشر من المواجهة، حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تسويق صورة نصرٍ حاسم ومكتمل على الجمهورية الإسلامية، مدّعياً أن واشنطن “قضت على القدرات النووية الإيرانية” و“أنهت البحرية الإيرانية” وقلّصت القدرة الصاروخية إلى 10% وخفّضت إطلاق المسيّرات بنسبة 83%، ومهدداً بأن الحرب لن تتوقف حتى “الهزيمة الكاملة للعدو”.
غير أن هذه الرواية الأميركية بدت، منذ لحظة إطلاقها، أقرب إلى حرب نفسية مضطربة منها إلى توصيفٍ ميداني واقعي، خصوصاً مع تزامنها المباشر مع موجات صاروخية ومسيرات إيرانية متواصلة ضربت قلب الكيان الصهيوني والقواعد الأميركية في المنطقة، ومع اعترافات متلاحقة من داخل معسكر العدوان نفسه بحجم الاستنزاف والخسائر.
الرد الإيراني جاء سريعاً وحاسماً، إذ أكد المتحدث باسم حرس الثورة الإسلامية أن ترامب “يحاول فرض ضغط نفسي على إيران عبر الأكاذيب والخداع”، مشدداً على أن القوات المسلحة الإيرانية تواصل الحرب بكل قوتها وأن إيران هي من ستحدد نهاية الحرب، لا البيت الأبيض. كما أوضح أن الأسطول البحري الأمريكي وحاملة الطائرات “جيرالد فورد” تحت المراقبة في مضيق هرمز، وأن ردود إيران تركت ترامب في حالة ارتباك وعجز بعد أن بدأ الحرب بالكذب على شعبه. وفي الميدان، لم تكتفِ طهران بتفنيد رواية “الانهيار“، بل واصلت تثبيت معادلة الردع بالنار، لتؤكد أن العدوان لم ينجح في شل القدرات الإيرانية، بل دفعها إلى توسيع مسرح العمليات وتعميق كلفة الحرب على المعتدين.
عملياً، كشفت معطيات الساعات الماضية أن إيران واصلت تنفيذ موجات هجومية ثقيلة ضمن عملية “الوعد الصادق 4”، مستخدمة صواريخ ثقيلة ذات رؤوس حربية تزن طناً واحداً، بينها صواريخ “خيبر” العاملة بالوقود الصلب. ووفق المعطيات الميدانية، تعرضت “تل أبيب” لأكثر من 10 صواريخ خيبر خلال إحدى الموجات، فيما استُهدفت القاعدة الخامسة للبحرية الأمريكية وأصابت الصواريخ أهدافها بدقة. كما أعلن التلفزيون الإيراني إطلاق دفعات جديدة من الصواريخ باتجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، بينما أظهرت مشاهد إطلاق الصواريخ الإيرانية الثقيلة في الموجة الثالثة والثلاثين من العمليات، بما يؤكد أن ما يسميه ترامب “تدميراً للقدرات” لا يجد ما يسنده على الأرض.
وفي السياق نفسه، أعلن مقر خاتم الأنبياء تنفيذ عملية مشتركة بطائرات مسيّرة هجومية وصواريخ كروز استهدفت قاعدة “العُديري” الأميركية في الكويت، مؤكداً إصابة 11 هدفاً عسكرياً مهماً داخل القاعدة، بينها خزانات وقود ومنصات مروحيات ومرافق لوجستية وبنى تحتية، مع رصد انسحاب القوات الأميركية من أجزاء من القاعدة بعد الضربات الدقيقة. كما أعلنت الدفاعات الجوية الإيرانية إسقاط مسيّرتين أمريكيتين من طراز MQ-9 في مدينتي جم وخورموج بمحافظة بوشهر، واعتراض صواريخ كروز في سماء طهران، إضافة إلى إسقاط مسيّرة صهيونية في منطقة برندك.
