دخل العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران يومه الخامس والعشرين فيما كانت معالم التحول الميداني تتكرس بوضوح لمصلحة طهران، مع استمرار الضربات الصاروخية الإيرانية على العمق الصهيوني والقواعد الأمريكية، وتزايد الاعترافات الغربية والعبرية بأن الحرب لم تسر كما خطط لها المعتدون، بل تحولت إلى مستنقع استنزاف مفتوح تتسع كلفته العسكرية والاقتصادية والسياسية يوماً بعد آخر.
ففي الساعات الأولى، أعلن الحرس الثوري الإيراني تنفيذ الموجة الثامنة والسبعين من عملية “الوعد الصادق 4” باتجاه الأراضي المحتلة والقواعد الأمريكية، مؤكداً أن الضربات أصابت أهدافاً في أم الرشراش وديمونا وشمال يافا المحتلة، إضافة إلى قواعد أمريكية في المنطقة باستخدام صواريخ عماد وقدر والطائرات المسيّرة. وحمل البيان الإيراني رسالة سياسية وعسكرية شديدة الوضوح، حين شدد على أن التفاوض مع المعتدين المجرمين من قتلة الأطفال يجري بضربات الميدان لا بالكلمات، مؤكداً أن معظم وحدات الحرس والبسيج المليوني لم تدخل الحرب بعد، وأن دخولها عند الضرورة سيجعل المعركة أشد ضراوة ويجعل الهلاك حتمياً للأعداء.
وتجلت نتائج هذا المسار سريعاً في العمق الصهيوني، حيث توالت مشاهد وصول الصواريخ الإيرانية الانشطارية إلى أجواء المستوطنات، مع إصابات مباشرة في حيفا وتل أبيب ومناطق الوسط، بينما تحدث إعلام العدو عن 10 انفجارات قوية في تل أبيب والوسط نتيجة الضربات الإيرانية. وأقرت القناة 12 العبرية بأن الهجوم الفجري على تل أبيب ومناطق الوسط كان من أخطر الهجمات، بسبب فشل منظومات الدفاع الجوي في التعامل مع الصواريخ، وهو اعتراف يضاف إلى سلسلة المؤشرات التي تؤكد أن شبكة الاعتراض الصهيونية لم تعد قادرة على توفير الغطاء الذي وعدت به قيادته السياسية والعسكرية.
هذا الفشل الدفاعي ترافق مع معلومات كشفتها القناة 12 عن إصابة طيار أمريكي لطائرة F-35 بشظايا إثر تضرر طائرته خلال مهمة في أجواء إيران، في تطور يعكس اتساع المخاطر حتى على أكثر المنصات الجوية تطوراً التي دفعت بها واشنطن في هذه الحرب. وفي الموازاة، تواصلت الضربات على الجنوب المحتل، مع تسجيل انفجار عنيف في بئر السبع وتقارير عن إصابتين على الأقل، بما يعكس اتساع رقعة الضغط الإيراني من الوسط إلى الجنوب.
على الجبهة العراقية، حمل اليوم تطوراً خطيراً مع العدوان الأمريكي الصهيوني على مقر قيادة الحشد الشعبي في الأنبار بقاعدة الحبانية، والذي أسفر، وفق المعطيات الأولية، عن أكثر من 20 بين شهيد وجريح، ثم تأكد لاحقاً استشهاد قائد عمليات الأنبار سعد دواي البعيجي مع عدد من رفاقه في ضربة جوية غادرة. ويؤكد هذا الاستهداف أن واشنطن، بعدما عجزت عن كسر إيران مباشرة، تمضي في توسيع العدوان على قوى المقاومة الحليفة، بما يفتح جبهات إضافية ويزيد من الطابع الإقليمي الشامل للحرب.
وفي المقابل، استمر حزب الله في فرض استنزاف متصاعد على الجبهة الشمالية، حيث أشارت تقارير عبرية إلى نجاحه في تقييد قوة برية كبيرة لجيش الاحتلال، مع استمرار تهديد أمن سكان الشمال والجبهة الداخلية الصهيونية. ويعني ذلك أن الاحتلال بات مضطراً لتوزيع جهده بين جبهات متعددة، في وقت يتراجع فيه مخزونه الدفاعي وتتزايد كلفة الحرب البشرية والمادية.
