ذات صلة

الأكثر مشاهدة

مستجدات العدوان: إيران تُحكم “قبضة الردع” وتُغرق العدوان “الأمريكي–الصهيوني” في مستنقع الاستنزاف الشامل

في اليوم الحادي عشر من العدوان الأمريكي الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، اتضح أكثر فأكثر أن معركة الاستنزاف انقلبت على المعتدين أنفسهم، وأن طهران لم تعد تتعامل مع الحرب كجولة رد مؤقت، بل كمسار مفتوح تُدار نهايته من موقع الصمود والردع والسيادة. فمنذ الساعات الأولى، واصلت جبهات المقاومة الضغط على الكيان الصهيوني، حيث سقطت صواريخ حزب الله في كريات شمونة، فيما أكدت التطورات اللاحقة أن الشمال الفلسطيني المحتل بقي تحت النار، مع استمرار صفارات الإنذار في الجليل والمطلة ومسكاف عام وشتولا، وتسجيل إصابات مباشرة في الأراضي المحتلة، إلى جانب حالة هروب وارتباك واسعة بين المستوطنين بمجرد سماع الإنذارات.

في المقابل، رفعت طهران سقف رسائلها السياسية والعسكرية بشكل واضح. قائد القيادة المركزية في مقر خاتم الأنبياء اللواء الطيار علي عبد اللهي أكد أن الوضع لم يعد يسمح لأمريكا والكيان الصهيوني بشن حرب على إيران وإنهائها متى شاءا، مشدداً على أن إرادة القيادة والشعب والقوات المسلحة في الثأر من الأعداء أقوى من أي وقت مضى، وأن على واشنطن وتل أبيب الكف عن تهديد دول غرب آسيا. هذا الموقف وجد صداه لاحقاً في تصريح المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني التي أكدت أن إيران لم تبدأ الحرب لكنها هي من ستنهيها، وأن العدوان يهدف إلى تجزئة إيران ونهب ثرواتها، مضيفة أن طهران تمكنت خلال 24 ساعة فقط من ترميم النقص في الوقود الناتج عن استهداف مستودعات النفط، في رسالة واضحة بأن قدرة الدولة الإيرانية على امتصاص الضربات وإعادة تشغيل بنيتها الحيوية ما زالت عالية.

العدو، في المقابل، بدأ يعترف بصورة غير مباشرة بصعوبة المعركة. صحيفة واشنطن بوست كشفت أن الحرب الأمريكية على إيران استهلكت آلاف صواريخ الدفاع الجوي عالية الكلفة وكميات كبيرة من الذخائر المتطورة، وأن البنتاغون يستهلك مخزونه من الأسلحة الدقيقة بسرعة كبيرة بعد أقل من أسبوع على بدء الضربات الواسعة. ونقلت عن مسؤول أمريكي أن أي حملة طويلة ضد إيران لن تترك ما يكفي من الذخائر لمواجهة تهديدات أخرى، فيما أكد مسؤولون أن وزارة الحرب الأمريكية بدأت السحب من مخزونات صواريخ باتريوت المخصصة لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ. هذا الاستنزاف العسكري ترافق مع تصدع سياسي داخل المعسكر الأمريكي نفسه، إذ نقلت وول ستريت جورنال أن مستشاري ترامب باتوا يحثونه على إيجاد مخرج للحرب، بينما ذهبت هآرتس الصهيونية إلى حد القول إن ترامب ونتنياهو يكذبان على الجمهور وإن سجلهما ضد إيران سيئ.

ميدانياً، واصلت إيران تثبيت قدرتها الدفاعية والهجومية معاً. حرس الثورة الإسلامية أعلن إسقاط مسيرات معادية من طراز هيرمس 900 في بروجرد وسيروان، كما أسقطت الدفاعات الجوية الإيرانية لاحقاً مسيرتي هيرمس 900 في لرستان وقم، إضافة إلى تدمير طائرة هيرون تي بي قرب طهران وأخرى من الطراز نفسه في محيط محافظة مركزي. وبالتوازي، كشفت الاستخبارات الإيرانية القبض على 30 جاسوساً وعميلاً داخلياً يتبعون للعدو الأمريكي الصهيوني خلال الأيام القليلة الماضية، في تأكيد على أن طهران لا تواجه فقط عدواناً جوياً وصاروخياً، بل أيضاً حرب اختراق وتجسس يجري التعامل معها بفاعلية.