وفي تطور موازٍ، أفادت تقارير عن استهداف برج في البحرين يتواجد بداخله ضباط أمريكيون، كما أعلنت المقاومة الإسلامية في العراق – سرايا أولياء الدم تنفيذ هجوم بسرب من الطائرات المسيّرة استهدف قاعدة “فكتوريا” الأميركية في مطار بغداد، في تأكيد إضافي على أن القواعد والمنشآت الأمريكية باتت تحت النار من أكثر من جبهة.
أما على جبهة الشمال الفلسطيني المحتل، فقد استمرت المقاومة الإسلامية في لبنان في رفع وتيرة الضغط الناري، حيث أعلنت استهداف قاعدة “تسيبوريت” شرق حيفا بسرب من المسيّرات الانقضاضية، ثم استهداف تجمع جنود وآليات الاحتلال في موقع العبّاد مقابل بلدة حولا بصلية صاروخية، تلاها قصف مغتصبة “مسكاف عام”، ثم تنفيذ ضربات جديدة على الشمال المحتل بالتزامن مع الموجات الإيرانية. وأقرت القناة 12 الصهيونية بأن 30 صاروخاً وصل خلال ساعة ونصف من لبنان وإيران باتجاه الشمال، بينما أشارت وسائل إعلام العدو إلى أن الدفعات الأخيرة وصلت بشكل متزامن من الجبهتين الإيرانية واللبنانية، في مشهد يكشف أن وحدة الساحات لم تعد شعاراً سياسياً فقط، بل باتت واقعاً عملياتياً يربك حسابات العدو ويضاعف الضغط على منظوماته الدفاعية.
وترافقت هذه العمليات مع حالة ذعر واسعة في الداخل الصهيوني، حيث دوّت صفارات الإنذار في حيفا والجليل الأعلى وصفد ومحيطها، وأفادت وسائل إعلام العدو بسماع ما لا يقل عن 10 انفجارات في الشمال، إضافة إلى اختراق طائرات مسيّرة أجواء المنطقة وإصدار توجيهات بالدخول الفوري إلى الملاجئ. كما تحدثت التقارير عن فرار الصهاينة من مطار “بن غوريون”، وهو ما استثمره متحدث مقر خاتم الأنبياء سياسياً ونفسياً، مؤكداً أن هذا المشهد يدل على “حالة البؤس وعجز الكيان الصهيوني”، وموجهاً رسالة مباشرة للمغتصبين بأن “النيران الكثيفة ستظل تمطر فوق رؤوسكم باستمرار” وأن الخناق سيضيق أكثر حتى يصبح الهروب إلى الملاجئ عادة يومية.
وفي موازاة التطورات الميدانية، اتخذ الموقف السياسي الإيراني منحى أكثر صراحة وحسماً. فقد أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي أنه “لا يعتقد أن الحوار مع الأمريكيين سيبقى مطروحاً على جدول الأعمال”، في إشارة واضحة إلى أن استمرار العدوان الأمريكي–الصهيوني يقوّض ما تبقى من جدوى المسار التفاوضي. كما شكر القيادة المركزية للجيش الأميركي على اعترافها باستخدام أراضي بعض الجيران لإطلاق صواريخ قصيرة المدى ضد الشعب الإيراني، مضيفاً أن الهجوم على محطة تحلية المياه في قشم يبدو أنه نُفذ أيضاً باستخدام أراضي الجوار، ومؤكداً أن “إذا قامت صواريخنا القوية بتدمير هذه المنظومات أينما وجدت رداً على ذلك فلا ينبغي لأحد أن يشتكي”.
هذه الرسالة اكتسبت بعداً استراتيجياً إضافياً مع تصريح رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف بأن وجود القواعد الأمريكية في المنطقة هو السبب في غياب السلام، وأن العدوان على محطة تحلية المياه في قشم تم بدعم من قاعدة جوية في إحدى دول الجوار، ما يعني أن إيران باتت تتعامل مع المنصات الإقليمية للعدوان كأهداف مشروعة إذا ثبت انخراطها المباشر.