وفي قلب المعركة الاستراتيجية، استمر مضيق هرمز في فرض نفسه كأحد أهم مفاتيح الصراع. فقد رأت إندبندنت أن إيران أظهرت أخيراً حدود قوة ترامب، بعدما اضطر إلى تأجيل تهديده بـ“تدمير” نظام الطاقة الإيراني إذا لم يُفتح المضيق. كما وصفت التلغراف الرئيس الأمريكي بأنه وقع في ورطة من صنعه، مؤكدة أن قادة إيران لن يرضخوا للتهديدات بالتخلي عن سيطرتهم على المضيق.
وجاءت تصريحات وزير الحرب الأمريكي السابق جيم ماتيس لتدعم هذا المنحى، حين قال إن فتح مضيق هرمز بالقوة العسكرية سيكون صعباً جداً، وإن على الولايات المتحدة الاعتماد على الدبلوماسية لإنهاء الأزمة، محذراً من أن الحرب سترتد سلباً على الإدارة الأمريكية داخلياً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي بسبب آثارها على الوضع المالي للمواطن الأمريكي.
اقتصادياً، واصلت الحرب ضخّ الصدمات في الأسواق العالمية، مع ارتفاع العقود الآجلة للخام الأمريكي إلى 89.19 دولاراً ثم إلى 90.07 دولاراً للبرميل، في تفاعل مباشر مع نفي طهران إجراء أي محادثات مع واشنطن، ومع تزايد المخاوف من اتساع الصراع. كما كشف تحليل لـبي بي سي أن الضربات الإيرانية على القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج والمنطقة تسببت في أضرار قاربت المليار دولار خلال أسبوعين، بينها نحو 800 مليون دولار من الأضرار في البنية التحتية العسكرية الأمريكية، وسط تحفظ البنتاغون على الكشف عن الحجم الكامل للخسائر.
أما سياسياً، فقد تعرّت رواية الحرب أكثر من أي وقت مضى. إذ تحدثت وول ستريت جورنال وواشنطن بوست عن دور إماراتي ضاغط باتجاه عدم وقف الحرب و“إنهاء المهمة” في إيران، فيما بدا أن واشنطن عاجزة عن تحقيق ذلك. وبهذا المعنى، تكشف هذه التقارير أن بعض العواصم الإقليمية دفعت نحو التصعيد وهي تراهن على إسقاط سريع أو إخضاع حاسم، لكنها باتت اليوم أمام واقع مختلف تماماً: إيران لم تنكسر، وميدان الحرب يتوسع، وكلفة الاستمرار ترتفع على الجميع.
وفي البعد القانوني والإنساني، جاءت مواقف دولية جديدة تؤكد اتساع القلق من منطق العدوان المنفلت. فقد شددت فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة، على أن تجاهل القانون الدولي الذي بدأ في فلسطين يتجلى بالفعل من لبنان إلى إيران، محذرة من أن عدم كبح هذا المسار سيؤدي إلى تمدده إلى ما هو أبعد. ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة في ظل استمرار العدوان على المدنيين في أكثر من ساحة، من إيران إلى لبنان وفلسطين.
وعليه، فإن اليوم الخامس والعشرين من العدوان يظهر بوضوح أن طهران لم تعد في موقع الدفاع المحض، بل باتت تمسك بزمام معادلة الردع والهجوم معاً. الصواريخ الإيرانية تواصل اختراق العمق الصهيوني، القواعد الأمريكية تتكبد خسائر متزايدة، الحلفاء الإقليميون لواشنطن يبدون أكثر قلقاً من ذي قبل، وأسواق الطاقة تؤكد أن كل يوم إضافي من الحرب يدفع العالم نحو مزيد من الاضطراب.
وفي المحصلة، فإن ما بدأه الأمريكي والإسرائيلي بوصفه حرباً لكسر إيران، يتحول تدريجياً إلى اختبار قاسٍ لحدود القوة الأمريكية والصهيونية معاً، فيما تبدو الجمهورية الإسلامية أكثر ثباتاً في الميدان وأكثر وضوحاً في رسالتها: لا تفاوض تحت النار، والردع لا يُصان إلا باستمرار الضربات حتى تنكسر إرادة المعتدي.