وعلى مستوى الرد الهجومي، أعلنت القوات الإيرانية استهداف مصفاة النفط والغاز وخزانات الوقود الصهيونية في حيفا بالطائرات المسيّرة، رداً على العدوان على مستودعات النفط الإيرانية. كما أكد متحدث مقر خاتم الأنبياء أن الرد الإيراني شمل تدمير مركز اتصالات الأقمار الصناعية “هائلا” جنوب تل أبيب، وهو مركز رئيسي للربط بين القواعد والمقاتلات الإسرائيلية، ضمن الموجة الثالثة والثلاثين، إضافة إلى استهداف قاعدة “حرير” الأمريكية في إقليم كردستان بخمسة صواريخ. ومع حلول المساء، أعلن حرس الثورة انطلاق الموجة الخامسة والثلاثين من عملية “الوعد الصادق 4”، بإطلاق صواريخ استراتيجية من طراز فتاح وعماد وخيبر وقدر باتجاه أهداف في يافا المحتلة وبيت شيمش والقدس المحتلة، إضافة إلى قواعد أمريكية، مؤكداً أن حالة الإنذار المتواصل، والهروب إلى الملاجئ، والتدافع لمحاولة الفرار تعكس الواقع الذي يعيشه الصهاينة والجنود الأمريكيون.

ومن الجبهة اللبنانية، واصلت المقاومة الإسلامية تعميق الضغط على العدو. فإلى جانب سقوط صواريخ حزب الله في كريات شمونة، أعلن الحزب لاحقاً استهداف قاعدة “شمشون” غرب بحيرة طبريا بسرب من المسيّرات الانقضاضية، وقصف تجمعات لجنود العدو في موقع الحمامص المستحدث، وشرق معتقل الخيام، ووادي العصافير جنوب مدينة الخيام، فيما أصاب صاروخ مضاد للدروع دبابة ميركافا كانت محملة على ناقلة، في إشارة إلى أن الجبهة الشمالية لم تعد مجرد جبهة إسناد، بل ساحة استنزاف فعلية للآلة البرية الإسرائيلية. وبالتوازي، واصل الطيران الإسرائيلي ارتكاب الجرائم في لبنان عبر استهداف بيت ليف والعباسية وحاروف وأنصارية والمجادل والضاحية الجنوبية لبيروت، في محاولة يائسة لاحتواء نار المقاومة بالنار على المدنيين والبنية السكنية.

اقتصادياً، بدأت الحرب تكشف كلفتها العالمية المتزايدة. وكالة إنترفاكس نقلت عن الرئيس الروسي أن إنتاج النفط المرتبط بمضيق هرمز قد يتوقف بالكامل في وقت مبكر من الشهر المقبل، فيما أعلنت بلومبرغ أن السعودية والعراق والإمارات والكويت خفضت إنتاج النفط بنحو 6.7 مليون برميل يومياً، أي ما يقارب ثلث الإنتاج. رئيس أرامكو حذر بدوره من أن العواقب على أسواق النفط العالمية قد تكون كارثية إذا استمر إغلاق ممر هرمز، بينما أكدت الصين أن الأولوية يجب أن تكون للمساعدة في وقف الصراع وأن تصاعد التوتر ليس في مصلحة أي طرف. كما أظهرت مشاهد تكدس السفن بانتظار العبور عبر مضيق هرمز، في وقت قال قائد القوة البحرية لحرس الثورة الأدميرال علي رضا تنكسيري بلهجة لا تحتمل التأويل: لا يحق لأي سفينة مرتبطة بالمعتدين على إيران عبور المضيق، متحدياً الجميع بالاقتراب والتجربة إذا كان لديهم شك.

انعكاسات الحرب لم تتوقف عند النفط فقط، بل امتدت إلى معيشة الدول والأسواق. فقد أعلنت الرابطة الأمريكية للسيارات أن سعر غالون البنزين ارتفع بنسبة 16.4% خلال عشرة أيام فقط من العمليات العسكرية ضد إيران، بينما بدأت شركات الطيران رفع أسعار التذاكر بسبب ارتفاع الوقود، ودعت وزارة التجارة الفيتنامية موظفي الشركات إلى العمل من المنزل توفيراً للوقود في ظل اضطراب الإمدادات. كما رفعت مصر أسعار الوقود بزيادة 3 جنيهات لكل لتر بسبب الظروف الاستثنائية في أسواق الطاقة، وهو ما يعكس أن قرار الحرب على إيران لم يعد عبئاً على جبهات القتال فقط، بل بات ضاغطاً على الاقتصاد العالمي برمته.