وفي الوقت ذاته، حرصت طهران على الفصل بين الدول الجارة وبين المنصات العسكرية المستخدمة ضدها، مؤكدة أن عملياتها لا تستهدف سيادة الدول بل الأدوات التي تحولت إلى رؤوس حربة للعدوان الأمريكي–الصهيوني. وهذا ما أعاد التأكيد عليه خطاب حرس الثورة، الذي شدد على أن القوات المسلحة الإيرانية على أهبة الاستعداد لحماية النفط وأمن المنطقة، بما ينسف السردية الأمريكية التي تحاول تصوير إيران كتهديد شامل للممرات الإقليمية، بينما الوقائع الميدانية تظهر أن واشنطن هي من وسعت الحرب ودفعت المنطقة كلها نحو حافة الاشتعال.
وعلى الجانب الأمريكي، بدأت مؤشرات الإنهاك تظهر بشكل أوضح. فقد نقلت صحيفة واشنطن بوست عن مسؤولين أمريكيين أن وزارة الحرب أهدرت ذخائر بقيمة 5.6 مليار دولار خلال أول يومين فقط من الهجوم على إيران، وهي أرقام تكشف الحجم المهول للاستنزاف في مواجهة خصم لم يُكسر ولم يتراجع. كما أن خطاب ترامب نفسه، رغم نبرته المتغطرسة، حمل تناقضاً واضحاً؛ فهو يعلن من جهة أنه “سحق إيران تماماً” وأن الحرب أوشكت على النهاية، ثم يعود ليقول إنه “حقق انتصارات كثيرة ولكنها غير كافية”، وأنه “لن يتوقف حتى الهزيمة الكاملة للعدو”، مع إبقاء خيار تدمير محطات الكهرباء والبنية التحتية كمرحلة لاحقة إذا لزم الأمر. هذا التناقض يكشف أن ما يجري ليس خطاب قوة واثقة، بل محاولة تعويض الفشل العملياتي بتصعيدٍ لفظي يهيئ الرأي العام الأميركي لمزيد من التورط.
في المقابل، أظهرت جبهات المقاومة المساندة أن العدوان على إيران بات يُقرأ في المنطقة باعتباره مشروع إخضاع شامل للأمة. فقد اعتبر الأمين العام لحزب العمل التونسي حمّة الهمامي أن العدوان يستهدف إخضاع الأمة والهيمنة عليها استكمالاً للمخطط الأميركي–الإسرائيلي، داعياً القوى التحررية إلى الوقوف إلى جانب إيران وحزب الله لإفشال هذا المشروع. كما أن تزامن الصواريخ الإيرانية واللبنانية فوق شمال فلسطين المحتلة، وتوسع دائرة استهداف القواعد الأميركية من الكويت إلى بغداد وربما البحرين، يثبت أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة ثنائية، بل اشتباك إقليمي متعدد الجبهات يتقدم فيه محور المقاومة من موقع الفعل لا رد الفعل.
والخلاصة أن الليلة العاشرة – الحادية عشرة من الحرب كشفت بوضوح أن خطاب النصر الأمريكي لا يصمد أمام وقائع الميدان. فإيران لم تُسحق، ولم تُشل، ولم تتراجع إلى موقع الدفاع السلبي، بل واصلت إطلاق الصواريخ الثقيلة، وأسقطت المسيّرات المعادية، وضربت القواعد الأميركية، وأبقت الداخل الصهيوني في حالة استنزاف دائم. أما الكيان الصهيوني، فبات يواجه قصفاً متزامناً من إيران ولبنان، واضطراباً متزايداً في جبهته الداخلية، فيما تزداد كلفة العدوان على واشنطن مالياً وعسكرياً وسياسياً. وهكذا، فإن ما أراده ترامب “حرباً قصيرة للحسم” يتحول أكثر فأكثر إلى حرب استنزاف مفتوحة، تكتب فيها طهران معادلتها بوضوح: إيران لا تستجدي نهاية الحرب، بل تفرض شروطها عليها بالنار والسيادة والثبات.