في الداخل الصهيوني، تتزايد مؤشرات الخسارة والإنهاك. يديعوت أحرونوت أقرت بمقتل إسرائيلي متأثراً بجروحه إثر القصف الصاروخي على وسط فلسطين المحتلة في اليوم السابق، كما نعت منصات للمستوطنين نجل وزير المالية في حكومة العدو بعد وفاته متأثراً بجراح أصيب بها بنيران حزب الله. وذهب الكيان إلى فرض عقوبة سجن تصل إلى خمس سنوات على أي شخص ينشر صوراً أو مقاطع فيديو لضربات الصواريخ الإيرانية، في محاولة لفرض تعتيم شامل على حجم الدمار والإخفاقات. وفي الوقت نفسه، أعلنت وزارة المالية في حكومة العدو نيتها زيادة ميزانية الدفاع بنحو 13 مليار دولار لتمويل الحرب مع إيران، ما يكشف أن الكيان لم يعد يتحدث عن معركة خاطفة، بل عن حرب استنزاف باهظة الكلفة.

إنسانياً، تستمر حصيلة العدوان في الارتفاع. منظمة الطوارئ في إيران أعلنت أن عدد الشهداء بلغ 1348 شهيداً وأكثر من 17 ألف جريح منذ بدء العدوان الأمريكي الإسرائيلي، فيما أكدت فاطمة مهاجراني أن 193 طفلاً استشهدوا حتى الآن. كما أعلن التلفزيون الإيراني أسماء أربعة دبلوماسيين إيرانيين استشهدوا في العدوان، ما يضيف بعداً سيادياً وقانونياً آخر إلى الجرائم المرتكبة. وفي العراق، أفادت مصادر باستشهاد خمسة وإصابة العشرات جراء استهداف مقر لواء 40 في الحشد الشعبي شمال غرب كركوك، بينما اعترف متحدث جيش العدو بقتل ثلاثة فلسطينيين في شمال غزة بذريعة اجتياز “الخط الأصفر”، في استمرار لمسار الدم المفتوح من إيران إلى العراق ولبنان وفلسطين.

سياسياً، صدر موقف يمني لافت من وزارة الخارجية والمغتربين شدد على أن استهداف إيران للقواعد العسكرية في عدد من الدول العربية يأتي في إطار حقها المشروع في الدفاع عن النفس، وأن من يهدد السلم والأمن الإقليمي والدولي وحرية الملاحة وأمن الطاقة هو العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، محذراً الدول العربية من الانجرار وراء المخطط الأمريكي الإسرائيلي الرامي إلى الزج بها في مواجهة مباشرة مع الجمهورية الإسلامية، وداعياً إلى إعادة النظر في وجود القواعد الأمريكية على أراضيها.

مجمل هذه التطورات يكشف أن اليوم الحادي عشر لم يكن يوماً عادياً في مسار الحرب، بل محطة أظهرت بوضوح أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي دخل مرحلة الإنهاك المركب. فإيران لم تكتفِ بالصمود، بل أثبتت أنها تحتفظ بقدرتها على الضرب العميق، وعلى التحكم بإيقاع الرد، وعلى توسيع كلفة الحرب من القواعد الأمريكية إلى البنى الحيوية في الكيان، ومن أسواق الطاقة إلى الممرات البحرية. وفي المقابل، يتراكم على معسكر العدوان العجز العسكري، والاستنزاف المالي، والاضطراب السياسي، والقلق الاقتصادي العالمي. ومع كل موجة صاروخية جديدة، وكل مسيّرة تُسقطها الدفاعات الإيرانية، وكل صفارة إنذار تدوي في الشمال والوسط الفلسطيني المحتل، يتأكد أن الحرب لم تعد حرب فرض إرادة على إيران، بل حرب سقوط تدريجي لأوهام الهيمنة الأمريكية والصهيونية في غرب آسيا.

spot_imgspot_img